النووى فى الخلفية والإقليم على الطاولة
المقايضة بالتطبيع
آلاء شوقى
شروط واشنطن للتهدئة مع إيران مقابل اتفاقيات «إبراهام».. هل تصلح ما أفسدته الحرب؟!
أزمة تتجاوز الملف النووى وتتجه إلى إعادة رسم خرائط الإقليم.. فمع كل جولة جديدة من التفاوض بين «إيران» و«الولايات المتحدة»؛ تتكشف خطة أمريكية لا تنظر إلى الاتفاق المرتقب مع «طهران» باعتباره تسوية تتعلق بالبرنامج النووى أو بأمن الملاحة فى مضيق «هرمز» فحسب؛ بل كمدخل لإعادة ترتيب المشهد السياسى والأمنى فى منطقة «الشرق الأوسط».
ففى الوقت الذى تتصدر فيه ملفات العقوبات، وتخصيب اليورانيوم، والضمانات النووية واجهة المفاوضات، برزت- خلال الأيام الأخيرة- مؤشرات على محاولة «واشنطن» توظيف الاتفاق المحتمل لتحقيق أهداف إقليمية أوسع، وفى مقدمتها توسيع دائرة ما يُعرَف باسم (اتفاقيات إبراهام)، ودمج مزيد من الدول العربية والإسلامية فى مسار التطبيع مع إسرائيل.
التهدئة مقابل التطبيع
تتمثل أبرز المَطالب الأمريكية- وفق التصريحات الرسمية- خلال عمليات التفاوض فى ضمان عدم امتلاك «إيران» سلاحًا نوويًا إلى جانب فرض قيود على عمليات تخصيب اليورانيوم، ومراقبة المخزون النووى الإيرانى؛ كما تركز «واشنطن» على ملف أمن الملاحة فى مضيق «هرمز» مع الدفع نحو ترتيبات تضمن استمرار تدفق النفط دون تهديدات أو قيود سياسية.
غير أن البعد الأبرز فى الموقف الأمريكى خلال المرحلة الحالية، تمَثل فى ربط الملف الإيرانى بإعادة تشكيل المشهد السياسى فى «الشرق الأوسط»، من خلال توسيع دائرة اتفاقيات إبراهام؛ إذ اعتبر «ترامب» أن هذا المسار يشكل جزءًا مما وصف بالصورة الإقليمية الشاملة، التى يجب أن ترافق أى اتفاق مع «إيران».
ففى الأسبوع الأخير من مايو الماضى دعا «ترامب» دولاً عربية وإسلامية، من بينها: «السعودية»، و«قطر»، و«باكستان»، و«تركيا»، وغيرها إلى الانضمام إلى مسار التطبيع مع إسرائيل؛ معتبرًا أن توقيع هذه الدول على الاتفاقيات يجب أن يكون جزءًا من الترتيبات المصاحبة لأى تفاهم «أمريكى- إيرانى».
وقال «ترامب» على موقع (تروث سوشيال) إنه: «بعد كل العمل الذى قامت به «الولايات المتحدة» لمحاولة حل هذا اللغز المعقد للغاية، يجب أن يكون من الإلزامى أن توقع جميع هذه الدول، فى وقت واحد على اتفاقيات إبراهام»؛ مضيفًا إنه طرح خطة اتفاقيات إبراهام مع القادة خلال المفاوضات.
ولم يستبعد «ترامب»- أيضًا- إمكانية انضمام «إيران» نفسها إلى الاتفاقيات فى مرحلة لاحقة إذا تم التوصل إلى تفاهمات شاملة.
يُذكر؛ أن اتفاقيات إبراهام، هى سلسلة من الاتفاقيات الثنائية بين إسرائيل والعديد من الدول العربية، أطلقت خلال ولاية «ترامب» الأولى عام 2020 بهدف تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين.
ردود الفعل
أثارت تصريحات «ترامب» ردود فعل متباينة داخل «الولايات المتحدة» وخارجها؛ خصوصًا فى ظل الجدل الدائر حول طبيعة الاتفاق المحتمل مع «إيران» وحدود التنازلات التى يمكن أن تقدمها الإدارة الأمريكية.
ففى الداخل الأمريكى؛ رحبت بعض الأوساط المؤيدة لإسرائيل بربط الاتفاق مع «إيران» بتوسيع اتفاقيات إبراهام؛ معتبرة أن هذه المقاربة يمكن أن تسهم فى تعزيز الاستقرار الإقليمى؛ بينما رأت أوساط أخرى ضرورة أن يركز التفاوض على ضمان عدم امتلاك «طهران» للنوى، والتحكم فى تحركاتها فى الإقليم.
أمّا على المستوى الإقليمى؛ فأوضحت تقارير إعلامية أمريكية أن «الولايات المتحدة» تمارس ضغوطًا سياسية ودبلوماسية متصاعدة على عدد من الدول العربية والإسلامية لدفعها نحو الانخراط فى مسار التطبيع، ضِمْن ترتيبات أوسع مرتبطة بالمفاوضات الجارية مع إيران، غير أن هذه المساعى لم تُترجم حتى الآن أو تلقى قبولاً من الدول المستهدفة؛ خصوصًا فى ظل إصرار أغلب الدول على قيام دولة فلسطينية مستقلة، وهو ما يرفضه الاحتلال الإسرائيلى من الأساس.
أمّا الموقف الباكستانى- الوسيط فى التفاوض- فكان الأكثر صراحة؛ حيث أكد وزير الدفاع الباكستانى أن الانضمام إلى اتفاقيات إبراهام يتعارض مع المبادئ الأساسية للسياسة الخارجية الباكستانية، نافيًا وجود أى توجُّه رسمى نحو التطبيع مع إسرائيل، وهو ما يعكس حجم التحديات التى تواجه المساعى الأمريكية لتوسيع الاتفاقيات فى المرحلة الحالية.
النفوذ الإقليمى على الطاولة الإيرانية
فى المقابل؛ وفى امتداد مباشر لنهج المقايضة الإقليمية الذى بات يسيطر على مشهد المفاوضات؛ تتمسك «إيران» بحزمة من المَطالب التى تعتبرها شروطًا أساسية لأى اتفاق محتمل، فى مواجهة الطرح الأمريكى الذى يسعى إلى تحقيق ترتيبات إقليمية أوسع.
فبجانب رفع العقوبات الاقتصادية، وتسهيل صادرات النفط الإيرانية، والحصول على ضمانات قانونية وسياسية تمنع تكرار تجربة الانسحاب الأمريكى من الاتفاقات السابقة، ورفض أى قيود تمس حق «إيران» فى التخصيب ضِمْن الأطر التى تعتبرها متوافقة مع القوانين الدولية؛ برز تطور آخر فى موقف «طهران» يتمثل فى انتقال التفاوض نفسه إلى مستوى إقليمى أوسع؛ حيث تسعى «طهران» إلى إدراج ملفات ترتبط مباشرة بموازين القوَى فى الشرق الأوسط، وعلى رأسها الوضع فى «لبنان».
فتحاول «إيران» ربط أى اتفاق مستقبلى بترتيبات تتعلق بوقف إطلاق النار والاستقرار على الجبهة «اللبنانية-الإسرائيلية»، بما يضمن حماية حليفها هناك (حزب الله)، ويعزز من موقعها التفاوضى فى أى تسوية شاملة.
وبذلك؛ لم يَعد الملف الإيرانى محصورًا فى نطاقه التقليدى المرتبط بالنووى والعقوبات؛ بل أصبح جزءًا من معادلة إقليمية أوسع تتداخل فيها أوراق النفوذ، والممرات الإقليمية، والملفات الأمنية الحساسة، وهو ما يعكس بدوره انتقال المفاوضات إلى مستوى أكثر تعقيدًا واتساعًا.
ومع استمرار كل طرف فى إدخال ملفات إضافية إلى طاولة الحوار؛ تبرز تساؤلات أساسية، أهمها: هل يعكس إدخال ملفات أخرى محاولة لإعادة رسم خريطة المنطقة؟ أمْ ما يحدث مجرد استراتيجية تفاوضية تهدف إلى تحسين شروط التفاوض؟
من النووى إلى إدارة النفوذ الإقليمى
فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»، قال السفير «خالد عمارة» رئيس مكتب رعاية المصالح المصرية فى «طهران» الأسبق، ومساعد وزير الخارجية المصرى سابقًا، إن المشهد الإقليمى يشهد تغيرات مهمة؛ موضحًا أن المفاوضات الجارية بين «إيران»، و«الولايات المتحدة» تركز- فى مرحلتها الحالية- على إنهاء حالة العداء كخطوة أولى تمهد لمفاوضات أوسع بين الجانبين.
وأكد أن المواجهة القائمة تمثل نموذجًا للحرب غير المتناظرة؛ إذ «تعتمد» إيران على استراتيجية الاستنزاف الاقتصادى والسياسى، مستفيدة من ورقة «هرمز» التى تنعكس تداعياتها على الاقتصادَيْن الأمريكى والعالمى؛ معتبرًا أن «طهران» تسعى لإطالة أمَد التفاوض والصراع بما يصعب على «الولايات المتحدة» إعلان انتصار واضح.
واختتم بالتأكيد على عدم استخدام «إيران» جميع أوراقها بعد؛ مشيرًا إلى إمكانية لجوئها إلى أوراق ضغط إضافية، من بينها (الحوثيون)، واحتمال إغلاق مضيق «باب المندب» حال حدوث تصعيد عسكرى جديد.
عامل الوقت
اعتبر دكتور «فادى حيلانى» الباحث فى المجلس الوطنى للعلاقات العربية الأمريكية من «واشنطن»- فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- أن المفاوضات مع «إيران»- من وجهة نظر «الولايات المتحدة»- لا تقتصر على الملف النووى؛ بل تتعلق بإعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية ككل. لذلك؛ تسعى الإدارة الأمريكية إلى ربط أى تفاهم مع «طهران» بمسارات أوسع، بما فى ذلك: توسيع اتفاقيات إبراهام، وتقليص مصادر التوتر الإقليمى.
وأوضح أنه- فى المقابل- تدرك «إيران» أن نفوذها الإقليمى؛ خصوصًا فى «لبنان»، يمثل أحد أهم عناصر قوتها التفاوضية، ولذلك ترفض حصر النقاش فى البرنامج النووى فقط.
وأضاف إن الهدف لدى الطرفين هو الجمع بين الأمرين: (تعزيز أوراق الضغط من جهة، ومحاولة الوصول إلى تسوية أكثر استدامة من جهة أخرى). لكن؛ الخلاف يكمن فى أن «واشنطن» تريد تقليص النفوذ الإقليمى الإيرانى كجزء من أى اتفاق، بينما ترى «طهران» أن هذا النفوذ، هو الثمَن الذى يجب أن تحصل مقابله على تنازلات أمريكية حقيقية.
ثم قال إن كلا الطرفين يستخدم (عامل الوقت) كأداة تفاوضية؛ موضحًا أن «الولايات المتحدة» تراهن على (استمرار الضغوط الاقتصادية)، والعزلة المالية، لإضعاف قدرة «إيران» على المناورة، وإجبارها على تقديم تنازلات إضافية؛ أمّا «إيران» فتعتمد على (استراتيجية الصبر الاستراتيجى)، مستفيدة من قدرتها على تحمل الضغوط لفترات طويلة، ومن امتلاكها أوراقًا إقليمية يمكن تفعيلها عند الحاجة، سواء فى «لبنان»، أو فى الممرات البحرية، أو عبر حلفائها الإقليميين.
وعليه؛ رجّح «حيلانى» أنه إذا كان الحديث عن (القدرة على التحمل فقط)؛ فإن «إيران» أثبتت- تاريخيًا- قدرة كبيرة على التكيف مع الضغوط والعقوبات؛ بينما تواجه الإدارات الأمريكية- عادة- ضغوطًا سياسية وإعلامية تدفعها إلى البحث عن نتائج أسرع.
أمّا إذا كان الحديث عن (موازين القوة الشاملة)، فأوضح «حيلانى»، أن «الولايات المتحدة» لا تزال تمتلك أدوات اقتصادية، وعسكرية، ودبلوماسية تفوق بكثير ما تمتلكه «إيران».
لذلك؛ توقّع أن يكون السيناريو الأكثر ترجيحًا هو ليس انتصار أحد الطرفين بالكامل؛ بل التوصل إلى اتفاق مرحلى أو إطار تفاهم محدود يسمح لكل طرف بادعاء تحقيق جزء من أهدافه.
أمّا السيناريو الثانى؛ فيتمثل- من وجهة نظره- فى استمرار المفاوضات مع تصعيد متقطع فى ساحات إقليمية، مثل «لبنان، الخليج».
الضغط على الطرف الآخر
رأى دكتور «أحمد لاشين» أستاذ الدراسات الإيرانية- فى تصريحات لمجلة «روزاليوسف»- أن الهدف الأساسى لطرفىّ التفاوض يتمثل فى ممارسة أكبر قدر ممكن من الضغوط على الطرف الآخر لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية.
وأوضح أن «طهران» تسعى إلى تعزيز موقفها التفاوضى من خلال استغلال نفوذ (حزب الله)، فى حين يحاول «ترامب» توظيف المفاوضات للضغط على دول المنطقة للانضمام إلى الاتفاق؛ مضيفًا إن كل طرف يعمل على وضع عراقيل أمام الآخر بهدف تحقيق أكبر قدر من الاستفادة من عملية التفاوض، مع الاعتماد على إطالة أمدها الزمنى.
وأكد «لاشين» أن الإطار الزمنى للمفاوضات يخدم الطرفين، إلاّ أن مكاسبه تختلف من جانب إلى آخر.. فبالنسبة لإيران، أوضح أن عامل الوقت يمنحها فرصة للاستعداد على المستوى العسكرى رغم الضغوط الاقتصادية والحصار البحرى، كما يتيح لها إعادة ترتيب- ما وصفه بـ- البيت الداخلى سياسيًا، وتقليص الفجوات بين التيارات المختلفة، فضلاً عن منح المرشد الجديد مساحة أكبر للظهور داخليًا والتحول إلى عنصر فاعل ومؤثر فى مجريات الأحداث.
وفى المقابل؛ أكد أن «الولايات المتحدة»- أيضًا- تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب من خلال وجودها العسكرى فى المنطقة؛ موضحًا أن هذا التواجد لا يستهدف حصار «إيران»، أو ممارسة الضغوط على دول الخليج فحسب؛ بل يمتد- أيضًا- إلى مواجهة تنامى النفوذ الصينى فى المنطقة، والحفاظ على المصالح الأمريكية الاستراتيجية.
وحذر «لاشين» من أن المناوشات العسكرية المتكررة بين الطرفين قد تقود فى أى لحظة إلى انفجار واسع النطاق؛ مؤكدًا أن المشهد بأكمله يقف على (صفيح ساخن)؛ نتيجة إطالة أمد المفاوضات.
فى النهاية؛ يبدو أن المفاوضات لم تعد تدور حول حدود الملف النووى بقدر ما أصبحت ساحة لإعادة ترتيب الإقليم عبر مقايضات سياسية متشابكة. وفى ظل تداخل ملفات التطبيع، والنفوذ، والأمن؛ يبدو أن ما يُرسَم على الطاولة أبعد من كونه مجرد اتفاق، وأقرب إلى إعادة صياغة موازين «الشرق الأوسط» من خلال المقايضة بالتطبيع.











