الأحد 7 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

هل تستطيع كرة القدم أن تفعل ما عجزت عنه السياسة

مونديال 26 اختبار حقيقى لأمريكا

سؤال يطرح كثيرًا: هل كرة القدم تعيش بمعزل عن السياسة؟ هناك من يرى أن الملاعب محايدة وهناك من يؤكد أن الرياضة أصبحت جزءًا من السياسة.. أيام قليلة سيجد العالم نفسه أمام نسخة مختلفة من المونديال؛ تختلف عن كل ما سبقها فهى البطولة الأكبر فى العالم.



ستقام للمرة الأولى فى زمن يشهد أعلى مستويات الاستقطاب الدولي؛ الولايات المتحدة التى تستضيف الجزء الأكبر من المباريات، فى واجهة المشهد مع منتخب إيران؛ الذى يشارك فى وقت تمر فيه العلاقات بين واشنطن وطهران بمنحدر كبير وأكثر مراحلها توترا وتعقيدا منذ عقود.

 

منذ نشأة كأس العالم لم تكن كرة القدم مجرد لعبة؛ وكانت دائما مرآة تعكس التحولات الكبرى التى يعيشها العالم؛ فالجماهير تحمل معها إلى المدرجات هوياتها الوطنية ومواقفها السياسية وقضاياها الثقافية؛ والدول تنظر إلى البطولات الكبرى باعتبارها فرصة لتقديم صورتها أمام الرأى العام العالمى وتعزيز نفوذها الرمزى ومكانتها الدولية.

 مونديال 2026 

يضيف مرحلة جديدة من التعقيد، لأن البطولة تأتى فى لحظة تشهد تصاعدًا فى الانقسامات الدولية وتزايدا فى النزاعات الإقليمية؛ وشراسة فى المنافسة بين القوى الكبرى؛ وهو ما يجعل كل تفصيلة مرتبطة بالبطولة قابلة للتحول إلى قضية سياسية أو إعلامية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

أحد أهم الملفات التى ستواجهها الولايات المتحدة يتعلق بكيفية التعامل مع الجماهير الإيرانية القادمة إلى البطولة؛ فالقضية هنا ليست رياضية فقط بل سياسية وأمنية فى الوقت نفسه؛ وقد ظهرت بالفعل خلال الفترة الماضية نقاشات تتعلق بإجراءات التأشيرات وآليات الدخول والضمانات المطلوبة للسفر إلى الولايات المتحدة؛ فى ظل القيود المفروضة على مواطنى بعض الدول التى تصنفها واشنطن ضمن الحساسة أمنيا.

وهنا يبرز سؤال شديد الأهمية هل ستتعامل الولايات المتحدة مع المشجع الإيرانى باعتباره زائرا رياضيا جاء لمتابعة منتخب بلاده؛ أم باعتباره مواطنا لدولة تخوض معها واشنطن واحدة من أكثر العلاقات توترا فى العالم. 

الإجابة عن هذا السؤال لن تؤثر فقط على صورة البطولة؛ بل ستؤثر أيضا على صورة الولايات المتحدة نفسها؛ لأنها ستكون تحت مراقبة إعلامية غير مسبوقة طوال أسابيع المونديال.

 المدرجات

فى الوقت نفسه؛ لن تكون المدرجات مجرد مساحة لمتابعة المباريات؛ بل قد تتحول إلى مسرح ضخم للرسائل الرمزية؛ فليس من الضرورى أن تقع اشتباكات أو مواجهات مباشرة حتى يتحول الحدث إلى قضية سياسية عالمية، ففى عصر وسائل التواصل الاجتماعى قد تكون صورة واحدة كافية لإشعال نقاش دولى واسع؛ فمن الممكن تخيل مدرجات تضم أعلاما أمريكية وأعلاما إيرانية؛ ولافتات مرتبطة بقضايا الشرق الأوسط وشعارات تتعلق بالحروب والعقوبات والهجرة وحقوق الإنسان وقضايا إقليمية أخرى؛ وكل ذلك فى مساحة واحدة يتابعها مئات الملايين حول العالم.

الخطر الحقيقى هنا لا يكمن فى احتمالات العنف بقدر ما يكمن فى قوة الصورة؛ لأن صورة واحدة تنتشر عالميا قد تتحول إلى حدث سياسى أكبر من نتيجة المباراة نفسها؛ وقد تصبح عنوانا رئيسيا فى الصحف الدولية وتفرض نفسها على الشاشات لأيام طويلة

 أصعب اختبار للفيفا

وفى قلب هذا المشهد يقف الفيفا أمام واحد من أصعب اختباراته منذ سنوات؛ فالمنظمة الدولية ترفع دائما شعار الحياد السياسى لكنها تدرك فى الوقت نفسه أن الفصل الكامل بين الرياضة والسياسة أصبح أمرًا شبه مستحيل.

 فماذا سيحدث إذا رفعت جماهير إيرانية شعارات سياسية داخل الملاعب؛ وماذا لو رفعت جماهير أخرى رسائل مؤيدة للسياسات الأمريكية أو معارضة لها؛ وهل سيطبق الفيفا قواعده على الجميع بالطريقة نفسها أم أن الاتهامات بازدواجية المعايير ستعود للظهور من جديد.

 وهنا يصبح الفيفا نفسه جزءا من القصة؛ وليس مجرد جهة منظمة للبطولة لأن أى قرار سيتخذه سيفتح مجالاً للتفسير السياسى.

 ترتيبات أمنية مكثفة

ومن زاوية أخرى؛ تثير مشاركة إيران تساؤلات أمنية لا يمكن تجاهلها؛ فخبراء الأمن الذين يتابعون الاستعدادات للبطولة يتحدثون منذ فترة عن التحديات المرتبطة بإدارة أكبر حدث رياضى فى العالم؛ داخل بيئة دولية مضطربة سياسيا وأمنيا؛ ولهذا ليس مستبعدا أن تخضع المباريات التى يشارك فيها المنتخب الإيرانى لترتيبات أمنية مختلفة؛ تشمل زيادة التفتيش وتعزيز إجراءات المراقبة ورفع مستويات الحماية حول الملاعب ومناطق تجمع الجماهير.

 ورغم أن هذه الإجراءات قد تكون مبررة من منظور أمني؛ فإنها قد تخلق أيضًا انطباعا سياسيا بأن بعض المنتخبات أو الجماهير تخضع لمعاملة مختلفة؛ وهو ما يضيف بعدًا جديدًا للنقاش حول العلاقة بين الأمن والسياسة والرياضة.

ولا يقتصر الأمر على الولايات المتحدة وإيران فقط؛ بل يمتد إلى شبكة أوسع من العلاقات والتحالفات الدولية؛ فهناك دول تربطها بطهران علاقات سياسية وثيقة.

 المدرجات منصة للتعبير السياسي

 وقد تشهد البطولة حضورا جماهيريا واسعا من مواطنيها؛ كما قد تظهر أشكال مختلفة من التضامن الرمزى داخل المدرجات سواء عبر الأعلام أو وسائل التواصل الإجتماعى.

وليس هذا السيناريو غريبا على تاريخ كأس العالم؛ فقد كانت البطولات الكبرى دائما منصة للتعبير السياسى غير المباشر؛ حتى عندما حاولت المؤسسات الرياضية الحد من ذلك؛ ومن هنا يتحول المونديال إلى مساحة تتقاطع فيها القوة الناعمة للدول المختلفة؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم روايته الخاصة أمام الجمهور العالمي؛ وكل صورة أو رسالة أو موقف يمكن أن يصبح جزءا من معركة التأثير على الرأى العام الدولى.

وفى هذا السياق تبدو الولايات المتحدة أمام اختبار بالغ الأهمية؛ فهى لا تستضيف مجرد بطولة كرة قدم؛ بل تستضيف أكبر تجمع بشرى وإعلامى على سطح الأرض خلال ذلك العام.

 وستكون طريقة إدارتها للحدث جزءا من تقييم عالمى أوسع يتعلق بصورة الدولة نفسها وقدرتها على استقبال المختلفين معها سياسيا وثقافيا واحترام التنوع داخل عالم مفتوح؛ لهذا تنظر واشنطن إلى المونديال باعتباره استثمارا استراتيجيا فى القوة الناعمة؛ بقدر ما هو حدث رياضى أو اقتصادى.

فنجاح البطولة سيعزز صورة الولايات المتحدة باعتبارها دولة قادرة على إدارة الاختلافات؛ واستيعاب الخصوم داخل إطار تنافسى سلمي؛ أما أى إخفاق أو جدل كبير فقد يتحول إلى مادة تستخدمها الأطراف المنافسة فى حملاتها السياسية والإعلامية.

وفى المقابل تدرك إيران أيضًا أن ظهور منتخبها وجماهيرها أمام مئات الملايين من المشاهدين؛ يمثل فرصة نادرة لتقديم صورة مختلفة عن تلك التى ترسمها الصراعات السياسية والخطابات الإعلامية المتبادلة؛ ولذلك فإن المشاركة الإيرانية نفسها قد تحمل أبعادا تتجاوز نتائج المباريات والأهداف والنقاط.

 الرياضة وسيلة لخفض التوترات

وفى أوقات سابقة استخدمت الرياضة كوسيلة لخفض التوتر وفتح قنوات التواصل بين الخصوم؛ مثل ما حدث بين الولايات المتحدة والصين فى السبعينيات؛ عن طريق لعبة تنس الطاولة؛ وهو أحد أشهر الأمثلة على قدرة المنافسة الرياضية على خلق مساحات للحوار، الرياضة تستطيع أن تؤدى وظيفة مختلفة؛ وهى تقليص المسافات النفسية بين الشعوب وتوفير لحظات مشتركة من الاحترام والتنافس السلمى.

فالمشجع الأمريكى الذى يجلس إلى جوار مشجع إيرانى فى المدرجات قد يكتشف أن الصور النمطية التى صنعتها السياسة ليست دائما كاملة؛ وأن البشر أكثر تشابها مما تصدره الحكومات خلال الصراعات الرسمية؛ ولهذا فإن مونديال 2026 قد يكون أكثر من مجرد بطولة عالم لكرة القدم، وقد يكون أول اختبار عالمى واسع لفكرة التعايش السياسى داخل حدث رياضى ضخم فى عالم يعيش حالة غير مسبوقة.

وفى النهاية ربما لا ينجح المونديال فى حل الخلاف الأمريكى الإيراني؛ وربما لا يغير خرائط التحالفات فى العالم؛ لكنه يحقق شيئا آخر لا يقل أهمية؛ وهو إثبات أن المنافسة السلمية ما زالت ممكنة؛ وأن الاختلاف لا يعنى بالضرورة العداء؛ وأن الملاعب تستطيع أحيانا أن تفتح نوافذ للحوار.