يوسف شاهين أعاد اكتشافه
محمود المليجى شرير السينما الذى أحبه الجمهور
هاشم عبد الحميد
لطالما ارتبط اسم محمود المليجى طويلًا بأدوار الشر، فكان الخصم الذى يطارد البطل، والرجل الذى ينسج المؤامرات فيحرك خيوط الأحداث من خلف الستار. ورغم قسوة الشخصيات التى قدمها، لم يتحول يومًا إلى فنان يكرهه الجمهور، بل استطاع أن ينتزع إعجاب المشاهدين ومحبتهم بموهبته الفريدة وقدرته المدهشة على منح كل شخصية روحًا خاصة، ليصبح «شرير السينما» الذى أحبه الجمهور وواحدًا من أشهر من جسدوا أدوار الشر فى تاريخ السينما المصرية والعربية.
لم يدرس المليجى الفن بشكل أكاديمى، لكنه امتلك موهبة فطرية استثنائية مكنته من أن يصنع لنفسه أسلوبًا خاصًا ومدرسة أداء متفردة ليترك بصمة فنية واضحة. فتميز أداء المليجى التمثيلى بخليط عبقرى من صدق الانفعالات والعواطف. لعبت عيناه دورًا كبيرًا فى نقل الإحساس إلى الجمهور بصدق يعكس الشخصية بسهولة وعبقرية منقطعة النظير، مما جعله ينقل حالة الشخصية الانفعالية وتحولاتها بكل دقة واحترافية وإتقان.
الفلاح الذى غيّر صورة المليجى
وإذا كانت أدوار الشر قد صنعت نجوميته، فإن المخرج يوسف شاهين استطاع أن يكشف جانبًا آخر من موهبته الاستثنائية من خلال دور «محمد أبو سويلم» فى فيلم «الأرض». ففى هذا الفيلم قدم المليجى شخصية الفلاح المصرى المكافح المدافع عن أرضه وكرامته، مبتعدًا عن صورة الشرير التى لازمته لسنوات. وجاء أداؤه شديد الصدق والإنسانية، حتى اعتبره كثير من النقاد واحدًا من أعظم أدواره على الإطلاق. ولا يزال مشهد تشبثه بالأرض فى نهاية الفيلم من أكثر المشاهد رسوخًا فى تاريخ السينما المصرية، وفى عقول جمهوره وقلوبهم وأصبح المشهد رمزًا للتشبث بالوطن والحق.
يوسف شاهين وإعادة اكتشافه
كان المخرج يوسف شاهين من أكثر المؤمنين بموهبة محمود المليجى، ورأى فيه ممثلًا يتجاوز بكثير الصورة التقليدية للشرير التى التصقت به لسنوات. لذلك منحه أدوارًا مختلفة كشفت عن قدراته الإنسانية والدرامية العميقة فى عدد من أفلامه المهمة، وعلى رأسها «الأرض» و«العصفور» و«إسكندرية... ليه؟». وقد أكد شاهين فى أكثر من مناسبة أن المليجى كان يتمتع بتلقائية نادرة أمام الكاميرا، وأن حضوره الطاغى وقدرته على التعبير بالنظرات وحدها جعلاه واحدًا من أعظم الممثلين الذين عمل معهم.
دمعة فى «الأرض» ووداع فى «إسكندرية... ليه؟»
وكان يوسف شاهين يستشهد دائمًا بموهبة محمود المليجى الاستثنائية من خلال موقفين ظلا عالقين فى ذاكرته. الأول أثناء تصوير فيلم «الأرض»، حين طلب إعادة أحد المشاهد أكثر من مرة مع الاحتفاظ بدمعة متحجرة فى عين الشخصية، ففوجئ بأن المليجى يعيد المشهد بالإحساس نفسه والدقة نفسها فى كل مرة، وكأن اللقطة تصور للمرة الأولى.
أما الموقف الثانى فكان فى فيلم «إسكندرية... ليه؟» خلال مشهد وداع الأب لابنه قبل السفر، حيث اندمج المليجى فى الشخصية إلى درجة جعلت المشهد يبدو حقيقيًا تمامًا، ما أثار إعجاب شاهين وتأثره الشديد. وبالنسبة للمخرج الكبير، كانت هذه القدرة على الجمع بين الصدق العاطفى والتحكم الكامل فى أدوات الأداء من أبرز الأسباب التى جعلته يعتبر محمود المليجى واحدًا من أعظم ممثلى السينما العربية.
«غروب وشروق».. وجهان فى شخصية واحدة
فى فيلم «غروب وشروق» قدّم محمود المليجى أيضًا واحدًا من أكثر أدواره تعقيدًا وثراءً من خلال شخصية «عزمى باشا»، رجل السلطة النافذ فى جهاز البوليس السياسى قبل ثورة يوليو. ولم يكن تميز الدور فى قسوته أو نفوذه فحسب، بل فى قدرة المليجى على تقديم وجهين متناقضين للشخصية فى الوقت نفسه؛ فهو الأب الحنون الذى يحب ابنته ويخشى عليها، وهو أيضًا الرجل المتسلط الذى لا يتردد فى استخدام سلطته لتحقيق أهدافه. وببراعة نادرة، نجح المليجى فى الانتقال بين هذين الوجهين دون افتعال، ليقدم شخصية إنسانية معقدة لا يمكن اختزالها فى الخير أو الشر وحدهما.
وتبلغ قوة الأداء ذروتها فى مشهد النهاية بعد سقوط عزمى باشا والقبض عليه، حين يكشف المليجى جانبًا إنسانيًا مؤثرًا أثار إعجاب النقاد والجمهور على السواء. وتشير روايات من كواليس الفيلم إلى أن المخرج كمال الشيخ خشى أن يدفع هذا الأداء الجمهور إلى التعاطف مع «عزمى باشا»، فاختار تقليص بعض اللقطات والاكتفاء بتصويره من الخلف فى أجزاء من المشهد، حفاظًا على التوازن الدرامى للشخصية. فأداء المليجى كان صادقًا لدرجة خشى كمال الشيخ تأثر الجمهور بالأداء وتعاطفه معه. وتبقى هذه الواقعة واحدة من الشهادات النادرة على قوة حضور المليجى وقدرته على انتزاع التعاطف حتى وهو يؤدى شخصية يفترض أن يرفضها المشاهد.
ثنائى ناجح مع فريد شوقي
ومن المحطات المهمة فى مشواره الفنى تعاونه المتكرر مع فريد شوقى، إذ جمعتهما عشرات الأفلام التى حققت نجاحًا جماهيريًا واسعًا. وشكل النجمان ثنائيًا مميزًا على الشاشة بفضل التناغم الفنى بينهما وقدرتهما على تقديم صراعات درامية مشوقة جذبت الجمهور لسنوات طويلة. وفى هذه الأعمال جسد المليجى شخصية الخصم القوى أو الرجل صاحب النفوذ، بينما لعب فريد شوقى دور البطل الشعبى الذى يواجه الظلم، لتصبح المواجهات بينهما من أبرز عناصر نجاح تلك الأفلام.
«رصيف نمرة 5».. أحد أبرز محطات الثنائي
ومن بين الأفلام التى رسخت نجاح الثنائى محمود المليجى وفريد شوقى جاء فيلم «رصيف نمرة 5»، الذى يُعد من كلاسيكيات السينما المصرية. وفيه قدم المليجى شخصية قوية تنتمى إلى عالم الجريمة والتهريب، مستفيدًا من حضوره الطاغى وقدرته على بث التوتر والرهبة فى الأحداث. وقد أسهم الفيلم فى ترسيخ صورة المليجى كواحد من أبرز نجوم أدوار الشر، كما أكد نجاح الشراكة الفنية التى جمعته بفريد شوقى فى عدد كبير من الأفلام التى لا تزال حاضرة فى ذاكرة الجمهور.
قصة حب وزواج استمر أكثر من أربعة عقود
وبعيدًا عن الشاشة، عاش محمود المليجى قصة حب طويلة مع زوجته الفنانة علوية جميل. وتروى المصادر أن علاقتهما بدأت خلال سنوات العمل الفنى المبكرة، قبل أن تتطور إلى زواج استمر أكثر من أربعة عقود. وقد وقفت علوية جميل إلى جواره فى العديد من المحطات الصعبة، وظلت شريكة حياته حتى رحيله عام 1983. ورغم ما عُرف عنها من قوة الشخصية، فإن العلاقة بينهما اتسمت بالاستقرار والاحترام المتبادل، ليشكلا واحدًا من أشهر الثنائيات الزوجية فى الوسط الفنى المصري.
وفاته
مات المليجى داخل استديوهات تصوير فيلم «أيوب» فى مشهد مؤثر حيث مات فجأة وهو يقوم بأداء تمثيلى أمام زملائه لتكون النهاية درامية بامتياز لفنان أيقوني.
هكذا استطاع محمود المليجى أن يحقق معادلة نادرة؛ فبرع فى تجسيد الشر حتى أصبح علامته الفنية الأشهر، وفى الوقت نفسه أثبت قدرته على تقديم شخصيات إنسانية ووطنية خالدة. وبين شراكاته الفنية الناجحة، وشهادات كبار المخرجين فى موهبته، وحياته الشخصية التى اتسمت بالوفاء والاستقرار، رسخ المليجى مكانته كأحد أعظم الممثلين فى تاريخ السينما العربية، تاركًا إرثًا فنيًا خالدًا جعله واحدًا من أبرز رموز السينما المصرية.











