قذائف حرب إيران تقصف واشنطن
حنان البدرى تكتب من واشنطن:
مع كل دقيقة تتصاعد المواجهات بدرجة تقذف بكل السيناريوهات إلى حرب تتسع وتمتد، ومرشحة بالتأكيد للاستمرار، ليس لشهور حسب توقع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بل لأكثر.
بعد ثلاثة أيام تقريبًا من بدء العمليات الأمريكية الإسرائيلية ضد ايران، والتى امتدت نحو بلدان أخرى ككرات من النار المشتعلة تقذف على نطاق واسع ومتعدد، وتحديدًا مع بدايات اليوم الرابع، بدأت تتوالى أنباء حول الخسائر الأمريكية لتشعل الأجواء على الساحة السياسية الأمريكية وفى أروقة الكونجرس، وتعالت الأصوات تطالب بإجبار الرئيس على طلب إذن بالحرب من الكونجرس، ونادت أخرى بفحص تكلفة الضربات التى جاءت بقرار منفرد.
وبدوره سارع الرئيس بإرسال وزيرى الخارجية والدفاع ورئيس وكالة الاستخبارات إلى جلسة إحاطة مغلقة مع أعضاء لجان الاستخبارات، ويبدو أن المعلومات السيئة حول سير الأمور فى تلك الحرب، لاسيما العدد الحقيقى لقتلى القوات الأمريكية كانت مفاجأة غير سارة على الإطلاق.
وعلى غير ما يعلن فى وسائل الإعلام الدولية والأمريكية، فإن ما تسرب عبر عديد من المصادر المراقبة للأوضاع جاء مختلفًا عما يروج له وتعلنه إدارة ترامب.
قال مستشار سابق للرئيس ترامب، وهو الكولونيل متقاعد دوجلاس ماكروجر، كبير مستشارى وزير الدفاع الأمريكى الأسبق: «الولايات المتحدة غير مستعدة للدخول فى حرب طويلة، ولن يكون هناك إنزال برى لقوات أمريكية لأنه ببساطة لم يعد لدينا الأعداد الكافية، مشيرًا إلى أن إيران قصفت كل القواعد الأمريكية فى المنطقة، بما فى ذلك القاعدة فى إنريك بتركيا، مما تسبب فى أزمة كبيرة للقوات الأمريكية بالمنطقة.
وأضاف ماكجروجر: إن هذه الحرب مطلب إسرائيلى بالأساس، وأضاف: «نحن لم نكن مستعدين لتلك الحرب، ولكن قررنا تأييد إسرائيل، نتنياهو لديه نفوذ فى واشنطن وترامب مدين بفوزه لمليارديرات صهاينة».. كان هذا كلام رجل عسكرى سبق له العمل بإدارة الرئيس ترامب.
الترتيب والتخطيط للحرب بدأ منذ أشهر، وتصورات توجيه الضربات بضغط من بنيامين نتنياهو واللوبى الداعم له فى واشنطن عجل بها قراءتهم لردة الفعل الإيرانية بعد حرب الـ 12 يومًا.
وعلى أساس تقدير وأنشطة استخباراتية تمت بالتعاون مع إسرائيل، وضع فيها تصور انفجار الشارع الإيرانى نتيجة سنوات من العقوبات المفروضة على إيران، وأثرت داخليا على الوضع الاقتصادى، ناهيك عن القمع السياسى والثقافي.
لذا رأينا الرئيس الأمريكى وأفراد إدارته يخرجون بتصريحات تبدو متناقضة حول الغرض من توجيه الضربات فجأة، أثناء استمرار المفاوضات حول البرنامج النووى الإيراني. تارة يرجعون الأمر لمنع إيران من امتلاك برنامج نووى، وتارة أخرى يضيفون مسألة الصواريخ البلاستية، قبل أن يتحول الحديث إلى تغيير النظام كهدف أساسي.
المفاجأة جاءت فى اليوم الرابع، حين بدأ الحديث عن تعرض معظم القواعد الأمريكية فى منطقة الخليج العربى وحتى البحر المتوسط لقذائف بدرجة لم تعد تصلح للقيام بالدعم اللوچيستى للقوات الأمريكية، ولدرجة التفاوض مع الهند كى تقدم موانيها القريبة هذا الدعم، إلا أن البحرية الأمريكية وجدت استحالة لتنفيذ ذلك لأسباب فنية بحتة.
وحتى نستعرض ونسبر حقيقة ما حدث ويحدث فعلًا، أرى أن علينا العودة إلى الوراء لعقود طويلة حاولت خلالها واشنطن التدخل لإسقاط وتغيير نظام الملالى، وكانت العقبة دوما «التفاف الإيرانيين حول النظام رغم رفضهم لممارساته، وذلك بمجرد معرفتهم بصلة واشنطن بتلك التدخلات»، وفقط أدركت واشنطن منذ حوالى أربع سنوات السبب، وجرى اعتماد أسلوب جديد اعتمد على شبكة معقدة تعاملت مع الداخل الإيرانى مستغلة ثورة الاتصالات، كما تمت الاستعانة بمساعدة إسرائيل استخباراتيًا، ووصلوا للداخل الإيرانى، لاسيما للقطاعات الساخطة بسبب الأوضاع الاقتصادية المتدهورة والممارسات القمعية، وقد ساعد هذا المخطط ما يمكن وصفه بتعالى وغشومية نظام لو كان نظر بعين الاهتمام لتطلعات وحاجات شعبه لأمكن درء هذا الترصد.
ومع ذلك كان الأمر معقدًا للغاية، والبطل فيه كما أسلفنا كان تكنولوچيا الاتصالات وتطور أسلحة الاستهداف عن بعد، وكانت البروفة تتم تلو الأخرى، انتفاضات غير مسبوقة، وسقوط مروحية الرئيس الإيرانى إبراهيم رئيسى، ثم البروڤة النهائية فى حرب الأيام الـ 12، وبدا لواشنطن أنه تم فتح الباب على مصراعيه لتحقيق الهدف الظاهر، وهو «إسقاط النظام».
مفاوضات - ما قبل الحرب - كانت خطوة شكلية، وتلكك ومزاعم أشبه بما حدث قبل غزو العراق، صحيح كان المطلوب دومًا ولعقود تغيير النظام، وإعادة إيران إلى الحظيرة الأمريكية، ولكن مع بدء تشغيل تروس النظام العالمى الجديد، كان لا بد من استعجال الأمر، وإطلاق ما يسمى بمجلس السلام ليزيح تدريجيًا ولاحقا صلاحيات الأمم المتحدة، وهو بالمناسبة مجلس ستتخطى حدوده منطقتنا، ويدار بشكل منفرد، وطبعًا هذا كله سيفتح الطريق أمام إسرائيل للتمدد، ليس فقط فى منطقتنا، بل فى الدائرة المحيطة بها - أفريقيا وأسيا، وبالتالى فرض خارطة جديدة تريد واشنطن من خلالها ضمان السيطرة والإحلال فى محيط الشرق الأوسط الكبير جدًا، وطبعا فالنتيجة مفتوحة، ووارد أن تنتهى المواجهات بتقسيم جديد للكعكة الدولية الجديدة، والأقوى هو من يستحوذ على الجزء الأكبر.
هذا التصور الذى ضغط نتنياهو وحكومته اليمينية لتنفيذه عبر تغيير النظام فى إيران بشتى الطرق والحجج، سبقته أحداث أخرى ينبغى علينا وضعها فى الحسبان، لنفرد خارطة صحيحة للمشهد كله، ومنها:
- ضربات الـ 12 يومًا وتداعياتها
- اختطاف رئيس ڤنزويلا والسيطرة على نفطها
- زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن ومعه قائد القوات الجوية وأخرون، ويرجح أنه تم الاتفاق وقتها على موعد شن الضربات
- اندلاع الاشتباكات بين أفغانستان وباكستان، حيث تم الترتيب لتطويق إيران شرقًا، للمنع الاستباقى لأى دعم قد يصل لها عبر تلك الجهة
وطبعا نضم لذلك الترتيب من جهة أخرى، زيارة رئيس الوزراء الهندى مودى لإسرائيل.
كانت كلها خطوات لتحضير مسرح الأحداث لمشهد وواقع جديد مطلوب فرضه إقليميًا ودوليًا.
فما هى ملامح هذا المشهد الذى تلاقت فيه طموحات إسرائيل ومطامع ترامب، ومصالح مصيرية أمريكية ؟ هى باختصار:
- التأكد من السيطرة على خطوط التجارة ومصادر الطاقة فى الشرق الأوسط الكبير، كجزء من خطوة دولية موازية لإحتواء وتطويق الطموحات الصينية والروسية، والسيطرة على خطوط إمداد الطاقة، وهذا لن يتأتى سوى بوجود نظام جديد حليف فى إيران، يضمن ولائه للمصلحة الأمريكية شرقا باتجاه الصين، وهو ما سيتلاقى مع أهداف إسرائيل التى تريد أن تتمدد، وتحكم وتدير الشرق الأوسط الكبير وملحقه الأفريقي.
ولذلك كان ينبغى أولا التخلص من نظام الملالى فى إيران، وإعادة رسم حدود على سبعة دول عربية على الأقل، منها ما سيقسم ومنها ما سيتم دمجه، ومنها ما سيتم إدماجه فى حرب أخرى موازية يتم إشعالها بين الشيعة والسنة!
كان الأمر يسير وفق المخطط له منذ السبت 28 من فبراير، مع أول ضربة مشتركة ضد إيران، حتى جاء اليوم الرابع لينسف آمال نتنياهو وطموحات الرئيس ترامب، لاسيما مع ارتفاع أعداد القتلى فى صفوف القوات الأمريكية، وقد تجاوزوا المئات، ولم يخرج الآلاف إلى الشوارع فى طهران بعد اغتيال خامئني.
فى أمريكًا عمل عداد كلفة الحرب، وأظهرت نتائج استطلاعات الرأى أن 3 من كل 4 أمريكيين ضد هذه الحرب، أى الأغلبية، والكونجرس فى حالة تأهب قبل الانتخابات النصفية فى نوفمبر المقبل، والتى من المرجح أن يتمكن الحزب الديمقراطى من استعادة زعامة مجلس النواب بسبب هذه الحرب، وهو الأمر الذى سيحول الرئيس ترامب فى الفترة المتبقية من سنوات رئاسته إلى بطة عرجاء.
ناهيك عن غضب ملحوظ فى قطاع عريض من مؤيدى الرئيس ترامب، الذين أعادته أصواتهم إلى البيت الأبيض، والذين وعدهم بالتركيز على الداخل، وتخفيض الإنفاق الخارجى، وبالتالى عدم الدخول فى حروب، وبالنسبة لهؤلاء فقد حنث الرئيس بوعوده، وكذب على الملأ بالحديث عن رفاه اقتصادى، بينما يستمر التضخم وارتفاع أسعار الوقود نتيجة حربه هذه.
ولم يشفع لإدارة ترامب ارتفاع أسعار الغاز والنفط، رغم أن المستفيد الأول هو ايكسون موبيل، وغيرها من الشركات الأمريكية الكبري.
وإقليميًا، فالأوضاع بعد مرور ما يقرب أسبوع من بدء الحرب، تزيد المخاوف من تهور إسرائيلى، طالما بقى نتنياهو وأعضاء حكومته اليمينية المتطرفة فى استخدام رأس نووى محدود، وإشعال المنطقة برمتها.
وربما دفع هذا الهاجس للبحث عن حلول، ولو بإقناع أطراف سياسية إسرائيلية أخرى بإخراج نتنياهو من الحكومة بغير رجعة.
على أية حال، وإذا سار السيناريو لا قدر الله وفق رؤية واشنطن وإسرائيل، فسيكونان الفائز الأكبر، بينما يخسر الاتحاد الأوروبى والصين وروسيا، وإن كان الحادث على الأرض حاليًا يؤكد عكس ذلك. ما يعنى أن الصين إلى صعود، يليها روسيا، أو على أكثر تقدير تقسيم متوافق عليه بين القوى الكبرى، وبالتالى فإن السؤال الذى يفرض نفسه الأن هو: أين نحن فى تلك الخارطة الجديدة؟







