الوجوه المرشحة لخلافة خامنئى تنحصر بين المتطرف والوريث والإصلاحى والمسخ
المرشد الأخير.. المصير الغامض لنظام الملالى
آلاء البدرى
رغم صلابة المشهد العام فى إيران إلا أن الضربة التى اغتيل فيها خامنئى وأبرز المرشحين لخلافته أحدثت عاصفة فى الداخل الإيرانى؛ وشكلت لوحة معقدة من 6 وجوه؛ كل منهم يحمل مشروعًا مختلفًا لمستقبل الجمهورية الإسلامية؛ فهم ليسوا مجرد رجال دين أو سياسيين، بل رموز متناقضة بين التشدد والإصلاح، الوراثة والبراغماتية، وبين الولاء الأعمى والتطرف الثورى؛ الأمر الذى سيجعل القرار الذى ستتخذه هيئة الخبراء قرارًا مصيريًا سيحدد ما إذا كان نظام الملالى سينجو عبر القبضة الحديدية؛ أم ينفتح عبر ظل الإصلاح؛ وهل يوازن عبر البراغماتية فى لحظة تتأرجح فيها البلاد؛ ونظامها السياسى المتفرد بين الانهيار والصمود.
قائمة الستة
بعد مقتل المرشد الأعلى على خامنئى؛ وجدت إيران نفسها فى قلب أزمة داخلية غير مسبوقة؛ الشارع منقسم بين غضب شعبى متصاعد يُطالب بالإصلاح والانفتاح؛ وبين تيارات محافظة ترى فى القبضة الأمنية السبيل الوحيد للبقاء والانتقام من أيادى إسرائيل وأمريكا الطويلة التى طالت هيبة الجمهورية.
وفى هذا الفراغ القيادى؛ برزت قائمة من ستة رجال يتنافسون على الكرسى الأعلى فى إيران؛ لتتحول لحظة الاختيار إلى معركة على روح إيران نفسها.
غلام إجائى
تصدر القائمة غلام حسين محسنى إجائى رجل الاستخبارات والقضاء؛ يُعرف كرمز للقبضة الأمنية التى لا تعرف المساومة أو التهاون؛ منذ أن عينه خامنئى رئيسًا للسلطة القضائية عام 2021 ظل يجسد الوجه الصارم للنظام؛ تاريخه مثقل بالقمع والاعتقالات من دوره كوزير للمخابرات إلى المدعى العام وصولًا إلى العقوبات الأمريكية والأوروبية التى فرضت عليه بسبب قمع احتجاجات 2009؛ هو المرشح الذى يطمئن الحرس الثورى والتيار المحافظ إلى أن النظام سيبقى صلبًا؛ لكنه أيضًا الوجه الذى يثير مخاوف من استمرار عزلة إيران وتعميق الشرخ مع شعبها.
حسن الخمينى
والمرشح الثانى حسن الخمينى؛ حفيد الجد المؤسس روح الله الخمينى؛ يقف محاطًا برمزية النسب وعبق الثورة الأولى؛ رغم أنه لم يشغل منصبًا رسميًا إلا أن مكانته بين الإصلاحيين ورجال الدين المعتدلين جعلته خيارًا مطروحًا بعد الضربات التى استهدفت المواقع النووية فى يونيو الماضى؛ برز اسمه كأحد أبرز المرشحين فى الأيام السابقة؛ إذ يحظى باحترام كبير بين الحرس الثورى وكبار رجال الدين؛ لكنه يواجه مقاومة شرسة من المؤسسة المحافظة التى منعته من دخول مجلس الخبراء عام 2016؛ خشية أن يفتح الباب لانفتاح سياسى يهدد مصالحها المتجذرة.
مجتبى خامنئى
الرجل الثالث، مجتبى خامنئى الابن الثانى للمرشد الراحل؛ الذى يحمل لقب الوريث الرأسمالى بعيد عن الأضواء؛ لكنه حاضر فى كل مفصل من مفاصل السلطة؛ يسيطر على إمبراطورية مالية تمتد من حسابات مصرفية سويسرية إلى عقارات فاخرة فى بريطانيا؛ تزيد قيمتها على مئة مليون دولار؛ يتمتع بنفوذ واسع داخل الحرس الثورى والباسيج؛ أو ما يُعرف منظمة تعبئة المستضعفين جهاز شبه عسكرى تابع للحرس الثورى؛ يواجه مجتبى معضلة كبرى وراثة السلطة من الأب إلى الابن التى قد تفجر غضبًا شعبيًا إذ تذكر الإيرانيين بالنظام الملكى الذى أطاحت به ثورة 1979؛ وريث الشاه المخلوع الذى لا يزال نسله يقامر على السلطة حتى الآن، كما أن خامنئى نفسه أبدى معارضته لترشيح ابنه؛ خشية أن يقوض ذلك شرعية الثورة.
رضا أعرافى
الرجل الرابع فى القائمة على رضا أعرافى رجل الدين الموالى وهو يمثل خليفة الأفكار لكنه أيضًا يُعد نسخة مسخ من خامنئى الذى كان يتلاعب بحرفية غير مسبوقة بالشريعة والدستور وكان رمزًا لهيبة الدولة، ورغم ذلك صعد بفضل رعاية خامنئى نفسه وتولى مناصب عليا فى مجلس صيانة الدستور والحوزة العلمية وهو صوت الولاء المطلق الذى يضمن استمرار النهج الفكرى للمرشد الراحل دون تغيير أو انحراف؛ لكن بشكل سطحى ووفقًا للتقارير الداخلية الإيرانية فإن أعرافى أحد الموالين الذين يخدمون أجندة خامنئى؛ ويحظون برعايته ما يجعله خيارًا مضمونًا لاستمرار الخط العقائدى لكنه يفتقر إلى الكاريزما السياسية التى قد تحتاجها إيران فى هذه اللحظة العاصفة؛ ولا يحمل روح الثورة ولا قوة المنافسة التى دائمًا عرف بها هذا المنصب الرفيع.
محمد ميرباقرى
الوجه الخامس بالقائمة محمد مهدى ميرباقرى؛ صوت التطرف الثورى وعدو المرأة الذى يرفع راية المواجهة المطلقة مع الغرب منذ دخوله مجلس الخبراء عام 2015؛ ظل يُعبر عن خطاب متشدد وصف احتجاجات المرأة والحياة والحرية بأنها فتنة مستوحاة من الغرب؛ وأكد أن إقامة ثقافة إسلامية عالمية يستلزم مشقة واستشهادًا وجوعًا؛ وهو الوجه الذى يُعيد إنتاج الثورة بروح أكثر صدامية وتطرفًا لكنه أيضًا الوجه الذى قد يدفع إيران إلى عزلة قاتلة؛ ويزيد من حدة المواجهة مع الداخل والخارج.
على لاريجانى
والاسم الخير بالقائمة على لاريجانى السياسى المخضرم؛ الذى جاب دهاليز السلطة وأدار ملفات الأمن القومى؛ والمفاوضات النووية، الرجل البراغماتى الذى يعرف كيف يوازن بين الفصائل المتنافسة؛ ويملك خبرة استخباراتية وسياسية طويلة تمتد لأربعة عقود شغل منصب قائد سابق فى الحرس الثورى؛ ورئيس هيئة الإذاعة والتليفزيون؛ ورئيس المجلس الأعلى للأمن القومى؛ ورغم العقوبات الأمريكية عليه بسبب قمع الاحتجاجات يعتبر الأجدر.
وتصفه كل التقارير فى إيران بأنه الرجل المناسب فى الوقت المناسب بخبرة استثنائية فى إدارة الأزمات؛ هو الخيار الذى قد يمنح النظام فرصة للبقاء عبر عقلانية تفاوضية لكنه أيضًا يثير شكوكا بسبب ارتباطه بحملات القمع الدموية.
لغز مستقبل إيران
إن دعوة ترامب الشعب الإيرانى إلى الانتفاض والإطاحة بالحكومة أوهام سياسية ومحاولة لملامسة نظام معقد لا يعرفه وكشفت عن جهله بطبيعة دولة تمسك بخيوط الجيش والشرطة؛ وتغلق كل منافذ التغيير من الداخل، فالشعب مهما علا غضبه لا يملك أدوات حقيقية لكسر هذه القبضة الحديدية؛ وحتى لو حدثت المفاجأة وسقطت الحكومة فإن إيران ستجد نفسها فى فراغ قاتل، فلا توجد آليات دستورية لتشكيل سلطة جديدة ديمقراطية؛ ولا مؤسسات مدنية قادرة على حمل الدولة فى لحظة الانهيار، إن إيران كما هى اليوم محكومة ببنية مغلقة لا تسمح بالانتفاض ولا بالبدائل لكن من الممكن أن تطلق نفحات بسيطة من التغيير دون أن تخرج من بوتقة الدين.
ولكن من الواضح أنها تبدو وكأنها تقف عند مفترق طرق بين الاستقرار المؤقت والتدخل الخارجى الانفتاح الاقتصادى؛ أو الانزلاق إلى فوضى إقليمية شاملة لتظل لحظة ما بعد خامنئى لغزًا مفتوحًا على احتمالات؛ لا تقل خطورة عن الحرب نفسها لصعوبة التنبؤ باليوم التالى.
بعض الخبراء الدوليين رسموا خرائط طريق محتملة لما بعد الحرب؛ تبدأ بظهور قائد دينى قادر على الحفاظ على وحدة البلاد فى المدى القصير؛ بينما يهيئها تدريجيًا لتصبح أكثر استقرارًا وأقل استبدادًا على المدى الطويل، فى مشهد قد يشبه ديمقراطية العراق الناشئة أو الحكم المعتدل فى السعودية.
وهناك من يرجح تدخل تحالفات دولية لتأمين الداخل الإيرانى؛ مانحة الشعب فرصة لتنظيم نظام جديد من الصفر. فيما يذهب سيناريو ثالث إلى رفع العقوبات الاقتصادية من واشنطن والرياض؛ بما يسمح للاقتصاد الإيرانى بالتعافى وخلق ازدهار نسبى يضمن الاستقرار الداخلى عندما تتبلور مؤسسات الحكم الجديدة.
لكن أخطر السيناريوهات يبقى ذاك الذى يضع إيران فى مواجهة موجة من الفوضى العارمة يصعب السيطرة عليها من الداخل أو الخارج؛ فإيران ليست دولة معزولة بل هى دولة كبيرة عابرة للقارات بشبكة علاقات سرية متشعبة ومتينة؛ ما يجعل أى انهيار داخلى ينعكس مباشرة على استقرار دول الجوار وخاصة الخليج؛ حيث تمتلك طهران نفوذًا فى كل دولة وهذا الانفجار الفوضوى سيعرض المصالح الأمريكية فى الشرق الأوسط لاضطراب خطير؛ لتجد واشنطن نفسها قد عبثت بمصالحها بيدها وبيد اللوبى الصهيونى؛ الذى ورطها فى حرب ستظل عواقبها ممتدة لسنوات حتى لو توقفت المدافع ووقع وقف إطلاق النار.







