الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

حرب «الكل خاسر» تشتعل فى إيران

ولد نظام «ولاية الفقية» فى إيران برعاية أمريكية فى نهاية السبعينيات من القرن الماضى، حيث سمحت عقيدة الحزب الديمقراطىبرئاسة كارتر فى ذلك الوقت بمساحات تفاهم مع القوى السياسية ذات المرجعيات الدينية، فى العالم، واستمرت علاقة الولايات المُتحدة مع إيران مُنذ ذلك الحين فى مسارات مُتباينة، فقد شاهدنا اتفاقًا بشأن ملفها النووى عام 2015 فى ظل إدارة أمريكية ديموقراطية، بينما فى فترات حكم الجمهوريين لأمريكا نجد أن عقيدتهم لا تتفهم نهائيًا فكرة التفاهم مع النُظم الدينية، وتُصمم على أن تتعامل معها بالقوة المُفرطة، وقد سبق للإدارة الجمهورية برئاسة ترامب إلغاء الاتفاق النووى مع إيران والذى كان قد تم فى ظل إدارة الحزب الديمقراطى.



 

ومع عودة الرئيس ترامب للحكم وفى ظل تناوله الحاد فى مُعظم الملفات، بدا واضحًا أنه يتعامل بمنتهى الحسم مع الملف الإيرانى، وهو الأمر الذى توافق بصورة كاملة مع الأجندة الإسرائيلية، وهكذا ورغم نجاح الضربات الأمريكية فى القضاء على البرنامج النووى الإيرانى من خلال عملية عسكرية خاطفة فى يونيو عام 2025، إلا أن ذلك بدا واضحًا أنه لم يُشبع عقيدة الحزب الجمهورى الذى لا يتقبل استمرار النظام الحاكم فى إيران من الأساس، كما أنه لا يُشبع التطلعات الإسرائيلية التى ترغب فى استغلال تلك اللحظة التاريخية الحاسمة لبناء منظومة أمن قوى أوسع نطاقًا لها بما يضمن لها أقصى درجات الأمن والتأثير. وهنا نجد أن الحرب التى بدأتها أمريكا وإسرائيل خلال مارس 2026 الجارى، هى فى الأساس حرب عقيدة وتغيير توازنات استمرت لعقود حتى ولو ترتب على ذلك خسائر اقتصادية.

ففى الجانب الاقتصادى فإن تلك الحرب ضد إيران سوف يترتب عليها خسائر للجميع مُنذ بدء العمليات، وتزداد جسامة كلما امتد مداها الزمنى، وتوسع نطاقها الجغرافى. فرغم أن الإدارة الأمريكية كانت قد نجحت فى السيطرة على البترول فى فينزويلا بما يضمن لها احتياطى إضافى فى الظروف الطارئة، إلا أن ذلك وإن كان يوفر للولايات المُتحدة عنصر الإتاحة النفطية، إلا أنه لا يقيها من آثار ارتفاع أسعار النفط الذى ارتفعت بنسبة بلغت نحو %10 بمجرد افتتاح الأسواق بعد بدء العمليات، وهو الأمر الذى يرفع من تكاليف الطاقة للمُستهلكين والمصانع الأمريكية بما يدفع مُعدلات التضخم فى السوق الأمريكية نحو العودة للارتفاع. كما ستمنع الحرب إيران من إيرادات بترولها الذى تُصدره ويمثل المكون الأساسى لإيراداتها العامة، ويمتد الأثر السلبى إلى دول الخليج التى ليس فقط ستتأثر إيراداتها من جراء الوقف الكلى أو الجزئى لصادراتها من البترول والغاز عبر مضيق هرمز، لكن سيمتد التأثير إلى تضرر قطاعات التجارة والصناعة والسياحة وغيرها من القطاعات الاقتصادية المهمة بها. وسيطال الأثر السلبى مصر التى ستتراجع فيها إيرادات قناة السويس، والسياحة، بينما سترتفع تكاليف وارداتها من البترول، والغاز، والغذاء، ومُستلزمات الإنتاج.

وعالميًا نجد أن الصين التى تستورد ما بين 40 و%45 من وارداتها من النفط من جانبى الخليج العربى سوف تتأثر بشدة سواء من جانب ارتفاع أسعار النفط، أم فى كيفية إتاحته فى وقت قد تم التضييق عليها فى مجال حصولها على النفط الفنزولى الذى كان يُمثل نحو %15 من احتياجاتها، كل ذلك فى ظل أن الإحتياطات الصينية من النفط لا تكفيها إلا نحو 90 يوم فقط.

وفى أوروبا فإن الأمر يزداد صعوبة فى كيفية تدبير احتياجاتها من الطاقة بعد فقدها لإمدادات النفط الروسى نتيجة العقوبات التى فرضتها على روسيا، وتشير التقديرات إلى أن كل ارتفاع بمقدر 10 دولار فى أسعار النفط يترتب عليه ارتفاع بنحو 0٫2-0٫3 نقطة مئوية للتضخم فى دول الاتحاد الأوروبى، خلاف التأثير السلبى لاتفاع تكاليف حصولها على الغاز وعناصر الإنتاج، وتكاليف وصول صادراتها لأسواق الاستهلاك.

ربما يُهدئ من الأوضاع تصريحات للرئيس ترامب بأن الحرب ستنتهى فى غضون 4-5 أسابيع، وإذا حدث ذلك بالفعل فإن الاقتصاد العالمى سيكون قادرًا على امتصاص الآثار السلبية لتلك الحرب، أما إذا امتدت الحرب لتدخل فى سيناريوهات زمنية أطول فإن آثارها الوخيمة ستزداد جسامتها كلما استمرت العمليات، والمؤكد أنها ستطال الجميع ولن ينجو أحد فى العالم من تحمل آثارها السلبية.