الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

صوت القاهرة ميزان الوساطة وعقل التهدئة سيناريو حذَّر منه الرئيس السيسي قبل عشر سنوات

حين تختبر النيران صلابة المواقف، لا يبقى فى المشهد سوى من امتلك بوصلة الرؤية وثبات القرار.. فقبل أيام خرج الرئيس عبدالفتاح السيسى ليؤكد أن مصر تعاملت مع التحديات الإقليمية بـ «جهد مخلص ومستنير»، لم يكن هذا وصفًا عابرًا، بل عنوان لسياسة اختارت أن تتحرك بعقل الدولة لا بردود الفعل، وأن توازن بين الحكمة والحسم فى إقليم مضطرب، سقط فيه البعض فى طريق الأذى.



 

على مدار سنوات، سارت الدولة المصرية بخطى محسوبة وسط عواصف السياسة الدولية، تراهن على الوعى لا المزايدات، إلا أن الحرب المشتعلة فى المنطقة حاليًا كشفت الفارق بين من يقرأ المشهد بعمق، ومن يندفع خلف انفعالات اللحظة أو ربما «أوهام سياسية»، وبينما تمسكت القاهرة برؤية رشيدة تسعى لصون الاستقرار وحماية مقدرات الشعوب، انجرف آخرون إلى مسارات أضرت بمصالحهم قبل غيرهم، لتتكشف فجوة سياسية فى تقدير الموقف، ولتثبت الأحداث أن الرهان على البصيرة كان ولا يزال الخيار الأكثر أمانًا فى زمن الارتباك.

بالنظر إلى التحركات الرئاسية المصرية على مدار سنوات ستجد مسارًا واضحًا لا يتغير، بوصلته محددات الأمن القومى وهدفه الحفاظ على مقدرات الدولة، فى ظل مخططات إقليمية خبيثة لا يتوارى البعض عن كشفها بل يتمادى فى إعلانها بـ«وقاحة سياسية»، ومع هذا فالدولة المصرية بمؤسساتها الراسخة تسير وفقًا لرؤاها التى تستند لبصيرة سياسية وقوة عسكرية رشيدة.

وقد أثبتت «التجارب المؤلمة» إقليميًا، على مدار السنوات الماضية وصولًا إلى الحرب الدائرة، أن مصر دولة تمتلك مهارة تقدير الموقف الحقيقى، وأن القاهرة تتحرك من منطلق الحفاظ على الأمن القومى العربى الشامل، فقد حذر الرئيس السيسى فى مناسبات عدة سواء خارجيًا أو داخليًا من أن تداعيات التوتر الإقليمى سيؤثر على أمن واستقرار الشرق الأوسط، وأن المنطقة لا تحتمل سقوط دولة أخرى، ومع اشتعال الحرب الإسرائيلية- الأمريكية من جانب وإيران من جانب آخر، وما تبع ذلك من استهداف لعدد من الدول العربية الشقيقة، عاود المصريون وربما بعض الأشقاء العرب طرح ما قدمه الرئيس السيسى من رؤى استباقية –منذ سنوات- تهدف للتهدئة وتحقيق الاستقرار، حتى أن البعض استعاد ما طرحه الرئيس قبل نحو 10 سنوات بـ«أهمية تشكيل قوة عربية مشتركة دون الانتقاص من أى دولة عربية؛ لتكون أداة لمواجهة التحديات التى تواجه الأمن القومى العربي»، إلا أن عدم الاستماع للرؤية المصرية وتقديم الأجندات الخاصة أدى إلى الوضع المتأزم الحالي.

​دبلوماسية «بلا أجندات»

وفى قراءة تحليلية للمشهد الإقليمى المتفجر، أكد الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، أن الدولة المصرية تمتلك قدرة فريدة على «استبصار» الأمور قبل وقوعها بفترات طويلة، مشيرًا إلى أن ما يشهده الصراع الحالى بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، كان ضمن التوقعات المصرية التى حذرت من تأجيج الصراع وآثاره السلبية التى قد تدخل المنطقة فى دوامات كبرى من عدم الاستقرار.

​وأوضح «سلامة» –فى تصريحات لـ«روز اليوسف» أن التحرك المصرى، الذى قادته الدبلوماسية الرئاسية والوزارية على كافة المستويات، كان يسعى لتقريب وجهات النظر وتغليب الحلول السياسية والسلمية بدلًا من المواجهات العسكرية، مشيرًا إلى وجود «استبصار مصري» مبكر لعمليات التحريض الإسرائيلى للجانب الأمريكى للدخول فى مواجهة عسكرية واسعة، مؤكدًا أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو هو صاحب المصلحة الأكبر فى هذا التأجيج، سعيًا منه لتحقيق مكاسب شخصية وتغطية إخفاقات المرحلة الثانية فى غزة، ومحاولة لترميم شعبيته فى استطلاعات الرأى عبر المزايدة على ملف أمن إسرائيل.

​وربط «سلامة» بين التحرك المصرى الاستباقى وبين الرد على تصريحات السفير الأمريكى فى إسرائيل حول مفهوم «إسرائيل الكبرى» والتمدد على حساب الأراضى العربية، موضحًا أن هذه التحديات كانت حاضرة فى عقلية القيادة السياسية وأجهزة المعلومات والخارجية المصرية، التى اشتبكت مع بؤر التوتر وقدمت حلولًا ترتكز على الخبرة والمصداقية، إلا أن عدم الاستماع للرؤية المصرية وتقديم الأجندات الخاصة أدى إلى الوضع المتأزم الحالي.

بصيرة رئاسية

​وحول دلالة كلمة الرئيس السيسى خلال حفل إفطار القوات المسلحة بأن الجهد المصرى كان «مخلصًا ومستنيرًا»، أكد «سلامة» أن هذه الكلمات لها دلالات عميقة؛ فالإخلاص ينبع من عدم تدخل مصر فى شئون الآخرين وتقديم أطروحات بمصداقية تهدف حصرًا للحفاظ على الأمن القومى العربى، أما الاستنارة فهى تعكس قدرة القيادة السياسية على قراءة المشهد «من كتاب مفتوح» بعقلية تجمع بين القائد السياسى ورجل المخابرات.

​واستعاد أستاذ العلوم السياسية ما طرحه الرئيس السيسى منذ عام 2015 بشأن تكوين «قوة عربية مشتركة»، معتبرًا أن هذه المسألة ستطفو على السطح مجددًا بعد أن ثبت أن الترتيبات الأمنية الحالية وفكرة الاستقواء بالخارج لم تنجح فى توفير الحماية للأمن القومى العربى، ودعا إلى مراجعة شاملة للوزن النسبى للكتلة العربية، والاستفادة من توزيع الموارد والقوى العسكرية لتحقيق المصلحة العربية المشتركة بعيدًا عن الحسابات القطرية الضيقة.

​وأكد «سلامة» على أن الثوابت المصرية ترفض استخدام القوة، محذرًا من أن تفكك أو انهيار إيران ليس فى مصلحة الأمة العربية من منظور «التوازن الاستراتيجي»، لافتًا إلى أن غياب هذا التوازن سيجعل إسرائيل قوة بلا رادع فى المنطقة، مشددًا على أن وجود قوة عربية مشتركة كان سيمثل «قوة ردع» تجعل الأطراف الأخرى تفكر كثيرًا قبل الإقدام على أى مغامرة عسكرية.

مخرج وحيد للأزمات

من جانبه، أكد الدكتور أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن السياسة المصرية كانت دومًا صاحبة بصمة واضحة فى إدارة النزاعات، مستشهدًا بالوساطة الناجحة التى قادتها مصر بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية فى سبتمبر الماضى، وأوضح أن هذه الجهود الدبلوماسية، التى حظيت بدعم دول عربية وإسلامية وازنة، كانت تهدف بشكل رئيس إلى تفادى الصدام المسلح فى المنطقة.

​ولفت «يوسف» –فى تصريحات لـ«روز اليوسف» إلى أن هذه المساعى الحكيمة اصطدمت بنوايا مبيتة لعمل عسكرى ضد إيران، مدفوعة بمصالح أمريكية وإسرائيلية مشتركة، مشيرًا إلى أن دول الخليج العربى كانت أيضًا صادقة فى ضغوطها لمنع انفجار الموقف كونها المتضرر الأول من أى تصعيد.

و​شدد على أن فكرة الرئيس السيسى بإنشاء قوة عربية مشتركة تظل هى المخرج الحقيقى والوحيد للأمن القومى العربى، موضحًا أن غياب خيار عربى موحد للأمن هو ما فتح المجال للتدخلات الخارجية والتداعيات السلبية التى نشهدها اليوم، مؤكدًا أن المستقبل يتطلب تفعيل هذه الرؤية الاستراتيجية لحماية المنطقة من التجاذبات الدولية.