الأربعاء 11 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى ذكرى استشهاد الفريق عبدالمنعم رياض

شهيد بيسلّم شهيد وتبقى مصر

كيف تحول التاسع من مارس إلى عقيدة وطن؟



 

فى التاسع من مارس من كل عام، لا تقف مصر أمام ذكرى عابرة، بل أمام لحظة تاريخية تختزل معنى الوطن، يوم الشهيد ليس مجرد تقويم رسمى، بل هو نقطة مضيئة فى وجدان الأمة، ارتبطت باسم قائد اختار أن يكون فى الصفوف الأولى، وأن يقدّم روحه وهو يؤدى واجبه بين جنوده، فى ذلك اليوم من عام 1969، ارتقى الفريق أول عبد المنعم رياض شهيدًا على جبهة القتال، فصار التاريخ نفسه يردّد العبارة التى أصبحت عنوانًا لمسيرة طويلة من التضحية..« شهيد بيسلّم شهيد». هذه العبارة ليست مجازًا بل حقيقة ممتدة عبر عقود، من حرب الاستنزاف، وما قبلها إلى نصر أكتوبر وما بعدها، ومن مواجهة الإرهاب الأسود إلى حماية كل شبر من أرض الوطن، ظل الدم المصرى هو السور الأخير، والحصن الأول، إنها قصة أجيال تتعاقب، وراية لا تسقط.

عبقرية عبد المنعم رياض

حين يُذكر يوم الشهيد، يُذكر معه اسم الفريق عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، وأحد أبرز العقول العسكرية فى تاريخ الجيش المصرى، إلى وُلد عام 1919 فى أسرة عسكرية، وتخرج فى الكلية الحربية عام 1938، ثم واصل دراسته فى مجالات المدفعية والعلوم العسكرية، وتلقى دورات متقدمة فى الاتحاد السوفيتى، ما جعله واحدًا من أكثر الضباط إلمامًا بفنون القتال الحديثة آنذاك، شارك فى حرب 1948، ثم تدرج فى المناصب حتى عُيّن رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة بعد نكسة يونيو 1967.

كانت مصر آنذاك تمر بمرحلة دقيقة؛ جيش يعيد بناء نفسه، وأمة تبحث عن استعادة الثقة، لعب الفريق عبدالمنعم رياض دورًا محوريًا فى إعادة تنظيم القوات المسلحة، ورفع كفاءتها القتالية، وكان من مهندسى حرب الاستنزاف التى استهدفت إنهاك العدو واستعادة الروح القتالية.

استشهاد البطل

فى مارس 1969، وبعد نجاح القوات المصرية فى تدمير أحد المواقع الحصينة شرق القناة، أصر الفريق عبدالمنعم رياض على التوجه إلى الخطوط الأمامية لتفقد الجنود، ومتابعة سير العمليات، هناك على الضفة الغربية لقناة السويس، سقطت قذائف مدفعية العدو بكثافة، رفض القائد مغادرة الموقع، وأصيب بشظايا قاتلة أدت إلى استشهاده فى 9 مارس 1969.

كان أول رئيس أركان فى العالم يُستشهد فى الخطوط الأمامية، لم يكن موته حدثًا عسكريًا فحسب، بل لحظة أعادت صياغة العلاقة بين القائد وجنوده، ورسّخت قيمة أن القيادة مسئولية تُمارس من قلب الميدان، ومنذ ذلك اليوم، أصبح التاسع من مارس يوم الشهيد فى مصر.

استعادة الإرادة

لم تكن حرب الاستنزاف مجرد مرحلة بين هزيمة ونصر، بل كانت معركة استعادة الإرادة، امتدت من 1968 حتى 1970، وخلالها سقط آلاف الشهداء الذين مهّدوا الطريق لعبور أكتوبر، فى تلك الحرب، برزت عمليات نوعية نفذتها قوات الصاعقة والبحرية والمدفعية، كانت الرسالة واضحة وهى أن الجيش المصرى لم ينكسر، بل يعيد ترتيب صفوفه.

ومن أبرز أبطال تلك المرحلة الشهيد إبراهيم الرفاعى، قائد المجموعة 39 قتال، التى نفذت عمليات جريئة خلف خطوط العدو، سواء فى الاستنزاف أو لاحقًا فى أكتوبر، وعُرف الرفاعى بجرأته وإيمانه برجاله، وكان دائم التقدم فى الصفوف الأولى، استشهد فى أكتوبر 1973 أثناء إحدى العمليات شرق القناة، لكنه ظل أحد أبرز رموز مدرسة الاستنزاف.

شهداء أكتوبر

حرب الاستنزاف كانت الجسر الذى عبرت عليه مصر إلى النصر، وكانت دم الشهداء فيها هى الوقود الذى أعاد إشعال الروح الوطنية، ففى السادس من أكتوبر 1973، انطلقت الضربة الجوية الأولى، وبدأت واحدة من أعظم المعارك فى التاريخ العسكرى الحديث، كان العبور إلى الضفة الشرقية لقناة السويس حدثًا أعاد صياغة موازين القوى، وأعاد للأمة كرامتها.

وخلال حرب أكتوبر تسلم عدد من الشهداء راية التضحية ومنهم ( على سبيل المثال لا الحصر) الشهيد أحمد حمدى، قائد سلاح المهندسين، كان أحد أعمدة خطة العبور، أشرف على إقامة الكبارى التى عبرت عليها القوات والدبابات، فى 14 أكتوبر 1973، وأثناء إصلاح أحد الكبارى تحت قصف مكثف، أصيب بشظية قاتلة، استشهد وهو يطمئن على رجاله، وسُمّى النفق الرابط بين ضفتى القناة باسمه، ليظل اسمه محفورًا فى طريق العبور.

صائد الدبابات

هناك أيضًا الجندى محمد عبد العاطى، الذى لُقب بـ«صائد الدبابات»، نجح فى تدمير عدد كبير من دبابات العدو باستخدام صواريخ مضادة للدروع، وكان نموذجًا للجندى الذى يصنع الفارق بإيمانه وقدرته.

ومن بين نسور القوات الجوية الذين مهدوا للعبور، يبرز اسم الطيار الشهيد سيد زكريا، الذى استشهد خلال تنفيذ طلعة قتالية ضمن العمليات الجوية الأولى، مؤكدًا أن المعركة كانت شاملة برًا وبحرًا وجوًا.

 الرئيس السادات

وفى يوم الشهيد، لا يمكن أن ننسى بطل الحرب والسلام، الرئيس الراحل محمد أنور السادات، الذى تلقى الشهادة على يد الإرهاب الغادر، فى يوم انتصار أكتوبر عام 1981، تاركاً تاريخاً حافلاً من العمل الوطنى، كان فى مقدمته، قيادة الانتصار فى حرب أكتوبر 1973، وقراره الاستراتيجى الخاص باتفاق السلام.

الحرب على الإرهاب

أكتوبر لم يكن مجرد خطة عسكرية، بل ملحمة وطنية شارك فيها الجميع، وسقط فيها آلاف الشهداء الذين كتبوا بدمائهم سطر النصر، وهو نفس الشيء الذى حدث عندما تكالبت قوى الشر والجماعات الإرهابية فى محاولة لهدم الوطن خاصة بعد عام 2011.. ليستلم جيل جديد من الأبطال راية التضحية.

ففى شمال سيناء، خاضت القوات المسلحة معركة طويلة ضد الإرهاب، كان من أبرز رموزها الشهيد أحمد منسى، قائد الكتيبة 103 صاعقة. فى يوليو 2017، تعرّض كمين البرث لهجوم إرهابى واسع، قاتل منسى وجنوده حتى اللحظة الأخيرة، واستشهد مدافعًا عن موقعه.

لم يكن منسى استثناءً، بل نموذج لجيل كامل نشأ على حكايات أكتوبر، ووجد نفسه فى معركة مختلفة، لكنه حمل الروح ذاتها، وهناك العميد عادل رجائى، أحد قادة الفرقة التاسعة المدرعة، الذى نال الشهادة أمام منزله بمدينة العبور عام 2016 على يد عناصر إرهابية استهدفته بسبب دوره فى مواجهة التنظيمات المتطرفة فى سيناء، والعقيد رامى حسنين الذى استشهد خلال اشتباكات عنيفة فى شمال سيناء أثناء قيادته قوة لمداهمة بؤر إرهابية، حيث أصر على التقدم فى الصفوف الأولى حتى أصيب إصابة قاتلة.

والعميد أركان حرب أحمد عبد النبى استشهد عام 2018 أثناء قيادته قواته فى عملية نوعية بوسط سيناء، بعدما أصيب خلال اشتباكات مباشرة مع عناصر إرهابية مسلحة، والعقيد تامر سعد زغلول ارتقى شهيدًا إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت مدرعة خلال حملة تمشيط جنوب الشيخ زويد، بينما كان يشرف ميدانيًا على تحرك القوة.

تضحيات الشرطة

وبينما كانت القوات المسلحة تحمى الحدود، كان رجال الشرطة يواجهون الإرهاب مع رجال الجيش بعد أن دخلت مصر موجة جديدة من العنف، خاصة بعد عام 2013، ومن بين شهداء الداخلية فى الحرب على الإرهاب ( على سبيل المثال لا الحصر) الشهيد محمد مبروك، أحد ضباط الأمن الوطنى، لعب دورًا بارزًا فى كشف مخططات إرهابية، اغتيل أمام منزله فى نوفمبر 2013، بعد أن استهدفته عناصر متطرفة.

ومن رجال الشرطة أيضًا الذين تسلموا راية التضحية، الشهيد وائل طاحون، استشهد عام 2015 إثر استهدافه أمام منزله بالقاهرة، بعد مشاركته فى عمليات أمنية ناجحة ضد عناصر إرهابية، والعميد محمد الحوفى الذى استشهد خلال مداهمة خلية إرهابية فى الأميرية عام 2020، بعدما اقتحم موقعًا مسلحًا لإنقاذ المدنيين، وهناك أيضًا مصطفى عبيد الذى استشهد أثناء إبطال عبوة ناسفة قرب كنيسة بمدينة نصر، منقذًا عشرات الأبرياء.

الراية التى لا تسقط

إذا يمكن القول وبكل ثقة أنه ومن عبد المنعم رياض إلى أحمد منسى، مرورًا بأبطال الاستنزاف وأكتوبر، ثم شهداء الجيش والشرطة فى مواجهة الإرهاب، تتصل السلسلة بلا انقطاع، تتغير طبيعة المعارك، لكن جوهرها واحد وهو حماية الوطن، كل جيل يسلم الراية للذى يليه، وكل شهيد يسلّم شهيدًا آخر، لا فى معنى الموت، بل فى معنى الاستمرار.

فى التاسع من مارس، تنحنى مصر إجلالًا، ليس فقط لأنها فقدت رجالًا عظماء، بل لأنها كسبت معنى أعمق للحياة. بالشهادة فى وجدان المصريين ليست نهاية، بل بداية لحكاية وطن يُكتب تاريخه بدم أبنائه.