روضة رمضان
الحاجة إلى توحيد الله تعالى إجمالاً
إن الحاجة إلى توحيد االله تعالى إجمالاً ضرورة لاستقامة حياة النَّاس على العدل والتَّسامح فيما بينهم، فلا عدل ولا تسامح بين ناس يُنْكرون أنَّهم مخلوقون لخالق، أو بين ناس يزعم بعضُهم أنَّه إلههم أو أنَّه وكيلٌ عن االله فيهم؛ لأنَّ الإقرار بتوحيد االله تعالى إجمالاً يعنى مساواة النَّاس فى أصل الخلقة، وأنَّ أحدًا منهم ليس إلهًا ولا خالقًا، فالخالق غير مخلوق، مَهما تعدَّدت أسماءُ هذا الخالق العظيم وصفاته فى أذهان الخَلق، وهذا الإقرار بالتَّوحيد هو ما يتأسَّس عليه إقامة العدل والتَّسامح بين الناس، ومن دونه لن تستقيم حياتهم؛ لعموم قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا االلَّهُ لَفَسَدَتَا) [الأنبياء: 22].
توحيد الله توحيد لقبلة الدِّين
إنَّ مبدأ «توحيد الله تعالى» يهدف إلى جمع النَّاس- على قبلة واحدة للدِّين مَهما اختلفت أسماؤه أو تنوَّعت صوره، كما يعمل على تسوية الناس فى حق الاختيار الدِّينى والفقهى، فى ظل المُعطيات الدِّينيَّة والفقهيَّة التى نشأ كلُّ إنسان عليها، وما بلغه بعد ذلك عن غيرها مما يُخالف ما نشأ عليه، والفائز منهم يوم لقاء الله هو المُتجرِّد فى اختياره الصَّادق مع نفسه بما يراه بفطرته- عند بلوغه سِنَّ الرُّشد- هو الأحسن والأليق بمقام الله عدلاً ورحمة، منافسًا فى اختيار رؤيته البريئة لمقام الله فى قلبه آبائه وشيوخه وأساتذته وأقرانه، دون أن يتَّخذ أحدَهُم- أو غيره - هواه فى الاختيار للنَّفس الذى يجب أن يكون ناطقًا عن واقع قلبه بما وَقَر فيه؛ كما قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) [النازعات: 40، 41]، وما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة، أن النبى- صلى الله عليه وسلم- قال عن الله تعالى فى الحديث القدسى: «أنا عند ظن عبدى بى».
اقتران توحيد الله باختصاص الدِّين له سبحانه
إنَّ مبدأ «توحيد الله تعالى» قرين اختصاص شأن «الدِّين وفقهه» له سبحانه، دون انفكاك، فقد اختصَّ الله تعالى شئون الدِّين لنفسه، ولم يجعله لنبى مُرسل ولا لمَلاك مُقرَّب ولا لوليٍّ مُدَّع، كما جعل الله تعالى «فقه الدِّين» رزقًا منه سبحانه يتفاوت النَّاس فيه كما يتفاوتون فى سائر أرزاقهم، وحسابهم يوم القيامة على قدر أرزاقهم، بمعيار عادل يتساوى فيه الجميع، وهو طمأنينة نفس كلٍّ منهم وسلامة قلبه.
ويدلُّ على اختصاص الدِّين لله سبحانه دون غيره: عموم قوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) [الأنفال: 39]، وقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) [البيِّنة: 5]، وما أخرجه الشيخان واللفظ للبخارى، عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «إنَّما الأعمال بالنيَّات وإنَّما لكلِّ امرئ ما نوَى».
ويدلُّ على أنَّ «فقه الدِّين» رزقٌ من الله سبحانه، وأن النَّاس يتفاوتون فيه: عموم قوله تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [آل عمران: 269]، وقوله تعالى: (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ) [النحل: 71]، وما أخرجه الشيخان عن معاوية بن أبى سفيان أنه سمع النبى- صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَن يُرد الله به خيرًا يُفقهه فى الدِّين، وإنَّما أنا قاسم، والله يُعطى».
ثمرة اختصاص الله بشأن الدِّين وفقهه
يترتَّب على اختصاص الله سبحانه بشأن «الدِّين وفقهه»: أن يكون تعامُل الإنسان فيهما بحريَّة مع الله تعالى مُجرَّدًا عن أى حساب سواه سبحانه، وأن يكون الدِّين وفقهه علاقة خاصَّة تربط الإنسان- مستقلّاً عن غيره- بربِّه دون وسيط أو شريك.
وبذلك لم يَعُد للإنسان أيُّ وجه عُذْر فى أن يُنافق فى دينه أو فى فقهه- بأن يُظهر غير ما يُبطن- إلَّا أن يحمى حياته من الاضطهاد فيهما؛ كما قال تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النحل: 106]، وقال تعالى: (لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) [آل عمران: 28].
ويؤكِّد حريَّة الدِّين وفقهه أن التَّكليف فيهما على قدر استطاعة كلِّ أحد فى نفسه عقلاً وبَدَنًا ووضعًا، مع عقد نيَّته القلبيَّة فيهما لله سبحانه، والنيَّة لا يَعلمها سوى الله تعالى، فهى عُملة غيرُ ذات حُجيَّة فى التَّعامل البشرى إلَّا ظنًّا، ولكنَّها- فى الوقت نفسه- هى مُعْتَمد الإنسان عند ربِّه الذى يَغفر له إثم تصرُّفاته التى تكون منه عن خطأ أو نسيان أو إكراه من دون اختيار، وحتَّى ما كان منه عن عمد فإنَّ إثمه يُغْتفر بالحسنات اللَّاتى يُذهبن السَّيئات، أو بالتَّوبة المقبولة فى مشيئة الله، فضلاً عن بركات المواظبة على الصلوات الخمس وصوم شهر رمضان، ونفحات أيَّام الله تعالى، أو الحج المبرور الذى يغسل ذنوب الماضى فيرجع صاحبه كيوم ولدته أمُّه.
ويدلُّ على رفع إثم الخطأ والنسيان والإكراه؛ عموم قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) [البقرة: 286]، وقوله تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الأحزاب: 5]، وأخرج ابن ماجه وابن حبان والدار قطنى والطبرانى والحاكم عن ابن عباس، أن النبى- صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ الله وضع- وفى رواية: تجاوز- عن أمَّتى الخطأ والنِّسيان وما استُكرهوا عليه».
ويدلُّ على مغفرة الذنوب بالحسنات: عموم قوله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) [هود: 114].
ويدلُّ على مغفرة الذنوب بالتَّوبة؛ عموم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) [التحريم: 8]، وقوله تعالى: (إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الفرقان: 70]، وما أخرجه ابن ماجه عن عبدالله بن مسعود، أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قال: «التَّائب من الذَّنب كمَن لا ذنب له».
ويدلُّ على مغفرة الذنوب- غير الكبائر- بالمواظبة على الصلوات الخمس وصلاة الجمعة وصوم شهر رمضان: ما أخرجه مسلم عن أبى هريرة، أنَّ النبى- صلى الله عليه وسلم- قال: «الصلواتُ الخمس، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان مُكَفِّراتٌ ما بينهنَّ إذا اجْتَنبَ الكبائر».
ويدلُّ على مغفرة الذنوب بنفحات أيَّام الله؛ عموم ما أخرجه الطبرانى عن محمد بن مَسْلَمة الأنصاري، أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- قال: «إن لربكم فى أيام دهركم نفحات، فتعرَّضوا لها، فلعلَّه أن تُصيبكم نفحة منها فلا تَشْقون بَعدها أبدًا»، وما أخرجه مسلم عن أبى قتادة، أن النبى- صلى الله عليه وسلم- قال: «صيامُ يوم عرفة أحتسبُ على الله أن يُكفِّر السَّنة التى قبله والسَّنة التى بعده، وصيامُ يوم عاشوراء أحتسبُ على الله أن يكفِّر السَّنة التى قبله»، وما أخرجه الشيخان عن أبى هريرة أن النبى- صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه، ومَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبه»، وما أخرجه البخارىّ عن أبى هريرة، أنه سمع الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقول: «مَن حجَّ لله فلم يرفُث ولم يَفسُق رجع كيومِ ولدته أمُّه».
شبهة فوضى الأديان أو فوضى الفتاوى
ليس لشبهة «فوضى الأديان أو فوضى الفتاوى» وجه أمام المفاهيم الدِّيانيَّة فى «الإسلام» الذى يعتمد فى تكاليفه الشَّرعيَّة على «قدر الاستطاعة الذَّاتيَّة» لكلِّ إنسان- مستقلّاً عن غيره- عقلاً وبدنًا ووضعًا، وعلى «درجة النيَّة القلبيَّة» التى لا يَعلم حقيقتها سوى الله تعالى، وهو سبحانه الذى يمنح الإنسان مغفرة إثم تصرُّفاته فى أحوال الخطأ والنسيان والإكراه؛ بل وفى العمد الذى يعقبه توبة أو الإكثار من الحسنات أو التَّعرُّض لنفحات أيَّام الله، ونحو ذلك من المعايير التى يتفاوت النَّاس فيها، مما يجعل الدِّين وفقهه شخصانيًّا فى علاقة رأسيَّة تربط الإنسان- استقلالاً عن غيره- بربِّه، من دون وسيط أو شريك؛ فلا شبهة لادِّعاء «فوضى الأديان، أو فوضى الفتاوى».
وقد ظهرتْ شبهة «فوضى الأديان أو فوضى الفتاوى» كشعار سياسيّ ابتدعه أوصياء الدِّين فى التَّنظيمات أو التَّيَّارات الموصوفة بالدِّينيَّة من أجل اختطافهم سُلطة الإنسان على نفسه فى مُعتقده دِينًا وفقهًا، وإحكام سيطرتهم على الأتباع والمريدين بإخضاعهم لرأى زعيم كلِّ تنظيم أو تيَّار منها، والذى يَكْتُم الآراء الأخرى، ويخون أمانة بيان التَّعدُّديَّة الدِّينيَّة والفقهيَّة التى تمنح كلَّ إنسان مُكلَّف سُلطة الاختيار أو التَّجديد؛ حتى تتاجر تلك التَّنظيمات أو التَّيَّارات بعَدد حشودها وجماهيرها، كمراكز قوَى سياسيَّة فى مواجهة غيرها، بما يجعلُ الدِّين وفقهه عندهم سلاحًا فى الصِّراع البشرى، وليس بلسمًا أمينًا فى العلاج الرُّوحانى الذى يتفاوت النَّاس فيه.
إنَّه لا ضير من التَّعدُّديَّة الدينيَّة والفقهيَّة فى حياة الناس وتعايشهم السِّلمى؛ بل إنَّ تلك التَّعدُّديَّة هى الأصل فى الدِّيانيَّات مع الله تعالى بعَدد النَّاس المُكلَّفين؛ لأن قبلة الإنسان المُكلَّف فى الدِّين وفقهه رأسيَّة إلى الله تعالى، فهو وحده الذى يقبل التَّعبُّد بالدِّين وفقهه أو لا يقبله، وليست قبلة الإنسان فى الدِّين وفقهه أفقيَّة مع مَن يساويه فى الخلق إنسانًا آخر أو غيره، فإن اتَّجهتْ إلى مخلوق بغير رضاه كانتْ عدوانًا وانحرافًا عن قِبْلة الله، وتستحقُّ الدَّفع والرَّد من الآخر، ولا توصف بأنها دِين أو فقه دِين؛ حتَّى لا تكون الحريَّة الدينيَّة والفقهيَّة فوضى.
أمَّا تعامُل الإنسان مع غيره من البشر فإنَّه يكون بسُلطان التَّراضى المُشترك بينهم فى صورة قانون أو عقد أو عُرف، ولا يكون باسم الدِّين أو فقهه؛ لأنَّ شأن الدِّين وفقهه أنَّه شخصانى لكلِّ أحد، فليس له نفاذ خارج العلاقة مع الله تعالى، فإن توافق اثنان فأكثر على وجه تعاملى معيَّن وصفوه بأنه وجه دينى كان هذا التَّوافق التَّعاقدى أو العرفى هو السيِّد بينهم، وليس اسم الدِّين الذى ذكروه فى ذاته، صحيح إن كلَّ واحد من هؤلاء المتعاملين يرى اسم هذا الدِّين سيِّدًا عليه انفرادًا، ولكنَّه لا يملك جعله سيِّدًا على صاحبه دون اختياره ورضاه، فإن تراضى المتعاملون عليه كان تراضيهم التَّعاقدى البشرى هو السَّيِّد عليهم، ومثال ذلك زواج الرَّجل المسلم من امرأة مسيحيَّة، فإنَّ السَّيِّد عليهما فى هذا الزَّواج هو تراضيهما التَّعاقدى بالشَّكل الذى توافقا عليه، وليس دِينُ أحدهما على الآخر؛ لعموم قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) [البقرة: 256]، مع عموم قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1].
أستاذ الفقه المقارن المتفرغ بجامعة الأزهر







