نبيل عمر
إبستين وشبكة النفوذ الخفية في الشرق الأوسط!
من السذاجة المفرطة أن نسقط في فخ الإعلام الغربي ونحصر ملفات جيفري إبستين بما تحتويه من وثائق وصور وتسجيلات، في مشاهد عرى وابتزاز وفضائح جنسية، لشخصيات لامعة في السياسة والاقتصاد والمال والفن والبرلمان، فالملفات تكشف عن وجه آخر شديد الخطورة يمس المنطقة العربية، فالمليونير الأمريكي الغامض كان حاضرا بقوة في دوائر السياسية العربية، مدعوا إلى مؤتمرات مغلقة، مستشارا غير رسمي لسياسيين عرب يبحثون عن أقصر طرق التواصل مع البيت الأبيض، صاحب جواز سفر خليجي مزور يفتح أبوابا لا تفتح عادة إلا عبر أجهزة المخابرات!
حكايات تبين مدى تغلغله في شرايين المنطقة والتأثير فيها، حتى إن شخصية عربية كبيرة، لم تذكر الوثائق اسمها لا تصريحا ولا تليمحا، سألته في رسالة إلكترونية أذيع جزء منها ضمن الملفات التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية مؤخرا: أي النصائح حول كيفية التواصل مع ترامب؟
ورد عليه إبستين: ما هي الأمور الملموسة التي تريدها من الولايات المتحدة؟
السؤال والجواب يشيان بأن دور أبستين تجاوز دور «المستشار الأمين» إلى قناة خلفية للاتصالات والتفاوض عابرة للقنوات الرسمية بما تفرضه من التزامات وبروتوكولات دبلوماسية يصعب القفز عليها، وتشي بأنه كان يملك من الأدوات والنفوذ ما يجعله محل ثقة في التعامل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فترة ولايته الأولي (2016-2020).
بل حاول إبستين أن يعقد من أزمة مست مصر والسعودية والإمارات والبحرين وقطر، كانت من توابع التخلص من جماعة الإخوان والحرب على الإرهاب، وقتها كانت دول الخليج الثلاثة ومعها مصر في جانب تحاول مع قطر أن تنأي بنفسها عن توفير ملاذ آمن لأعضاء في جماعة الإخوان مطلوبين للعدالة، وتمويل بعض التنظيمات الدينية المتطرفة!
هنا تدخل إبستين في صيف 2017 وكتب رسالة إلكترونية، قال فيها: يجب أن تخرج قطر ضد الإرهاب، لا أن تقول فقط إنها ضد الإرهاب، واقترح إنشاء صندوق بمليار دولار لضحايا الإرهاب تديره أمريكا وبريطانيا والأمم المتحدة.
الرسالة محذوف منها الجهة المرسل إليها، ولكنها تضعنا أمام تساؤلات بديهية: ما علاقة إبستين بمثل هذه القضايا وهو مجرد رجل أعمال ذي علاقات واسعة مع شخصيات مؤثرة يوفر لها «سبل المتعة المنحرفة»؟
قطعا الرسالة جزء من خطاب سياسي يخدم موقفا يريد أن يثبته في واقع المنطقة باقتراح سياسي يفتت «أي تفاهمات» بين دول عربية ذات علاقات تاريخية عميقة، من طبائع الأشياء أن يحدث بينها أحيانا خلافات وتباين في الرؤي، لكنها تظل حريصة على صيانة هذه الروابط، جسر التصالح بينها!
وكشفت الوثائق أيضا عن دعوة خاصة موجهة إلى إبستين لحضور ملتقى استراتيجي يجمع قادة عرب وغربيين لمناقشة قضايا الأمن والسياسة، وجاء في الدعوة:» جيفري..من فضلك، تعالي، ويمكن أن نرتب لك أوقاتا خاصة مع «.....» «.......».
تخاطب الرسالة إبستين باسمه مجردا، باعتباره صديقا مقربا، لكن علامات الاستفهام لا يمكن تجاهلها، ما علاقته بقضايا الأمن والسياسة في المنطقة ليناقشها مع دوائر عربية رفيعة المستوى، ولماذا يغرونه بلقاء خاص مع سياسيين بارزين؟
ثم نأتي إلى علاقته بـ«إيهود باراك» رئيس وزراء إسرائيل الأسبق وحواراته معه، فالوثائق تقول إن الحوارات تناولت موضوعات دقيقة، مثل النمو الديمجرافي للعرب داخل إسرائيل، ومعروف أن معدل الزيادة السكانية لعرب 1948 يسبب أرقا هائلا للدولة اليهودية، ويهدد «نقاء عنصريتها» على المدى الطويل، ويجد باراك في الهجرة الروسية إلى إسرائيل حلا عمليا لموازنة هذا النمو، وهذا حوار استراتيجي يمس الصراع العربي الإسرائيلي وليس مجرد دردشة بين صديقين في أوقات الفراغ، أي أننا أمام شبكة علاقات له نفوذ إقليمي ودولي، يستخدم فيها المال والابتزاز الجنسي كأدوات لإعادة تشكيل السياسة في لحظات تاريخية مضطربة!
إذن، إبستين لم يكن مجرد رجل فضائح، بل حلقة في هذه الشبكة الكبيرة، التي تتقاطع فيها خلف الكواليس مصالح أنظمة عربية وإسرائيل، والولايات المتحدة، ولا يمكن أن نتجاهل أن السلطات الأمريكية حين داهمت خزائنه، عثرت على جواز سفر سعودي مزور يحمل حق الإقامة، ومؤكد أن إبستين لا يبحث عن تسهيلات سفر، والجواز يشي بأن دوره كان جزءا من منظومة تستخدم في تحركات مخابراتية ولقاءات مرتبطة بقضايا المنطقة.
السؤال هنا ليس عن إبستين وحده، بل عن الشبكة التي مثّلها: كم من «إبستين» آخرين ما زالوا يعملون في الظل، دون أن تُكشف ملفاتهم بعد؟
بالقطع هذه قرائن تربط بين إبستين والمخابرات الإسرائيلية، وهنا في شاهد من أهلها، مخبر سرى في مكتب التحقيقات الفيدرالي، هذه المخبر كما نشرت الوثائق كتب ما يفيد إنه مقتنع بأن إبستين كان عميلا لإسرائيل، وأن علاقته بـ«إيهود باراك» تضمنت تدريبا له كجاسوس تحت إشراف بارك نفسه.
قد لا نصنف هذه الشهادة في باب الوثائق الدامغة، لكنها تشي بأن المحققين الأمريكيين كانوا يعتبرون إبستين أكثر من رجل أعمال أو مليونير طائش، بل أن الوثائق وصفته صراحة «ربما جرى استقطابه من قبل الموساد، وهو جزء من شبكة نفوذ مرتبطة بإسرائيل».
وعادي جدا ألا تستكمل أجهزة الأمن الأمريكية تحرياتها، فإسرائيل دوما تحت مظلة «اللوبي الصهيوني» أقوى جماعات الضغط في واشنطن، ومن يقترب منها تمزقه أربا قنابل النقد والتشويه صحفيا وفضائيا وبرلمانيا.
ويبدو أن إبستين كان مكلفا بمهام بعد حالة السيولة التي ضربت عددا من دول المنطقة خلال الربيع العربي 2011، أقصد الشتاء العربي، ووصف الشتاء أوقع من الربيع، لأن هذه الثورات اندلعت في فصل الشتاء، ولم تر سوريا ولبنان واليمن وليبيا والسودان، أي ربيع على الإطلاق!
كانت المنطقة مضطربة ويعاد تشكيلها، فارتفعت حاجة إسرائيل إلى أدوات غير رسمية لتعزيز نفوذها وسط هذه الفوضي، وكان إبستين خيارا جيدا بما يملكه من علاقات واسعة مع النخب العربية والغربية معا، فأصبح قناة مثالية، بوجوده في مؤتمرات مغلقة، بحوارات مع شخصيات نافذة، أي كان جامع معلومات من طراز فريد، جسر ناعم لرؤى إسرائيلية إلى الدوائر العربية ، دون أن تطل إسرائيل برأسها، فلا تفسدها الحساسيات الشعبية العميقة الرافضة لكل ما هو قادم منها!
ودور إبستين يعيد إلى ذاكرتنا العربية الضعيفة دور «روبرت ماكسويل» البريطاني الإسرائيلي، إمبراطور الصحافة الشهير، الذي لقي حتفه في 5 نوفمبر 1991، حين سقط من على سطح يخته الفاخر إلى قاع البحر، وما زالت الشكوك دائرة حول ملابسات هذا السقوط الغريب: هل كان انتحارا أم قتلا؟، وهي نفس الشكوك التي تطارد وفاة جيفري إبستين فجأة في السجن وقيل إنه انتحر، ولم تتوقف منذ أغسطس 2019.
وماكسويل لم يكن مجرد ناشر صحف صاحب إمبراطورية إعلامية ضخمة، كان عميلا للموساد الإسرائيلي، وكتب عنه الصحفيان البريطانيان المرموقان جوردون توماس ومارتن ديلون كتابا بعنوان: روبرت ماكسويل، جاسوس إسرائيل السوبر، وأصدراه في 2003!
وقد لعب ماكسويل أدورا كثيرا في المنطقة العربية وأوروبا، إذ سهل صفقات سلاح بين إسرائيل ودول عربية عبر قنوات غير رسمية، مرر آلاف المعلومات الحساسة من أوروبا وبعض الأنظمة العربية إلى إسرائيل.. إلخ.
المدهش أن ابنته «جيلين» ارتبطت بـ«جيفري إبستين» وشكلت معه شبكته الخاصة، وهي حاليا خلف القضبان محكوم عليها بالسجن 20 عاما، أما أبناء ماكسويل الرجال فقد أسسوا مركز أبحاث في واشنطن، أي أن العائلة كلها جزء من منظومة سياسية إعلامية لخدمة إسرائيل!
والسؤال الأخطر: هل يمكن أن يتعلم العرب شيئا من ملفات إبستين يُفيدهم في المستقبل؟!











