الأحد 15 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
إبستين وشبكة النفوذ الخفية في الشرق الأوسط!‏

إبستين وشبكة النفوذ الخفية في الشرق الأوسط!‏

من السذاجة المفرطة أن نسقط في فخ الإعلام الغربي ونحصر ملفات جيفري إبستين بما ‏تحتويه من وثائق وصور وتسجيلات، في مشاهد عرى وابتزاز وفضائح جنسية، لشخصيات ‏لامعة في السياسة والاقتصاد والمال والفن والبرلمان، فالملفات تكشف عن وجه آخر شديد ‏الخطورة يمس المنطقة العربية، فالمليونير الأمريكي الغامض كان حاضرا بقوة في دوائر ‏السياسية العربية، مدعوا إلى مؤتمرات مغلقة، مستشارا غير رسمي لسياسيين عرب يبحثون ‏عن أقصر طرق التواصل مع البيت الأبيض، صاحب جواز سفر خليجي مزور يفتح أبوابا لا ‏تفتح عادة إلا عبر أجهزة المخابرات!‏



حكايات تبين مدى تغلغله في شرايين المنطقة والتأثير فيها، حتى إن شخصية عربية كبيرة، لم ‏تذكر الوثائق اسمها لا تصريحا ولا تليمحا، سألته في رسالة إلكترونية أذيع جزء منها ضمن ‏الملفات التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية مؤخرا: أي النصائح حول كيفية التواصل ‏مع ترامب؟

ورد عليه إبستين: ما هي الأمور الملموسة التي تريدها من الولايات المتحدة؟‏

السؤال والجواب يشيان بأن دور أبستين تجاوز دور «المستشار الأمين» إلى قناة خلفية ‏للاتصالات والتفاوض عابرة للقنوات الرسمية بما تفرضه من التزامات وبروتوكولات ‏دبلوماسية يصعب القفز عليها، وتشي بأنه كان يملك من الأدوات والنفوذ ما يجعله محل ثقة ‏في التعامل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في فترة ولايته الأولي (2016-2020).

بل حاول إبستين أن يعقد من أزمة مست مصر والسعودية والإمارات والبحرين وقطر، كانت ‏من توابع التخلص من جماعة الإخوان والحرب على الإرهاب، وقتها كانت دول الخليج ‏الثلاثة ومعها مصر في جانب تحاول مع قطر أن تنأي بنفسها عن توفير ملاذ آمن لأعضاء ‏في جماعة الإخوان مطلوبين للعدالة، وتمويل بعض التنظيمات الدينية المتطرفة!‏

هنا تدخل إبستين في صيف 2017 وكتب رسالة إلكترونية، قال فيها: يجب أن تخرج قطر ‏ضد الإرهاب، لا أن تقول فقط إنها ضد الإرهاب، واقترح إنشاء صندوق بمليار دولار ‏لضحايا الإرهاب تديره أمريكا وبريطانيا والأمم المتحدة.‏

الرسالة محذوف منها الجهة المرسل إليها، ولكنها تضعنا أمام تساؤلات بديهية: ما علاقة ‏إبستين بمثل هذه القضايا  وهو مجرد رجل أعمال ذي علاقات واسعة مع شخصيات مؤثرة ‏يوفر لها «سبل المتعة المنحرفة»؟

قطعا الرسالة جزء من خطاب سياسي يخدم موقفا يريد أن يثبته في واقع المنطقة باقتراح ‏سياسي يفتت «أي تفاهمات» بين دول عربية ذات علاقات تاريخية عميقة، من طبائع الأشياء ‏أن يحدث بينها أحيانا خلافات وتباين في الرؤي، لكنها تظل حريصة على صيانة هذه ‏الروابط، جسر التصالح بينها!‏

وكشفت الوثائق أيضا عن دعوة خاصة موجهة إلى إبستين لحضور  ملتقى استراتيجي يجمع ‏قادة عرب وغربيين لمناقشة قضايا الأمن والسياسة، وجاء في الدعوة:» جيفري..من فضلك، ‏تعالي، ويمكن أن نرتب لك أوقاتا خاصة مع «.....» «.......».‏

تخاطب الرسالة إبستين باسمه مجردا، باعتباره صديقا مقربا، لكن علامات الاستفهام لا يمكن ‏تجاهلها، ما علاقته بقضايا الأمن والسياسة في المنطقة ليناقشها مع دوائر عربية رفيعة ‏المستوى، ولماذا يغرونه بلقاء خاص مع سياسيين بارزين؟

ثم نأتي إلى علاقته بـ«إيهود باراك» رئيس وزراء إسرائيل الأسبق وحواراته معه، فالوثائق ‏تقول إن الحوارات تناولت موضوعات دقيقة، مثل النمو الديمجرافي للعرب داخل إسرائيل، ‏ومعروف أن معدل الزيادة السكانية لعرب 1948 يسبب أرقا هائلا للدولة اليهودية، ويهدد «نقاء عنصريتها» على المدى الطويل، ويجد باراك في  الهجرة الروسية إلى إسرائيل حلا ‏عمليا لموازنة هذا النمو، وهذا حوار استراتيجي يمس الصراع العربي الإسرائيلي وليس ‏مجرد دردشة بين صديقين في أوقات الفراغ، أي أننا أمام شبكة علاقات له نفوذ إقليمي ‏ودولي، يستخدم فيها المال والابتزاز الجنسي كأدوات لإعادة تشكيل السياسة في لحظات ‏تاريخية مضطربة!‏

إذن، إبستين لم يكن مجرد رجل فضائح، بل حلقة في هذه الشبكة الكبيرة، التي تتقاطع فيها ‏خلف الكواليس مصالح أنظمة عربية وإسرائيل، والولايات المتحدة، ولا يمكن أن نتجاهل أن ‏السلطات الأمريكية حين داهمت خزائنه، عثرت على جواز سفر سعودي مزور يحمل حق ‏الإقامة، ومؤكد أن إبستين لا يبحث عن تسهيلات سفر، والجواز يشي بأن دوره كان جزءا ‏من منظومة تستخدم في تحركات مخابراتية ولقاءات مرتبطة بقضايا المنطقة.‏

السؤال هنا ليس عن إبستين وحده، بل عن الشبكة التي مثّلها: كم من «إبستين» آخرين ما ‏زالوا يعملون في الظل، دون أن تُكشف ملفاتهم بعد؟

بالقطع هذه قرائن تربط بين إبستين والمخابرات الإسرائيلية، وهنا في شاهد من أهلها، مخبر ‏سرى في مكتب التحقيقات الفيدرالي، هذه المخبر كما نشرت الوثائق كتب ما يفيد إنه مقتنع ‏بأن إبستين كان عميلا لإسرائيل، وأن علاقته بـ«إيهود باراك» تضمنت تدريبا له كجاسوس ‏تحت إشراف بارك نفسه.‏

قد لا نصنف هذه الشهادة في باب الوثائق الدامغة، لكنها تشي بأن المحققين الأمريكيين كانوا ‏يعتبرون إبستين أكثر من رجل أعمال أو مليونير طائش، بل أن الوثائق وصفته صراحة «ربما جرى استقطابه من قبل الموساد، وهو جزء من شبكة نفوذ مرتبطة بإسرائيل».‏

وعادي جدا ألا تستكمل أجهزة الأمن الأمريكية تحرياتها، فإسرائيل دوما تحت مظلة «اللوبي ‏الصهيوني» أقوى جماعات الضغط في واشنطن، ومن يقترب منها تمزقه أربا قنابل النقد ‏والتشويه صحفيا وفضائيا وبرلمانيا.

ويبدو أن إبستين كان مكلفا بمهام بعد حالة السيولة التي ضربت عددا من دول المنطقة خلال ‏الربيع العربي 2011، أقصد الشتاء العربي، ووصف الشتاء أوقع من الربيع، لأن هذه ‏الثورات اندلعت في فصل الشتاء، ولم تر سوريا ولبنان واليمن وليبيا والسودان، أي ربيع ‏على الإطلاق!‏

كانت المنطقة مضطربة ويعاد تشكيلها، فارتفعت حاجة إسرائيل إلى أدوات غير رسمية ‏لتعزيز نفوذها وسط هذه الفوضي، وكان إبستين خيارا جيدا بما يملكه من علاقات واسعة مع ‏النخب العربية والغربية معا، فأصبح قناة مثالية، بوجوده في مؤتمرات مغلقة، بحوارات مع ‏شخصيات نافذة، أي كان جامع معلومات من طراز فريد، جسر ناعم لرؤى إسرائيلية إلى ‏الدوائر العربية ، دون أن تطل إسرائيل برأسها، فلا تفسدها الحساسيات الشعبية العميقة ‏الرافضة  لكل ما هو قادم منها!‏

ودور إبستين يعيد إلى ذاكرتنا العربية الضعيفة دور «روبرت ماكسويل» البريطاني ‏الإسرائيلي، إمبراطور الصحافة الشهير، الذي لقي حتفه في 5 نوفمبر 1991، حين سقط من ‏على سطح يخته الفاخر إلى قاع البحر، وما زالت الشكوك دائرة حول ملابسات هذا السقوط ‏الغريب: هل كان انتحارا أم قتلا؟، وهي نفس الشكوك التي تطارد وفاة جيفري إبستين فجأة ‏في السجن وقيل إنه انتحر، ولم تتوقف منذ أغسطس 2019.‏

وماكسويل لم يكن مجرد ناشر صحف صاحب إمبراطورية إعلامية ضخمة، كان عميلا ‏للموساد الإسرائيلي، وكتب عنه الصحفيان البريطانيان المرموقان جوردون توماس ومارتن ‏ديلون كتابا بعنوان:  روبرت ماكسويل، جاسوس إسرائيل السوبر، وأصدراه في 2003!‏

وقد لعب ماكسويل أدورا كثيرا في المنطقة العربية وأوروبا، إذ سهل صفقات سلاح بين ‏إسرائيل ودول عربية عبر قنوات غير رسمية، مرر آلاف المعلومات الحساسة من أوروبا  ‏وبعض الأنظمة العربية إلى إسرائيل.. إلخ.‏

المدهش أن ابنته «جيلين» ارتبطت بـ«جيفري إبستين» وشكلت معه شبكته الخاصة، وهي حاليا ‏خلف القضبان محكوم عليها بالسجن 20 عاما، أما أبناء ماكسويل الرجال فقد أسسوا مركز ‏أبحاث في واشنطن، أي أن العائلة كلها جزء من منظومة سياسية إعلامية لخدمة إسرائيل!

والسؤال الأخطر: هل يمكن أن يتعلم العرب شيئا من ملفات إبستين يُفيدهم في المستقبل؟!‏