هاني لبيب
الدولة تختبر حدود الإصلاح..
تغيير الوزراء.. ليس بديلًا عن تغيير السياسات!
التعديلات الوزارية.. لا تعتبر فى حد ذاتها حدثًا سياسيًا جللًا، ولا ينبغى التعامل معها مثلما يحاول البعض.. اختزالها باعتبارها إما إنجازًا أو إخفاقًا. التعديلات فى جوهرها هى أداة من أدوات ممارسة الحكم، وهى وسيلة النظام السياسى.. إما لتصحيح مسار مختل، أو باستقطاب كفاءات وخبرات جديدة لتحقيق أهداف المرحلة القادمة بوسائل جديدة.
وهنا يكون السؤال عما هو متوقع تغييره فعليًا فى السياسيات المتبعة؟! ليس باختزال التغيير فيمن رحل وفيمن حل محل من رحل. هكذا، يكتسب السؤال السابق.. أهميته فى الحياة السياسية المصرية لأن المعتاد دائمًا فى التعديلات الوزارية.. أن يتم تحميلها بتوقعات تعجيزية وغير منطقية فى بعض الأحيان لمحاولة بث توجهات سلبية وإشاعة مناخ من التشكيك لتأكيد سوء الظن بكل ما يحدث فى الدولة.
> ضغط أم تغيرات استراتيجية..
المستحيل هو قراءة التعديلات الوزارية الأخيرة بعيدًا عن السياق الواقعى الذى جاءت فيه، أزمة اقتصادية خانقة، تراجع غير مسبوق فى مستوى معيشة المواطنين، اتساع فجوة الثقة بين المجتمع والخطاب الرسمى، وتصاعد الإحساس العام بأن تكلفة الإجراءات والسياسات، الحكومية.. تتحملها الطبقة الوسطى التى تمثل الطرف الأضعف فى المعادلة السياسية المصرية.
لا يبدو التغيير هنا مجرد خيار استراتيجي.. يرتكز على مرجعية التقييم الموضوعى فقط، ولكن يمثل استجابة ضرورية لتراكم الضغوط والتحديات والأزمات.. يعنى ذلك أن هذا التغيير الوزارى هو مزيج بين القناعة السياسية، وبين منطق معالجة حالة الاحتقان المتراكمة.
> نغمة كل تغيير..
كالعادة، تم توجيه الرأى العام لاختزال التغيير فى الجدل حول الأسماء.. سواء بوصف البعض بأنه غير مناسب لحقيبته الوزارية، أو بكونه اختيارًا غير موفق، أو بأن الاختيار صادم، وهى جميعها إن صحت تحتاج للتقصى والتحقيق.. تجنبًا ما ينتج عن تلك الحالة من توجيه الرأى العام للاختلاف على هامش دائرة التغيير.. دون الاهتمام بجوهر التغيير.
يختزلون الحكومة فى الوزراء بسبب التركيز المكثف عليهم كأشخاص.. مما يمهد لمنطق أن تغيير الأسماء كفيل بحل الأزمات والمشكلات.
والمؤكد أن أخطر ما يترتب على هذا المنطق هو أنه يعيد إنتاج اختصار الأزمة فى الجانب الإدارى فقط، وأنها مشكلة كفاءات وليست سياسات، ولذا فإن المنتظر هو إصدار بيان سياسات وزارة د. مصطفى مدبولى الجديدة.
> صمت الإخفاق والوزير المخلص..
بناء على ما سبق، أرى.. أن الترحيب المبالغ فيه لبعض الوزراء الجدد.. لا يقل خطورة عن رفض بعض الوزراء الآخرين قبل أن يبدأوا تولى مسئولياتهم من الأصل، والقاعدة هنا هى.. أن الإشادة قبل اختبار الأداء ليست من التفاؤل، بل هى نوع من المصادرة لكل ما يتعلق بالمساءلة عن أدائهم فى المستقبل.
الخلفية المؤسسية والخبرة الأكاديمية.. لا تمثل شيئًا، إن لم يتم ترجمتها إلى إجراءات وسياسات.. قابلة للتطبيق العملى فى ظل واقع شديد التشابك والتعقيد.
ولا يزال تاريخنا السياسى.. يسجل لقصص وحكايات لبعض المسئولين الذين تولوا مناصبهم وسط الهتاف والتصفيق والإشادة، ثم سرعان ما خرجوا بعد أن أصابهم ما يمكن أن نطلق عليه «صمت الإخفاق»، المشكلة الحقيقية التى تواجهنا هنا أننا دائمًا ما نبحث عن «الوزير المخلص».. دون أن ندرس محددات منع الفشل ومحاسبة المسئول عنه.
>بيان سياسى وعقد اجتماعى..
إن التساؤل الذى يحيط بالتعديلات الوزارية الأخيرة.. كما ذكرت، هو غياب بيان سياسى واضح.. يشرح فيه د.مصطفى مدبولى فى ولايته الجديدة.. لماذا جرى التغيير؟ وما الذى تهدف إليه الحكومة الجديدة؟ وكيف يمكن قياس نتائج تحقيق أهدافها؟
هذا البيان سيمثل شكلا من أشكال العقد السياسى الذى يستهدف الأولويات ويحدد التوقعات أما فى الحياة السياسية المصرية، فنترك الرأى العام فى مواجهة بوصلة غير معلنة، وبلا معايير للمساءلة.. مما يحول أى نقد لاحق إلى جدل سفسطائى حول النوايا، وليس النتائج.
> الأرقام.. عبء سياسى..
نتفق جميعًا أن الحكومة الجديدة تواجه تحديا اقتصاديا.. مثقلًا بأزمات متراكمة لأكثر من 70 سنة، كما نتفق أيضًا، أن الأخطر والأهم من الأزمة نفسها هو طريقة إدارتها. الخطاب الحكومى الرسمى لا يزال يتعامل مع الاقتصاد بمنطق المؤشرات الكلية، ويتجاهل التأثيرات الاجتماعية المباشرة لتلك السياسات على المواطن البسيط وغير المقتدر.
وعلى سبيل المثال: التضخم ليس مجرد رقم فى تقرير، بل تجربة حياتية يومية، وأى حكومة لا تعترف بأن الأزمة الاقتصادية هى أزمة سياسات بقدر ما هى أزمة موارد، ستعيد إنتاج الأزمة نفسها.. مهما حققت من نجاح فى تحسين مؤشرات النمو.
> معنى العدالة الاجتماعية..
من الأهمية، أن تقوم الحكومة الجديدة فى ظل تناولها لخطاب الحماية الاجتماعية.. أن تؤكد على أن العدالة الاجتماعية هى القاعدة، وليست الاستثناء، وأن خطط الدعم ومبادرات الحماية الاجتماعية هى حق، وليست منحة. وهو الأمر الذى يحول السياسات الاجتماعية من مساحة احتواء غضب المواطنين إلى مساحة تفكيك أسباب هذا الغضب، إن غياب العدالة الاجتماعية لا يمثل فقط شكلا مباشرا من أشكال الإخفاق والفشل، بل يمثل مخاطرة سياسية مباشرة.. لأن الاستقرار لا يقوم على الصبر فحسب، ولكن بالدرجة الأولى على الشعور العام بالإنصاف.
> الإصلاح الذى يقاوم نفسه..
من المتوقع والمؤكد.. أن الوزراء الجدد سيصطدمون بجهاز إدارى ضخم ومترهل ومقاوم لأى تغيير يمس بنيته التقليدية والتاريخية، ولا ننسى أن الإصلاح الإدارى فى الدولة المصرية.. ظل لسنوات طويلة.. شعارًا لا يفعل كمضمون، ولم يتم تشخيص مشكلته بوضوح، والتى يمكن تحديدها فى أن أزمتنا ليست فى نقص القوانين، ولكن فى بيئة إدارية.. تنتصر للجمود، وتتصدى للعمل والإنجاز والابتكار.
وفى المقابل، لا يمكننا فصل الأداء الداخلى عن السياسات الخارجية.. ففى كل الأحوال، يفرض الاعتماد المتزايد على التمويل الخارجى قيودًا حقيقية على القرار الاقتصادى. ولذا استهدفت الدولة المصرية امتلاك اقتصاد إنتاجى وصناعى تدريجى قوى.
> فراغ المساءلة السياسية..
المطلوب من وزارة د.مصطفى مدبولى الجديدة ليس إدارة الأزمات فحسب، بل كسر نمط إدارتها.. عبر: الاعتراف الصريح بإخفاق بعض السياسات الماضية، وإعلان برنامج حكومى قابل للمحاسبة والمساءلة. وربط منصب الوزير بالإنجاز وليس بالاستمرار فى ممارسة مهامه، وفتح المجال أمام نقد مؤسسى حقيقى، وما دون ذلك.. سيكون نوعًا من الغرق فى متاهة الحلقات المفرغة.
تحقيق ما سبق، يتطلب دورًا برلمانيًا فعالاً فى تقييم أداء الحكومة التنفيذى.. حتى يكون التغيير مؤثرا وفعالا فيما بعد لتحديد بقاء أى وزير أو رحيله، وهو الدور الذى سيمنح للبرلمان بغرفتيه فى النواب والشيوخ.. قوة فى عدم تفريغ التغيير الوزارى من مضمونه، وتأكيد عدم ترك ما سبق.. لتوازن السلطات وتأثيرها.
> عن الشرح والتبرير..
لعبت وسائل الإعلام دورًا مركزيًا فى إدارة الانطباعات حول التعديلات.. خاصة على السوشيال ميديا، والملاحظ أن غالبيتها اكتفت بالتبرير وليس بالشرح، وبالترويج وليس بالرصد والتحليل.
غياب النقاش الإعلامى الواعى حول السياسات الحكومية.. يحرم المجتمع من حقه فى الفهم، بحيث تبقى العلاقة بين المواطن المصرى والحكومة.. مرتكزة على التلقى والتلقين وليس التفاعل والمشاركة.
ومع رصد ملاحظة وجوب عمل الوزارات على استعادة ثقة الشباب وحماية الطبقة الوسطى من التآكل، وتلك الفئات تمثل مركز الاستقرار الاجتماعى والسياسى المصرى. ولذا من الطبيعى أن أى حكومة تتجاهل هذه الحقيقة.. تحكم على نفسها بالفشل المبكر، مهما استطاعت تحسين مؤشرات الاقتصاد الكلى.
> التغيير الممكن..
السؤال الحاسم لم يعد ما إذا كانت هذه التعديلات ستنجح، بل ما إذا كانت الحكومة التنفيذية مستعدة لتغيير طريقة تفكيرها.
أثبتت التجربة أن تغيير الوجوه.. دون تغيير قواعد اللعبة، لا يؤدى إلى الإصلاح، بل إلى التقسيم والانفجار.
> نقطة ومن أول السطر..
سيتم اختبار هذه التعديلات من خلال قياس.. قدرتها على تحسين حياة المواطن المصرى من جانب، واستعادة الحد الأدنى من ثقته فى الحكومة بشكل أكثر شفافية من جانب آخر. وبالقطع، ليس بالبيانات والترويج الذى يتم لها.
إذا ما اكتفت الحكومة بتغيير بعض وزرائها وإعادة استدعاء الشعارات الرنانة السابقة، فإنها لن تكون سوى مجرد فصل جديد أسود من كتاب «الفرص الضائعة».>











