احمد باشا
«السيرة المستقبلية» فى العلاقات المصرية - التركية
لم تكن زيارة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان إلى القاهرة، ولا البيان المشترك الصادر عن الاجتماع الثانى لمجلس التعاون الاستراتيجى رفيع المستوى، حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل إعلان صريح عن دخول العلاقات المصرية - التركية مرحلة جديدة، تُدار بمنطق الدولة، لا بردود الفعل، وبحسابات التوازن لا المغامرة. فى لحظة إقليمية تتآكل فيها مراكز الثقل، وتُترك فيها فراغات خطرة، اختارت القاهرة وأنقرة أن تتحركا لملء هذا الفراغ بعقلانية سياسية وشراكة محسوبة.
البيان المشترك، بطوله وكثافته، ليس مجرد قائمة نوايا، بل خريطة طريق جيوسياسية تعكس إدراكًا مشتركًا بأن الشرق الأوسط لم يعد يحتمل صراعات مفتوحة بلا أفق. من غزة إلى السودان، ومن ليبيا إلى سوريا، وصولًا إلى التوتر المتصاعد حول إيران، بدا واضحًا أن البلدين يسعيان إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة التوازن.
فى غزة، لا يتحدث البيان بلغة الشعارات، بل يضع إطارًا سياسيًا واضحًا. انسحاب كامل، مسار انتقالى، عودة السلطة الفلسطينية بعد إصلاحها، وإعادة إعمار شاملة. هذا الموقف المشترك لا يكتفى بإدانة العدوان، بل يقدم نفسه كبديل عملى للفوضى، ويُعيد الاعتبار للدور العربي - الإقليمى فى ملف حاولت قوى دولية احتكاره أو توظيفه.
أما السودان، فيمثل نموذجًا آخر لخطورة الفراغ. التنسيق المصرى - التركى هنا يتجاوز التعاطف السياسى إلى موقف صلب . لا للهياكل الموازية، نعم للدولة الوطنية، نعم لحل سياسى سودانى بملكية سودانية. هذا التوافق، إذا تُرجم عمليًا، يمكن أن يكون أحد مفاتيح إنقاذ السودان من سيناريو التفكك الطويل.
فى ليبيا، تبدو الرسالة أوضح. نهاية زمن الاستثمار فى الانقسام. دعم عملية سياسية أممية، والحفاظ على وحدة الدولة، يعكسان تحولًا مهمًا من التنافس إلى التنسيق، ومن منطق النفوذ إلى منطق الاستقرار. وهو تحوّل، إن كُتب له الاستمرار، قد يفتح نافذة حقيقية لإغلاق أحد أكثر ملفات المنطقة استعصاءً.
أما سوريا، فاللغة المستخدمة فى البيان تكشف تقاربًا محسوبًا. وحدة الأراضى، مكافحة الإرهاب، إعادة الإعمار، ورفض الاعتداءات الإسرائيلية. هنا، لا يدّعى الطرفان امتلاك الحل، لكنهما يرسخان قاعدة. لا فوضى، ولا تقسيم، ولا توظيف أمنى مفتوح.
ويصل التقارب ذروته عند ملف إيران. فالدعوة المشتركة لخفض التصعيد، ودعم مسار تفاوضى جاد بين واشنطن وطهران، ليست موقفًا حياديًا، بل تعبير عن قلق حقيقى من أن أى ضربة محتملة ضد إيران ستكون زلزالًا إقليميًا. وجود محور مصري - تركى داعم للاستقرار قد يشكل أحد كوابح الانفجار فى منطقة على حافة الاشتعال.
لكن الأهم فى هذه الزيارة لا يكمن فقط فى إدارة الأزمات، بل فيما بعدها. البيان يفتح الباب أمام أفكار تعاون خارج الصندوق، لو أُحسن استثمارها، يمكن أن تنقل العلاقة من شراكة سياسية إلى تحالف مصالح مستقبلية. لماذا لا تتحول مصر وتركيا إلى مركز ثقل فى الاقتصاد الرقمى الإقليمى؟ لماذا لا يُنشأ صندوق استثمارى مشترك للذكاء الاصطناعى، والأمن السيبرانى، والتكنولوجيا الصناعية، يخدم أسواق إفريقيا والشرق الأوسط؟
التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، والتحول الأخضر، والهيدروجين الأخضر، كلها عناوين تحمل إمكانات تتجاوز الأرقام. بل يمكن التفكير فى ردع من نوع جديد. ردع اقتصادي - رقمى، يقوم على التحكم فى سلاسل الإمداد، والبنية التحتية الذكية، والبيانات، لا فقط على السلاح.
الخلاصة أن زيارة أردوغان إلى القاهرة ليست طيًا لصفحة خلاف، بل فتح لكتاب جديد. كتاب عنوانه أن تحالف الدول العاقلة بات ضرورة لا ترفًا. وأن القاهرة وأنقرة، إذا أحسنتا قراءة اللحظة، قادرتان على أن تكونا محور اتزان فى إقليم أنهكته الفوضى، ويبحث -للمرة الأولى منذ سنوات - عمن يملأ فراغه بعقل الدولة، لا بضجيج السلاح.











