الأحد 1 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
 حالة ثقافية- وطنية عمرها ثمانون عامـًا

حالة ثقافية- وطنية عمرها ثمانون عامـًا

لم يَعُد معرض القاهرة الدولى للكتاب، مجرد سوق للكتاب فقط، ولا هو موقع لندوات ونِقاش ثقافى حُرّ ومفتوح فقط، المعرض حالة وطنية مصرية/عربية بامتياز، يذهب إليه الجميع، مَن يبحث عن الكتاب ومَن يريد لقاء كاتب بعينه ويشارك فى حوار فكرى أو أدبى، لكن يذهب أيضًا مَن لا يبحث عن هذا ولا ذاك، مَن يريد أن يشارك فى احتفالية وبهجة عامّة. ويقضى يومًا ممتعًا، لذا كنا نجد سيدات يذهبن إلى أرض المَعارض ومعهن طعامهن، يجلسن على النجيل الأخضر، يقضين سحابة النهار ثم ينصرفن.



د.هالة رمضان مدير المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية، أشرفت على دراسة أجريت عن زوار معرض القاهرة الدولى للكتاب، دورة العام الماضى، قام على الدراسة فريق بحثى يتقدمهم د.الشيماء على ود.وليد رشاد، أعلنت الدراسة قبل عدة أيام من افتتاح المعرض، كان لى حظ المشاركة فى مناقشة هذه الدراسة مع نخبة متنوعة من الدارسين  والمتخصّصين، ينتمون إلى عدة فروع علمية ومعرفية، من بينهم عالم الاجتماع الكبير د.أحمد مجدى حجازى، أستاذ  علم النفس المتميز  د.ياسر السيد، د.حنان أبوسكين أستاذ العلوم السياسية، بإلإضافة إلى وكيل كلية الإعلام د.هناء فاروق وكوكبة كبيرة.

انتهت الدراسة المهمة إلى أن أعلى نسبة من الحضور هى لشراء الكتب، تليها فى النسبة مَن يذهبون للتسلية ثم، النسبة الأقل ١٣%  هم مَن يحرصون على حضور الندوات ومتابعة الأنشطة الثقافية.

كشفت دراسة المركز القومى أيضًا عن أن ٤٦% من الحضور يذهبون فى صحبة الأسرة، بينما ٤٤% يتجهون إلى المعرض فى معية الأصدقاء والزملاء.. الدراسة غنية بالأرقام والدلالات، أتمنى أن تطبع قريبًا وأن تدرسها  جيدًا إدارة المعرض.

ولأن المعرض بات على هذا النحو فإن الدولة المصرية قاطبة تقف خلفه، الجهد الرئيس لوزارة الثقافة والهيئة المصرية العامة للكتاب، الأمر المؤكد أن معالى الوزير د.أحمد فؤاد هنو بذل جهدًا كبيرًا وتابع بنفسه الكثير من التفاصيل، لكنْ هناك جهود أخرى مساعدة من عديد الوزارات والمؤسّسات، وزارة النقل التى تدبر وسائل انتقال الجمهور من وإلى المعرض وهكذا.

وقد شكا بعض الناشرين والمشترين من أن شبكة النت داخل المعرض لم تكن دائمًا فى أفضل الحالات، لذا كان يتعذر البيع والشراء بدون الدفع «كاش»، اتجهت الشكوى نحو المسئولين عن الاتصالات وليس إلى الثقافة وهيئة الكتاب.

ويمكن أن يكون المعرض بؤرة لتأمل ودراسة الأحوال الثقافية؛ بل الاجتماعية وربما السياسة فى مصر والمنطقة العربية برمتها.

حركة البيع والشراء، رغم ارتفاع سعر الكتاب يمكن أن تكون مؤشرًا على الحالة الاقتصادية العامة لدى المواطنين وعلى اهتمامات الأسرة بالثقافة واقتناء الكتب.

فى سنوات الثمانينيات ومطلع التسعينيات كانت هناك محاولات مصادرة بعض الكتب وكان بعض الناشرين، كما بعض الكتاب يتعمدون إثارة بعض اللغط والفرقعة حول كتاب ما، إنه على وشَك المصادرة، كان ذلك للترويج الرخيص، ثم وصلت جميع الأطراف إلى حالة من النضج، توقفت حالات المصادرة، ذلك أن القانون يحول دون المصادرة إلا بحكم قضائى نهائى بات، كما توقفت محاولات الترويج الساذجة من البعض، أدرك الجميع أنها لعبة خطرة وأن التهريج فى بعض الأمور، قد يفتح شهية طرف ما، إلى قلب التهريج ليكون فعلاً على الأرض، هذا العام حاول أحدهم العودة إلى تلك اللعبة، لكن اكتشف الجميع حدودها وأن أحدًا ليس على استعداد لتقبل هذا المزاح السخيف.

على المستوى الثقافى، يمثل المعرض حَجَر الزاوية لكثير من الناشرين والمؤلفين، تضبط معظم دور النشر  إصداراتها مع افتتاح المعرض، يمكن أن تتكاسل بعض دور النشر طوال العام، ثم تصحو فجأة مع المعرض، حتى إننى حذرت قبل نحو ١٥ عامًا من أن يصبح المعرض قيدًا حريريًا على صناعة النشر.

المؤلفون والكتّاب ارتبطوا هم أيضًا بموعد المعرض، باعتباره التوقيت الأنسب؛ خصوصًا حين لم تكن هناك حفلات توقيع على نطاق واسع، كما هو حادث الآن، فى العادة كان المؤلف يجلس فى المقهى الثقافى يتحلق حوله الزملاء والرواد، يسعدون بالإصدار الجديد.

وفى السنوات الأخيرة تطورت علاقة الكتاب بالمعرض وإنتاج الكتب، بعض الكتّاب صاروا مولعين أن يصدر كل منهم عدة كتُب مع المعرض، هذا العام وقبل افتتاح المعرض أرسل لى كاتبٌ مجتهدٌ، أغلفة ثلاثة كتُب سوف تصدر له فى المعرض وقال «باكورة كتبى هذا العام»، تصوّرت أنه حالة فريدة، لكن اكتشفت أننا أمام ظاهرة واسعة، يبدو أنَّ وسائل الحصول على المعلومات والمَصادر المعرفية باتت أسهل وأسرع كثيرًا. أمّا مسألة الجدة والعمق فهى متروكة للسادة النقاد والباحثين.

هذا العام نشهد الدورة رقم (57) للمعرض، وهذا يعنى أن لدينا خبرة أجيال عدة، فى مجالىّ الإدارة وتنظيم المعرض، لكن الخبرة الثقافية فى مصر أطول وأعرض من ذلك، يمكننا القول إن هذا العام هو الذكرى الثمانون لقيام معرض الكتاب.. 

طبقًا للمتاح لدينا من المعلومات أن وزارة المعارف العمومية أقامت معرضًا للكتاب، اسمه «معرض الكتاب العربى»، افتتح يوم 30 يونيو سنة 1946، شارك فيه عدد من الناشرين بالإضافة إلى مطبوعات المطابع الأميرية، ونشرت مجلة «المصور» تقريرًا عنه، وفى العام التالى سنة 1947، أقيم المعرض فى نفس المكان، دار الجمعية الزراعية المَلكية فى الجزيرة (مقر المركز القومى للترجمة حاليًا)، أقامته وزارة المعارف، افتتحه وكيل الوزارة، كانت مصر شهدت اهتمامًا ثقافيًا كبيرًا بُعَيد انتهاء الحرب العالمية الثانية، استمر المعرض حتى تعثر سنة 1956 بسبب العدوان الثلاثى، ثم حاول وزير الثقافة والإعلام د.عبدالقادر حاتم استعادة المعرض، سنة 1963، باسم «أسبوع الكتاب العربى»، ثم توقف حين غادر الوزارة، إلى أن عاد سنة 1969، بتكليف من الرئيس جمال عبدالناصر ليكون مصاحبًا لاحتفالات القاهرة فى ألف عام، أراد عبدالناصر أن يكون الاحتفال كبيرًا، فى رسالة إلى العالم مفادها أن مصر رغم هزيمة 1967، لا تزال قوية وقادرة، أمسكت وزارة الثقافة الفرصة ولم تفلتها واستمر المعرض يكبر بنا ولنا.