الأحد 1 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الذهب يرتفع لكنه لم يعد ملاذًا آمنـًا

يُقال عن الذهب أنه «مال االله» ويُعتبر الذهب بمثابة الملاذ الآمن لحفظ القيمة عبر التاريخ، حيث يلجأ أصحاب رؤوس الأموال لامتلاكه للحفاظ على القيمة الحقيقية لثرواتهم، ولكن تلاحظ فى السنوات الأخيرة استخدام الذهب كأداة فى الصراعات العالمية، فلم يعد هناك ملاذ آمن بصورة كاملة فى ظل الحالة التى يشهدها الاقتصاد العالمى خلال السنوات الأخيرة، ولعل الأنسب خلال تلك المرحلة، هو تقسيم رأس المال على أكثر من عُملة، وتنويع مجالات استثماره.



 الأسباب العالمية لارتفاع الذهب

وقد بدأ الطلب يرتفع على الذهب مع اتجاه البنوك المركزية فى العالم إلى تنويع ما تمتلكه من احتياطيات مُنذ بداية جائحة كورونا، ولجوء الولايات المُتحدة إلى زيادة مُعدلات طباعة الدولار الأمريكى، مما خلق مخاوف لدى البنوك المركزية فى العالم من انخفاض مُستقبلى لقيمة الدولار، لتزداد وتيرة شرائها للذهب ليتجاوز سقف الـ400 طن سنوياً مُنذ عام 2020، وتُشير التقديرات إلى أن إجمالى مُشتريات البنوك المركزية للذهب خلال فترة التعافى من جائحة كورونا وما تلاها من صراعات جيوسياسية عالمية بالفترة 2022-2024 قد تجاوزت 1000 طن من الذهب وهو المُستوى الأعلى مُنذ عقود. وتُعتبر الصين صاحبة النصيب الأكبر من مُشتريات الذهب العالمية بحجم مُشتريات يُجاوز 300 طن خلال الفترة 2020-2025 وذلك فى إطار سعيها إلى تقليص نسبة الدولار الأمريكى فى حجم احتياطاتها، والدفع نحو زيادة المعروض من الدولار بما يدفعه نحو الانخفاض.. وفى جانب آخر نجد أن روسيا وبسبب العقوبات المفروضة عليها، وفى ظل بحثها عن دعم احتياطاتها بعيداً عن الدولار نجد أن احتياطاتها من الذهب ارتفعت بنهاية 2025 بنحو 35 طنا عن مُستوياتها قبل الحرب الأوكرانية، كما سجلت المؤشرات مُشتريات قياسية للكثير من البنوك المركزية العالمية لدول مثل بولندا، وتركيا، وكازاخستان وغيرها.

الارتفاع فى أسعار الذهب لم يُقلق الولايات المُتحدة الأمريكية، رغم تأثيره مع عوامل أخرى فى خفض قيمة الدولار بنحو %11 خلال النصف الأول من عام 2025 فقط، مع توقعات بمزيد من الانخفاض مع ظهور النتائج النهائية لعام 2025، ويبدو أن الولايات المُتحدة لا يُقلقها انخفاض الدولار حالياً، بل ربما تستفيد منه فى مجال خفض القيمة الحقيقية لديونها المُقدرة بالدولار، وتُعزيز قُدرة صادراتها فى النفاذ للأسواق، وتشجيع الاستثمار فى قطاعات الاقتصاد الحقيقى الأمريكى، فى ظل قُدرة سياسية أمريكية على دعم وتقوية الدولار وقتما تشاء مع توسع نفوذها السياسى وامتلاكها لثروات طبيعية هائلة فضلاً عن سيطرتها على ثروات الكثير من الدول.

وهكذا نجد أنه  مع تعارض مواقف القوى الكبرى فى صراعاتها الجيوسياسية، إلا أن مواقفها تشترك فى دفع الذهب إلى الارتفاع، وقد انتقلت عدوى الارتفاع من الذهب إلى الفضة، وغيرها من المعادن النادرة بنسب مُتفاوتة، كما عمق من الاتجاه الصعودى المُتذبذب تدخل كبار المُضاربين فى تلك السوق مما جعل الذهب يسلك مساراً مُتعرجاً نحو الارتفاع.

 أسباب ارتفاع الذهب فى مصر

وتتأثر مصر بما يحدث فى العالم، وقد اتجه البنك المركزى المصرى إلى زيادة مكون الذهب فى الاحتياطى لديه، حيث تُشير التقديرات إلى تسجيل عام 2025 زيادة بنحو 2 طن من الذهب عن مُستويات الذهب بالاحتياطى المصرى فى مطلع عام 2022، فضلاً على تزايد الطلب المحلى على المعدن النفيس للأسباب العالمية التى ذكرناها، ولأسباب محلية مُتعلقة بتحديات اقتصادية غير مسبوقة واجهها الاقتصاد المصرى فى منطقة مُلتهبة بالصراعات.

والآن ونحن فى مطلع عام 2026 نجد أن الدولة المصرية قد نجحت فى تثبيت الكثير من المؤثرات الداخلية لارتفاع أسعار الذهب كملاذ آمن، حيث نجحت فى تحقيق استقرار لأسعار صرف عملتها المحلية التى تُحقق ارتفاعات تدريجية أمام الدولار، كما نجحت فى تقديم الاقتصاد المصرى كوجهة استثمارية آمنة فى دولة مُستقرة تمتلك علاقات طيبة مع كافة الفُرقاء فى العالم، ولكن ذلك لم يمنع من ارتفاع أسعار الذهب فى السوق المحلية تأثراً بارتفاعه فى السوق العالمية، وتأثراً بمتغير محلى مُهم وهو استحقاق المودعين بالبنوك المصرية لشهادات العائد المُرتفع (27%، 23%) فمع عدم توافر بدائل مُشابهة لتلك الشهادات، فإنه من الطبيعى أن يذهب جانب من السيولة الناتجة عن استحقاق تلك الشهادات إلى شراء الذهب، وهو الأمر الذى يمكن مُتابعته فى أن غالب الطلب المحلى حالياً يكون على السبائك والجنيهات الذهبية، وليس على المشغولات الذهبية، والمؤكد أن تأثير استرداد قيمة تلك الشهادات يُعتبر مُتغيرًا قصير الأجل لن يستمر طويلاً فى خلق زيادة بالطلب المحلي، مع امتصاص الاقتصاد لتلك السيولة.

 مُستقبل أسعار الذهب

وبالنظر إلى مُستقبل أسعار الذهب، يتحدث التاريخ بأن الذهب قد شهد الكثير من التصحيح لأسعاره بعد الارتفاعات القياسية، فبعد أن ارتفع سعر الأونصة ليصل لنحو 850 دولارًا عام 1980، عاد الذهب ليهبط إلى نحو 300 دولار عام 1985. وبعد أن ارتفع ليُسجل نحو 1920 دولارًا عام 2011، عاد تدريجياً ليُسجل نحو 1045 عام 2015. وبعد أن ارتفع ليُسجل نحو 2075 فى أغسطس 2020، عاد ليهبط سريعاً مُسجلاً نحو 1680 دولارًا فى مُنتصف عام 2022، ورغم التصحيحات المُتتالية إلا أننا نرصد أن أقل سعر وصل إليه التصحيح فى مُنتصف عام 2022 وهو 1680 دولارًا، يُعتبر أعلى بكثير من القمم التى وصلت إليه أعيار الذهب فى الثمانينيات والتسعينيات. وبالتالى يظل الذهب هو المخزن الأهم للقيمة والاستثمار الآمن على المدى الطويل والمتوسط.

ولكنه ليس الاستثمار الأمثل للأفراد والأسر على المدى القصير، حيث يشهد مسار الذهب نحو الارتفاع العديد من التصحيحات الخشنة التى يُمكن للكيانات الكبرى التنبؤ بها، بينما لا يمتلك الأفراد هذه القدرة. 

والأكثر خطورة حالياً أن تصحيحات أسعار الذهب القادمة ستكون بفعل فاعل يدفع لتحقيق مكاسب لكيانات بعينها، وليس مُجرد توقع اقتصادي، ففى عالم تحكمه دوافع مُتغيرة للرئيس ترامب، لم يعد هناك قُدرة على التمييز بين تصريحات التهديد الحقيقية، والمُزيفة، وبين العزم الحقيقى للولايات المُتحدة على الدخول فى حروب عسكرية مع دول مُعينة، أو تراجعها عن ذلك فى اللحظة الأخيرة، أو قياس التأثير الحقيقى للتحركات السياسية والعسكرية المُحتملة.

لا يُمكن لأحد أن يتوقع تاريخًا مُعينًا لانتهاء الحرب الأوكرانية أو طبيعة التسوية المُرتبطة بها، كما أنه لا يمكن تحديد تاريخ مُحدد للتهدئة بين ترامب وأوروبا، أو توقع المدى الزمنى لإبرام اتفاق تجارى بين الولايات المُتحدة والصين وعما إذا كان مثل هذا الاتفاق يمكن أن يتضمن احتفاظ الصين بنسبة مُحددة من الدولار الأمريكى فى احتياطاتها النقدية، أو إبطائها لمُشترياتها من الذهب مما يدفع به نحو الانخفاض، ومع استمرار تلك الحالة ستظل السوق العالمية للذهب بيئة مثالية لكيانات المُضاربة الكُبرى.

وهكذا ومع احتفاظ الذهب بكونة الملاذ الآمن أو الاستثمار الأمثل فى المدى الطويل، إلا أنه لم يعد كذلك فى المدى القصير حالياً.  والأفضل هو أن يتم تنويع الاستثمارات وتقسيم رأس المال بين الذهب وعناصر أخرى من الاستثمار، وقصر الاستثمار فى الذهب بالنسبة للأفراد والأسر على امتلاكه فى المدى المتوسط والطويل، واختيار اللحظة المُناسبة للشراء فى مسار صعوده المُتعرج، علماً بأن الاستثمار فى الذهب أصبح استثمارًا مُتخصصًا تقوم به صناديق لديها خبراء ماهرون، ولم يعد مجالاً لاستثمارات الهواة لا سيما فى المدى القصير.