من جرينلاند إلى غزة
صــــــدام «أوروبى-أمريكى» عابر للأزمات
داليا طه
لم يعد الخلاف «الأوروبي–الأمريكي» مجرد تباين في وجهات النظر داخل التحالف الغربي، بل تحوّل إلى صدام عابر للحدود والأزمات، يتجلّى في ملفات متباعدة جغرافيًا لكنها متقاربة سياسيًا وأخلاقيًا.
فمن جليد جرينلاند في أقصى الشمال، إلى أنقاض غزة في الشرق الأوسط، تتكشف ملامح أزمة أعمق داخل الغرب، عنوانها: من يقود؟ وبأي منطق؟ وعلى حساب من؟
أعادت الولايات المتحدة طرح الجزيرة القطبية جرينلاند؛ باعتبارها أصلًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، سواء في سياق التنافس مع روسيا والصين، أو في سباق السيطرة على الموارد الطبيعية والممرات البحرية الجديدة.
ورغم أن الملف يبدو تقنيًا وأمنيًا في ظاهره، إلا أن طريقة تعامل واشنطن معه أثارت امتعاضًا أوروبيًا واضحًا، خاصة في الدنمارك، التي رأت في الخطاب الأمريكي نزعة فوقية تتجاهل السيادة والاعتبارات السياسية والرمزية للإقليم.
واعتبرت صحيفة فايننشال تايمز؛ أن التعامل الأمريكي مع جرينلاند كشف خللًا في العلاقة عبر الأطلسي، حيث تميل واشنطن إلى فرض أولوياتها الاستراتيجية، بينما يُترك للأوروبيين دور المساند أو المتلقي.
ووفق تحليلات الصحيفة، فإن هذا النمط يعيد للأذهان مخاوف أوروبية قديمة من تهميش القرار الأوروبي في القضايا المصيرية، حتى عندما تمس الأمن القومي المباشر لدول الاتحاد.
غزة
لكن هذا التوتر ظل محدود التأثير إعلاميًا حتى اندلاع الحرب على غزة، التي فجّرت الخلافات الكامنة وجعلتها علنية.
ففي الوقت الذي تبنّت فيه الولايات المتحدة موقفًا داعمًا لإسرائيل بلا تحفظ، سياسيًا وعسكريًا، وجدت حكومات أوروبية نفسها أمام معادلة صعبة: إما الاصطفاف خلف واشنطن وتحمل كلفة أخلاقية وشعبية متزايدة، أو محاولة شق مسار مستقل، ولو جزئيًا.
ورأت مجلة الإيكونوميست أن الحرب على غزة مثّلت “لحظة كاشفة” لأوروبا، حيث لم يعد ممكنًا الاستمرار في الخطاب التقليدي حول حقوق الإنسان والقانون الدولي، مع تجاهل صور القصف والضحايا المدنيين.
المجلة أشارت إلى أن الانقسام داخل الاتحاد الأوروبي لم يعد خفيًا، وأن بعض الدول باتت ترى في الموقف الأمريكي عبئًا سياسيًا أكثر منه مظلة حماية.
السلاح
في هذا السياق، جاء قرار بلجيكا رفض تصدير السلاح لإسرائيل كإشارة سياسية تتجاوز الإطار القانوني.
فالخطوة، بحسب محللين أوروبيين، تعكس محاولة لإعادة ضبط البوصلة الأخلاقية، في ظل تصاعد الضغوط من الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني.
الخبير في شئون الأمن الأوروبي إيان ليسر؛ اعتبر أن القرار البلجيكي يعبّر عن إدراك متزايد داخل أوروبا بأن “التحالف لا يعني التفويض المطلق”، وأن هناك حدودًا لما يمكن تبريره سياسيًا وأخلاقيًا.
وقرأت الصحافة الفرنسية، وعلى رأسها «لوموند» هذه التحركات باعتبارها بداية “تمرد ناعم” داخل أوروبا على القيادة الأمريكية للأزمات الدولية.
الصحيفة رأت أن دولًا مثل بلجيكا لم تتحرك بدافع التعاطف الإنساني فقط، بل بدافع الخوف من فقدان المصداقية، خاصة مع أجيال أوروبية شابة باتت أكثر تشككًا في الخطاب الغربي التقليدي.
إسبانيا من جهتها، ذهبت إلى مسار أكثر صدامية، حين رفضت الانضمام إلى” مجلس السلام” الخاص بغزة.
وأوضحت صحيفة «إل بايس» أن مدريد رأت في المبادرة محاولة أمريكية لإعادة تدوير الأزمة تحت مسمى جديد، دون تقديم ضمانات سياسية حقيقية للفلسطينيين.
واعتبرت الصحيفة أن الحديث عن السلام، بمعزل عن إنهاء الاحتلال ومحاسبة المسئولين عن الانتهاكات، لا يعدو كونه إدارة أمنية للصراع.
الخبير الألماني فولفجانج إيشينجر، الرئيس السابق لمؤتمر ميونيخ للأمن، حذّر من أن الانقسام الغربي حول غزة قد تكون له تداعيات طويلة المدى، لا تقل خطورة عن تلك التي رافقت حرب العراق عام 2003.
ويرى إيشينجر؛ أن تجاهل واشنطن للتحفظات الأوروبية يضعف قدرة الغرب على تقديم نفسه ككتلة موحدة، خاصة في وقت يسعى فيه لمواجهة تحديات كبرى مثل الحرب في أوكرانيا وصعود الصين.
وربطت صحيفة «الجارديان» البريطانية بين ملفي جرينلاند وغزة في إطار أوسع، معتبرة أن كليهما يكشف عن نمط أمريكي ثابت يقوم على أولوية المصالح الاستراتيجية، حتى لو تعارضت مع خطاب القانون الدولي؛ ووفق الصحيفة، فإن أوروبا تجد نفسها اليوم عالقة بين حاجتها للتحالف مع الولايات المتحدة أمنيًا، وضغط داخلي متزايد يطالب بسياسة خارجية أكثر استقلالًا واتساقًا مع القيم المعلنة.
ولا يقتصر هذا الصدام الأوروبي–الأمريكي على جرينلاند وغزة، بل يتكرر بنمط مشابه في ملف الحرب في أوكرانيا، وإن كان بصورة أكثر تعقيدًا. فبينما تدفع واشنطن باتجاه تصعيد الدعم العسكري طويل الأمد، بدأت عواصم أوروبية، خاصة في أوروبا الغربية، تُبدي قلقًا متزايدًا من تحوّل الحرب إلى استنزاف مفتوح بلا أفق سياسي.
تقارير نشرتها صحف مثل «دير شبيجل» و «لوموند»؛ أشارت إلى أن بعض الحكومات الأوروبية باتت تخشى من ارتهان القرار السياسي بالكامل للمنطق العسكري الأمريكي، على حساب الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي داخل القارة.
هذا التباين لا يُعبَّر عنه دائمًا بشكل صدامي، لكنه يعكس نفس الفجوة التي ظهرت في جرينلاند وغزة: واشنطن تُقدّم أولوية الردع والقوة، بينما تبحث أوروبا، تحت ضغط شعوبها، عن مخرج سياسي يقلل الكلفة ويحد من تمدد الأزمات.
هذا الصدام الأوروبي–الأمريكي لا يعني بالضرورة قطيعة وشيكة، لكنه يكشف عن تحول تدريجي في طبيعة العلاقة؛ فالغرب الذي قدّم نفسه ككتلة واحدة، بات اليوم أكثر انقسامًا حول تعريف التهديدات، وطرق إدارتها، ومعنى الشرعية الدولية.











