الأربعاء 28 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
«جرينلاند».. معركة سقف العالم!

«جرينلاند».. معركة سقف العالم!

لم يكن حضور اسم جرينلاند فى خطاب دونالد ترامب الأخير فى دافوس ذكرًا عابرًا ، ولا ارتدادًا لزلة لسان قديمة حاولت الدبلوماسية الغربية طى صفحتها. بل جاء بمثابة إعادة فتح لملف لم يُغلق أصلًا، ملف يكشف عن تصدع عميق فى بنية النظام الأطلسى، وعن انتقال الصراع الدولى من حدود الجغرافيا التقليدية إلى تخوم الجليد، ثم إلى سقف السماء ذاته!



جزيرة جرينلاند، التابعة للتاج الدنماركى، لم تعد تلك الكتلة المتجمدة التى تتوارى على هامش الخرائط. ذوبان الجليد، حرفيًا واستراتيجيًا، أعاد تعريف موقعها فى معادلات القوة. فهى اليوم نقطة ارتكاز فى صراع القطب الشمالى، ومفصل حاسم فى منظومات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخى، ومخزن محتمل لثروات الطاقة والمعادن النادرة التى ستحدد شكل الاقتصاد العالمى فى العقود المقبلة.

حين تحدث ترامب، بلهجته التجارية الصادمة، عن «منطقية» امتلاك جرينلاند، كان يعيد إنتاج رؤية أمريكية أعمق من شخصه. رؤية ترى أن السيطرة على الفضاءات العليا – القطب الشمالى والفضاء الخارجى – لم تعد ترفًا استراتيجيًا ، بل شرط للبقاء فى عالم تتآكل فيه الهيمنة الأمريكية، وتتصاعد فيه قدرات روسيا العسكرية، وتتمدد فيه الصين بهدوء استراتيجى محسوب.

فى دافوس، لم يقدم ترامب اعتذارا ، بل قدم تبريرًا. تحدث عن الأمن، عن الصواريخ الفرط-صوتية، عن عالم لم تعد فيه المحيطات حواجز، ولا المسافات ضمانات. ومن هنا، أعاد إلى الواجهة ما يُعرف بـ«القبة الذهبية»، ذلك الحلم الأمريكى القديم المتجدد، الذى يسعى إلى تحصين الولايات المتحدة عبر منظومة دفاعية متعددة الطبقات، تمتد من الأرض إلى الفضاء، وتحول السماء من مصدر تهديد إلى جدار حماية.

جرينلاند، فى هذا السياق، ليست ارضا للبيع، بل عينا متقدمة، وبوابة شمالية تمر عبرها أقصر مسارات الضرب النووى المحتمل. ولهذا، لم يكن مستغربا أن يأتى الرد الدنماركى حادا فى الشكل، هادئا فى الجوهر. كوبنهاجن تحركت دبلوماسيا بسرعة، أعادت التأكيد على سيادتها، فتحت قنوات تشاور مع بروكسل وحلف الناتو، وحرصت فى الوقت ذاته على عدم كسر الجسور مع واشنطن، إدراكًا منها أن الأزمة أكبر من جزيرة، وأعمق من تصريح.

لكن جوهر الأزمة لا يكمن فى التوتر الأمريكي–الدنماركى، بل فى ما يكشفه هذا التوتر من تحولات بنيوية. نحن أمام نظام دولى قديم يتفكك ببطء، نظام قام على توازن الردع النووى، وعلى قواعد اشتباك واضحة نسبيًا. واليوم، تحاول الولايات المتحدة الانتقال من منطق الردع إلى منطق التحصين، ومن إدارة الخطر إلى محاولة إلغائه، وهو انتقال محفوف بالمخاطر.

فحين تسعى قوة كبرى إلى «تحييد السماء»، فإنها تدفع الآخرين إلى البحث عن طرق لاختراقها. وهكذا، يتحول سباق التسلح من سباق صواريخ إلى سباق فضاء، ومن توازن رعب إلى فوضى مفتوحة بلا قواعد راسخة. الصين، التى تراقب المشهد بعين باردة، تدرك أن هذا التآكل فى النظام القديم يفتح نافذة تاريخية لصعودها كقطب ثان، لا عبر المواجهة المباشرة، بل عبر بناء بدائل اقتصادية وتكنولوجية واستراتيجية موازية.

إن أزمة جرينلاند، فى جوهرها، ليست أزمة حدود، بل أزمة زمن. لحظة انتقالية يتراجع فيها اليقين، وتتصاعد فيها الشكوك، ويصبح الجليد شاهدًا على صراع النار، وتتحول السماء من مظلة أمان إلى سقف هش فوق رؤوس الجميع.

إنها ليست حكاية جنون رئيس، بقدر ما هى اعتراف غير معلن بقلق امبراطورية تشعر، للمرة الأولى منذ عقود، أن التاريخ لم يعد يسير وفق خرائطها القديمة.