الأحد 25 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
سيناريوهات الصراع وإعادة تشكيل الشرق الأوسط!‏

أمريكا وإيران:

سيناريوهات الصراع وإعادة تشكيل الشرق الأوسط!‏

كلما تحدثت الإدارة الأمريكية عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط، تتصدر إيران المشهد كاملاً، ‏كما لو أن الأزمة فى الشرق الأوسط هى إيران فقط، وليست إسرائيل بما ترتكبه من أفعال ‏عدوانية وجرائم حرب فى لبنان وسوريا والأراضى الفلسطينية فى الضفة الغربية وقطاع ‏غزة والقدس الشرقية، ويُخَيل لمَن يتابع التحليلات والتقارير الغربية أنه لو اختفت إيران من ‏خريطة المنطقة بطريقة ما وهذا مستحيل، أو تغيَّر نظام الحكم فيها وصار تابعًا للولايات ‏المتحدة ودخل فى اتفاقات السلام الإبراهيمى مع إسرائيل سيتحول الشرق الأوسط إلى واحة ‏سلام ومَحبة، وقد يصبح نموذجًا لما يجب عليه أن تكون «العلاقات الدولية» بين دول العالم ‏مَهما تضاربت المصالح وتعمقت الخلافات!‏



 

قطعًا هذا تصور ساذج أقرب إلى أفلام الكارتون، ويعلم الأمريكيون والإسرائيليون قبل ‏غيرهم أنه خداع وفبركة أشبه بدخان يطلقونه فى الفضاء للتعمية والتضليل، فمنطقة الشرق ‏الأوسط حُبلى بالأزمات، ونشبت فيها حروب كثيرة قبل أن تندلع الثورة الإيرانية ضد الشاه ‏ويحكم الإمام الخمينى بمئات السنين بسبب أطماع الغرب فى المنطقة، التى تبلورت فى ‏صناعة إسرائيل «خميرة الأزمات» فيها حاليًا!‏

المُدهش أن الولايات المتحدة نفسها كانت جزءًا من لعبة التغيير الثورى للنظام وعزل الشاه ‏فى إيران عام 1979، وهو ما أفصحت عنه كتابات غربية كثيرة بالوثائق والأدلة الدامغة، إذ ‏كانت أمريكا تخشى من الصعود السياسى لحزب تودة الشيوعى فى منتصف السبعينيات من ‏القرن العشرين، إلى درجة تمكنه من السيطرة على الشارع الإيرانى، ومع وجود حكومة ‏شيوعية فى الجارة أفغانستان، ستصبح الأوضاع مقلقة جدًا تخل بالتوازن فى هذه المنطقة ‏الحيوية الملاصقة لأهم بلدان إنتاج النفط فى العالم، فكان الحل هو السماح بدولة إسلامية ‏معادية للشيوعية.‏

قطعًا إيران مَصدر قلق وتوتر فى المنطقة، وخطرها على عدد من دول العالم العربى يتجاوز ‏خطرها على إسرائيل بمراحل، وهذا راجع للدور الذى تصر إيران على أن تلعبه مَهما كانت ‏أضراره على العالم العربى، من خلال جماعات وميليشيات مرتبطة بها، تتيح لها التأثير فى ‏الشئون الداخلية وإدارة الصراعات السياسية فى سوريا واليمن ولبنان والعراق، وساهم هذا ‏التدخل، مع ظروف داخلية ضاغطة، فى تفكيك أو إضعاف هذه الدول، لتحقق إسرائيل ‏مكاسب استراتيجية لم تستطع أن تصنعها بنفسها، ناهيك عن الضغط على الدول المطلة على ‏الخليج العربى، الذى تسميه الخرائط الغربية بالخليج الفارسى، مع أن ست دول عربية تطل ‏عليه مقابل إيران على الساحل الشرقى له.

وتعود التسمية الفارسية إلى المؤرخ اليونانى ‏هيرودوت فى القرن الخامس قبل الميلاد، التى اعتمدها الاستعمار البريطانى خلال احتلاله ‏المنطقة بين القرنين التاسع عشر والعشرين، وإن كانت وثائق بريطانية حديثة تشير إليه ‏أحيانًا بـ«الخليج العربى»، الذى يتماشَى مع الواقع الجغرافى والحقائق العربية.‏

المهم.. نعود إلى موضوعنا ونسأل: هل يمكن أن تتحول تهديدات الإدارة الأمريكية لإيران ‏إلى عمل على أرض الواقع؟

نعرف أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران محكومة بالعداء والمناوشات، وفيها عقوبات ‏اقتصادية وتهديدات عسكرية، تتخللها أحيانًا محاولات للحوار والتهدئة، سرعان ما تنهار ‏على جدران واقع معقد متضارب المصالح، فتعود العلاقة إلى نقطة الصفر!‏

ولا يمر يوم الآن دون الحديث عن ضربة عسكرية أمريكية مباشرة لإيران، فكيف يكون رد ‏إيران؟، وما الذى يمكن أن تنتهى إليه: إشعال المنطقة بأكملها أمْ تغيير النظام الإيرانى نفسه ‏فى ظل حالة السخونة والتمرد التى ضربت الشارع الإيرانى مؤخرًا؟

بالطبع لا تملك إيران قوة الردع العسكرية على الضربة الأمريكية، خصوصًا أن أمريكا لها ‏العديد من القواعد العسكرية التى تحيط بإيران من كل جانب تقريبًا، لكن الخوف هنا من ‏استخدام أذرعتها أو الميليشيات الخلفية فى الدول العربية فى الرد، بهجمات على القواعد ‏العسكرية الأمريكية، حتى تتجنب الدخول فى مواجهة مباشرة لا تتحمل خسائرها!‏

وقد تحاول جرجرة الإقليم إلى حالة من الفوضى، بضرب بعض جيرانها، فتطلق صواريخها ‏البالستية أو طائراتها المُسَيرة على أهداف استراتيجية مختارة بعناية مثل المنشآت النفطية ‏والمصالح الحيوية، متصورة أن هذا هو السبيل الوحيد لردع واشنطن المتحالفة مع هؤلاء ‏الجيران، فتتحول الضربة إلى نزاع إقليمى شامل، أى تحاول تغيير قواعد اللعبة، بفرض ‏معادلة جديدة: إذا ضُربت إيران فلن تكون وحدها مَن يدفع الثمن؛ بل المنطقة كلها!‏

وهذا الاحتمال فى غاية الخطورة ومكلف للغاية..‏

أولاً: مضيق هرمز الذى يمر عبره أكثر من 20 % من النفط العالمى سيكون فى قلب ‏الأزمة، وتهديد الملاحة فيه يعنى ارتفاعًا فوريًا على أسعار النفط بشكل جنونى، مما قد يدفع ‏العالم إلى أزمة طاقة كبرى.‏

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تضع أمريكا قبضتها على نفط فنزويلا، وفنزويلا تمتلك أكبر ‏احتياطى نفط فى العالم، حتى لو كان من النوع الثقيل الأقل جودة.‏

ثانيًا: وجود الميليشيات التابعة لإيران فى أربع دول عربية سيجعل الاستقرار فى المنطقة أكثر ‏هشاشة، وقد تنشب أعمال عنف داخلية فى بعضها.‏

ثالثًا: انقسامات دولية متزايدة، فالصين وروسيا ستدعمان الموقف الإيرانى دون تردد، وستجد ‏أوروبا نفسَها بين خيارين كلاهما مُرّ، دعم واشنطن وهو ما يجعلها شريكا ضمنيًا فى الضربة ‏أو الدعوة للتهدئة ضد رغبة واشنطن، فيبدو الموقف الأوروبى فى القضايا الدولية أكثر ‏ضعفًا.‏

رابعًا: قد تؤدى الضربة إلى توحيد الصف الداخلى الإيرانى، وتُنهى حالة الاضطرابات ‏الشعبية، تحت شعار «المقاومة ضد العدوان الأمريكى»، فيسترد النظام بعض القوة التى فقدها ‏بعد الهجمة «الأمريكية- الإسرائيلية» عليه فى يونيو الماضى.‏

‏ لكن أمريكا تتصور أن الضربة يمكن أن تساعد على تغيير النظام فى إيران، وهو احتمال ‏ليس مستبعدًا، خصوصًا إذا حدث انهيار اقتصادى يصاحبه انقسام داخل النخبة الحاكمة حول ‏الخروج من المأزق، لكن من الصعوبة بمكان أن تُحدث ضربة واحدة كل هذا التغيير، ‏فالنظام الإيرانى منذ عقود له خبرات جيدة فى الصمود فى وجه العقوبات والضغوط، وله ‏أيضًا أدوات قوية مسيطرة على الداخل: الحرس الثورى والأجهزة الأمنية.‏

لكن السؤال يظل مطروحًا: ماذا لو نجحت الضربة فى تقوية الاحتجاجات الشعبية إلى حد ‏تغيير النظام؟، ما هى سيناريوهات التغيير المحتملة؟

‏1 - نظام إصلاحى مدنى.. وهو احتمال له وجاهة سياسية؛ لأنه يجمع ما بين التيار الإصلاحى ‏والتيار الإسلامى المعتدل، يعنى «نظام مدنى عصرى» له هوية دينية لا يمكن إنكارها فى بنية ‏المجتمع، لكنه منفتح على الغرب، وبهذه الخلطة يستطيع أن يحسّن علاقاته مع الجيران ومع ‏العالم، وإن كانت القوى المحافظة لن تستسلم بسهولة.‏

‏2- نظام عسكرى أكثر تشددًا يفرضه الحرس الثورى، يعتمد على القوة كأداة رئيسية ‏للشرعية، فيتصاعد التوتر فى المنطقة أكثر وأكثر.‏

‏3 - نظام ديمقراطى ليبرالى.. وهو احتمال ضعيف بسبب تركيبة المجتمع الإيرانى الحالية ‏والمؤسّسات الأمنية القوية فيه، وفرصته الوحيدة فى تراكم الضغوط الداخلية والخارجية ‏بشكل ضخم يصنع تحولاً جذريًا فى البنية السياسية للدولة.‏

باختصار؛ ضربة أمريكية لإيران لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، وقد تفتح أبواب جهنم ‏على الإقليم، والسؤال يتجاوز إيران ومستقبلها، إلى مستقبل الشرق الأوسط كله، فأى مواجهة ‏بين واشنطن وطهران ستعيد رسم خريطة المنطقة، وستحدد ملامح النظام الدولى لعقود ‏قادمة، وستضطر كل دولة فى المنطقة إلى إعادة حساباتها فى ظل واقع جديد قد يولد من ‏رحم الأزمة!‏