نبيل عمر
أمريكا وإيران:
سيناريوهات الصراع وإعادة تشكيل الشرق الأوسط!
كلما تحدثت الإدارة الأمريكية عن إعادة تشكيل الشرق الأوسط، تتصدر إيران المشهد كاملاً، كما لو أن الأزمة فى الشرق الأوسط هى إيران فقط، وليست إسرائيل بما ترتكبه من أفعال عدوانية وجرائم حرب فى لبنان وسوريا والأراضى الفلسطينية فى الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية، ويُخَيل لمَن يتابع التحليلات والتقارير الغربية أنه لو اختفت إيران من خريطة المنطقة بطريقة ما وهذا مستحيل، أو تغيَّر نظام الحكم فيها وصار تابعًا للولايات المتحدة ودخل فى اتفاقات السلام الإبراهيمى مع إسرائيل سيتحول الشرق الأوسط إلى واحة سلام ومَحبة، وقد يصبح نموذجًا لما يجب عليه أن تكون «العلاقات الدولية» بين دول العالم مَهما تضاربت المصالح وتعمقت الخلافات!
قطعًا هذا تصور ساذج أقرب إلى أفلام الكارتون، ويعلم الأمريكيون والإسرائيليون قبل غيرهم أنه خداع وفبركة أشبه بدخان يطلقونه فى الفضاء للتعمية والتضليل، فمنطقة الشرق الأوسط حُبلى بالأزمات، ونشبت فيها حروب كثيرة قبل أن تندلع الثورة الإيرانية ضد الشاه ويحكم الإمام الخمينى بمئات السنين بسبب أطماع الغرب فى المنطقة، التى تبلورت فى صناعة إسرائيل «خميرة الأزمات» فيها حاليًا!
المُدهش أن الولايات المتحدة نفسها كانت جزءًا من لعبة التغيير الثورى للنظام وعزل الشاه فى إيران عام 1979، وهو ما أفصحت عنه كتابات غربية كثيرة بالوثائق والأدلة الدامغة، إذ كانت أمريكا تخشى من الصعود السياسى لحزب تودة الشيوعى فى منتصف السبعينيات من القرن العشرين، إلى درجة تمكنه من السيطرة على الشارع الإيرانى، ومع وجود حكومة شيوعية فى الجارة أفغانستان، ستصبح الأوضاع مقلقة جدًا تخل بالتوازن فى هذه المنطقة الحيوية الملاصقة لأهم بلدان إنتاج النفط فى العالم، فكان الحل هو السماح بدولة إسلامية معادية للشيوعية.
قطعًا إيران مَصدر قلق وتوتر فى المنطقة، وخطرها على عدد من دول العالم العربى يتجاوز خطرها على إسرائيل بمراحل، وهذا راجع للدور الذى تصر إيران على أن تلعبه مَهما كانت أضراره على العالم العربى، من خلال جماعات وميليشيات مرتبطة بها، تتيح لها التأثير فى الشئون الداخلية وإدارة الصراعات السياسية فى سوريا واليمن ولبنان والعراق، وساهم هذا التدخل، مع ظروف داخلية ضاغطة، فى تفكيك أو إضعاف هذه الدول، لتحقق إسرائيل مكاسب استراتيجية لم تستطع أن تصنعها بنفسها، ناهيك عن الضغط على الدول المطلة على الخليج العربى، الذى تسميه الخرائط الغربية بالخليج الفارسى، مع أن ست دول عربية تطل عليه مقابل إيران على الساحل الشرقى له.
وتعود التسمية الفارسية إلى المؤرخ اليونانى هيرودوت فى القرن الخامس قبل الميلاد، التى اعتمدها الاستعمار البريطانى خلال احتلاله المنطقة بين القرنين التاسع عشر والعشرين، وإن كانت وثائق بريطانية حديثة تشير إليه أحيانًا بـ«الخليج العربى»، الذى يتماشَى مع الواقع الجغرافى والحقائق العربية.
المهم.. نعود إلى موضوعنا ونسأل: هل يمكن أن تتحول تهديدات الإدارة الأمريكية لإيران إلى عمل على أرض الواقع؟
نعرف أن العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران محكومة بالعداء والمناوشات، وفيها عقوبات اقتصادية وتهديدات عسكرية، تتخللها أحيانًا محاولات للحوار والتهدئة، سرعان ما تنهار على جدران واقع معقد متضارب المصالح، فتعود العلاقة إلى نقطة الصفر!
ولا يمر يوم الآن دون الحديث عن ضربة عسكرية أمريكية مباشرة لإيران، فكيف يكون رد إيران؟، وما الذى يمكن أن تنتهى إليه: إشعال المنطقة بأكملها أمْ تغيير النظام الإيرانى نفسه فى ظل حالة السخونة والتمرد التى ضربت الشارع الإيرانى مؤخرًا؟
بالطبع لا تملك إيران قوة الردع العسكرية على الضربة الأمريكية، خصوصًا أن أمريكا لها العديد من القواعد العسكرية التى تحيط بإيران من كل جانب تقريبًا، لكن الخوف هنا من استخدام أذرعتها أو الميليشيات الخلفية فى الدول العربية فى الرد، بهجمات على القواعد العسكرية الأمريكية، حتى تتجنب الدخول فى مواجهة مباشرة لا تتحمل خسائرها!
وقد تحاول جرجرة الإقليم إلى حالة من الفوضى، بضرب بعض جيرانها، فتطلق صواريخها البالستية أو طائراتها المُسَيرة على أهداف استراتيجية مختارة بعناية مثل المنشآت النفطية والمصالح الحيوية، متصورة أن هذا هو السبيل الوحيد لردع واشنطن المتحالفة مع هؤلاء الجيران، فتتحول الضربة إلى نزاع إقليمى شامل، أى تحاول تغيير قواعد اللعبة، بفرض معادلة جديدة: إذا ضُربت إيران فلن تكون وحدها مَن يدفع الثمن؛ بل المنطقة كلها!
وهذا الاحتمال فى غاية الخطورة ومكلف للغاية..
أولاً: مضيق هرمز الذى يمر عبره أكثر من 20 % من النفط العالمى سيكون فى قلب الأزمة، وتهديد الملاحة فيه يعنى ارتفاعًا فوريًا على أسعار النفط بشكل جنونى، مما قد يدفع العالم إلى أزمة طاقة كبرى.
ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا تضع أمريكا قبضتها على نفط فنزويلا، وفنزويلا تمتلك أكبر احتياطى نفط فى العالم، حتى لو كان من النوع الثقيل الأقل جودة.
ثانيًا: وجود الميليشيات التابعة لإيران فى أربع دول عربية سيجعل الاستقرار فى المنطقة أكثر هشاشة، وقد تنشب أعمال عنف داخلية فى بعضها.
ثالثًا: انقسامات دولية متزايدة، فالصين وروسيا ستدعمان الموقف الإيرانى دون تردد، وستجد أوروبا نفسَها بين خيارين كلاهما مُرّ، دعم واشنطن وهو ما يجعلها شريكا ضمنيًا فى الضربة أو الدعوة للتهدئة ضد رغبة واشنطن، فيبدو الموقف الأوروبى فى القضايا الدولية أكثر ضعفًا.
رابعًا: قد تؤدى الضربة إلى توحيد الصف الداخلى الإيرانى، وتُنهى حالة الاضطرابات الشعبية، تحت شعار «المقاومة ضد العدوان الأمريكى»، فيسترد النظام بعض القوة التى فقدها بعد الهجمة «الأمريكية- الإسرائيلية» عليه فى يونيو الماضى.
لكن أمريكا تتصور أن الضربة يمكن أن تساعد على تغيير النظام فى إيران، وهو احتمال ليس مستبعدًا، خصوصًا إذا حدث انهيار اقتصادى يصاحبه انقسام داخل النخبة الحاكمة حول الخروج من المأزق، لكن من الصعوبة بمكان أن تُحدث ضربة واحدة كل هذا التغيير، فالنظام الإيرانى منذ عقود له خبرات جيدة فى الصمود فى وجه العقوبات والضغوط، وله أيضًا أدوات قوية مسيطرة على الداخل: الحرس الثورى والأجهزة الأمنية.
لكن السؤال يظل مطروحًا: ماذا لو نجحت الضربة فى تقوية الاحتجاجات الشعبية إلى حد تغيير النظام؟، ما هى سيناريوهات التغيير المحتملة؟
1 - نظام إصلاحى مدنى.. وهو احتمال له وجاهة سياسية؛ لأنه يجمع ما بين التيار الإصلاحى والتيار الإسلامى المعتدل، يعنى «نظام مدنى عصرى» له هوية دينية لا يمكن إنكارها فى بنية المجتمع، لكنه منفتح على الغرب، وبهذه الخلطة يستطيع أن يحسّن علاقاته مع الجيران ومع العالم، وإن كانت القوى المحافظة لن تستسلم بسهولة.
2- نظام عسكرى أكثر تشددًا يفرضه الحرس الثورى، يعتمد على القوة كأداة رئيسية للشرعية، فيتصاعد التوتر فى المنطقة أكثر وأكثر.
3 - نظام ديمقراطى ليبرالى.. وهو احتمال ضعيف بسبب تركيبة المجتمع الإيرانى الحالية والمؤسّسات الأمنية القوية فيه، وفرصته الوحيدة فى تراكم الضغوط الداخلية والخارجية بشكل ضخم يصنع تحولاً جذريًا فى البنية السياسية للدولة.
باختصار؛ ضربة أمريكية لإيران لن تكون مجرد مواجهة عسكرية، وقد تفتح أبواب جهنم على الإقليم، والسؤال يتجاوز إيران ومستقبلها، إلى مستقبل الشرق الأوسط كله، فأى مواجهة بين واشنطن وطهران ستعيد رسم خريطة المنطقة، وستحدد ملامح النظام الدولى لعقود قادمة، وستضطر كل دولة فى المنطقة إلى إعادة حساباتها فى ظل واقع جديد قد يولد من رحم الأزمة!











