الأحد 25 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
كلمة و 1 / 2.. يوسف شاهين أسطورة لا تزال تتنفس إبداعًا

كلمة و 1 / 2.. يوسف شاهين أسطورة لا تزال تتنفس إبداعًا

عَددٌ لا بأس به من اللقاءات جمعتنى مع المُخرج الكبير «يوسف شاهين»، وعدد أكبر من الخلافات وإن شئت الدقة التراشقات جمعتنى أيضًا به؛  حيث كان «يوسف شاهين» لا يفكر مرتين قبل إشهار لسانه كسلاح للدفاع عن عمله الفنى، كلمات «يوسف شاهين» تتجاوز عادة سقف المسموح، ينتقل ببساطة من استخدام الكلمات إلى اللكمات أقصد كلمات حادة بلا قفاز (وفين يوجعك)، دائمًا مَن يعترض على الشريط الذى يقدمه «يوسف شاهين» عليه أن يتحمل نتيجة جهله لأن قدراته العقلية لم تستطع الوصول إلى عمق (الكادر) الذى قدّمه على الشاشة.



 

يعتقد جازمًا أن كل ما يقدمه على الشاشة هو الصواب الذى لا صواب قبله ولا بَعده، أكثر ما يسعده هو أن يقول له أحدهم (فيلمك معقد لم أفهمه)، هنا تنفرج أساريره قائلاً (العيب ف مخك).. للحقيقة إننى من أكثر المعجبين بسينما «يوسف شاهين» على المستوى الجمالى أتحدث هنا عن التكوين الدرامى للكادر والإيقاع المرئى والمسموع، ولكن أداء عدد من ممثليه؛ خصوصًا فى نطق الحوار أجد أنهم يحاولون محاكاة «يوسف شاهين»، ولا تعنيهم الشخصية الدرامية، كما أنه يقدم قضاياه السياسية والوجودية (على بلاطة)، أقصد أنها تخلو فى أغلب الأحيان من الإيحاء الجميل الذى ينبغى توافره فى العمل الفنى.

ورغم ذلك مَهما كان لى أو لغيرى من ملاحظات فإن مكانة «يوسف شاهين» الإبداعية فى تاريخنا السينمائى، تظل تشغل المقدمة، فهو بكل مميزاته التى تخلو من عيوب، وعيوبه التى لا تخلو من مميزات، صَنع أسطورة اسمها «يوسف شاهين».

قبل 24 ساعة أرسلت لى زميلتى العزيزة «شيماء سليم» هذا الحوار الذى عثرت عليه فى الأرشيف، وكنت قد نسيته تمامًا.. اللقاء أجريته قبل نحو 30 عامًا، ووجدت أنه جدير بأن أستعيده مجددًا مع القراء من جيلىّ (زد) و(ألفا) الذين لم يعيشوا تلك السنوات.. وإليكم نص الحوار، لن تجد سين وجيم ولكن (جيم) فقط، وستضيف أنت بلسانى (سين).

خلال الأيام القادمة يدخل «يوسف شاهين» الاستوديو لتصوير فيلمه (إسكندرية تانى).. ملحوظة أصبح الفيلم اسمه (إسكندرية كمان وكمان)، وكعادة «يوسف شاهين»- فى مثل هذه الأحوال- فقد أعلن حالة الطوارئ، فهو لا يغادر مكتبه وتظل لحظات الإبداع عنده محاطة بأسوار عالية وأسلاك شائكة، حيث يعتبر أن فكرة الفيلم هى بمثابة سر حربى لا يجوز الإعلان عنه، حتى تأتى ساعة الصفر ويدخل الاستوديو.

مكتب صغير الحجم، تتناثر عليه الأوراق، وفى أحد أركانه العديد من القواميس العربية والإنجليزية والفرنسية، جلس «يوسف شاهين» على جانب وأنا على الجانب الآخر، وبيننا جهاز التسجيل.

عدد لا بأس به من الناموس، يملأ المكان، وبدأ الناموس فى تقديم واجب التحية، «يوسف شاهين» مشغول بإعداد فنجانىّ نسكافيه وقبل أن أبدأ فى ارتشاف الفنجان، قرر «يوسف شاهين» إعلان الحرب على الناموس باستخدام المبيدات الحشرية، وكلما ازداد الرش، ازدادت سعادة الناموس وظهرت عليه علامات السعادة والحبور والنشاط أكثر، ولا أدرى لماذا كان يخشى الاقتراب من «يوسف شاهين» وتحمّلت أنا بمفردى كل اللدغات!

نحيت فنجان النسكافيه جانبًا بينما بدأ «يوسف شاهين» فى شرب النسكافيه بسعادة بالغة وقبل أن أضغط على زر التسجيل، كان «يوسف شاهين» قد سبقنى إليه وبدأ الحوار.

 (عايز أقول)

كيف يتكون الجنين الفنى.. يسأل «يوسف شاهين»، «يوسف شاهين» ويجيب: هناك نوع من الاحتياج لأن أقول للناس ما الذى تعلمته، داخل حياتى يحدث تغيير ما يجعلنى أرى الأشياء بنظرة مختلفة، دائمًا أشعر أن علىَّ التزامًا بذلك أمام الناس.

إن آرائى لا تنقلب من النقيض إلى النقيض، لكنها تنمو وتتطور، مثلاً بعد 67 قلت فى أعماقى الثقة الزائدة خطأ، وتفجرت الأسئلة قدمتها فى (العصفور) و(عودة الابن الضال).. وأنا لم أنقلب على «عبدالناصر» ولكنى فقط أصبحت أكثر إيجابية، أعدت فتح القواميس والمراجع ووجدت نفسى كسولاً، قلت هل أنا كسلت أمْ أن هناك إحباطًا، لماذا لم أفهم أشياء وتغاضيت عن أشياء، أنا ملتزم مع نفسى، أى شىء يحصل لى لازم أقوله، وأنا عندى الجرأة على أن أقول، أحيانًا تجد واحدًا مع «ناصر» ناصرى، ومع «السادات» ساداتى، هؤلاء ليسوا أصحاب وجهة نظر، لكنهم انتهازيون، أنا أختلف مع أشياء فى تجربة «عبدالناصر»، ولكنى متمسك بإيجابيات التجربة الناصرية.

 (لا يوجد فى الفن نُص نُص)

أحيانًا يقولون الفنان رقيب على نفسه، أكبر خطأ يجب على الفنان أن يتخلص من الرقابة الخارجية وألا يقع تحت تأثير الرقابة الداخلية لأن خطرها أكبر، عليك فقط أن تتأكد أن الأسئلة صحيحة وسوف تأتى الإجابات أيضًا صحيحة، الفنان الذى يواجه الناس بأفكاره عليه أن يستطيع مواجهة نفسه.

لو فكرت فى الرقابة ح أبقى زى الآخرين، ح أقول: عيب وح أنكسف أتكلم، لا يوجد فى الفن- نُص نُص- إما أن تقول أو لا تقول، المُخرج الذى يخاف لا يستطيع أن يمسك الكاميرا سوف ترتعش بين يديه.

قد أختلف مع الرقابة، لكنى لا أعيد النظر فيما كتبت وأناقش الرقيب فى القوانين التى وضعها، هذه ليست قوانين سماوية لكنها قابلة للنقاش وطالما أننى لا أكذب فسوف أنتصر فى معركتى وتصل كلمتى كما أريدها، لا تضع فى ذهنك الرقابة، المهم هو الجمهور.

 (هرش مُخ)

لعِلمك الجمهور زكى جدًا، أنا أفلامى لعامة الناس، وليست لطبقة معينة، أحيانًا أجد ناس فى الشارع تستوقفنى وتقول فيلمك «هرَش مُخّنا» لكن أوعى تتغير، المتفرج نخاطبه بلغة الصورة، قد تفوته الكلمات ويظل تأثير الصورة أكبر، أنا رأيت بعض المتعلمين من أصحاب الدكتوراه يحفظ معلومات ويرددها «صَم» لم يستفد شيئًا مما تعلمه.

الإنسان العادى لم يحصل على قسط من التعليم لكنه أكثر ثقافة، ولهذا تجد رجل الشارع يقول لك: دى سينما «يوسف شاهين»، ودى سينما «محمد خان»، إنهم يغوصون فى الأعماق ليقدموا رؤية ذاتية منهم، ولكن لها نبض العام.

عندك ناس مبدعون وناس منفذون، هناك مخرج ملتزم بقضية ما يسعى لتقديمها، ومخرج آخر مثل سائق تاكسى ينفذ كل ما يُعرَض عليه طالما أنه سوف يقبض الثمن.

 (أنا مخرج شبّاك)

فيلم (باب الحديد) حقق إيراد 200 مرة ما يوازى ثمن التكلفة، لم تزد تكلفة هذا الفيلم على 18 ألف جنيه، ولا يزال سنويًا مطلوبًا للبيع فى العديد من دول العالم، ثم ما هو المفهوم لكلمة الشبّاك، هل هو شبّاك التمييز أمْ عدد المتفرجين، هل هو الإيراد أمْ التأثير؟!

مثلاً فيلم (الأرض) عرض فى 147 مهرجانًا والتليفزيون يقدمه للملايين، أليس هذا إيرادًا؟!

أفلامى تحقق القيمة المادية، ولكن الحشيش يجيب أكثر، مفيش مخرج يعيش كل هذه السنوات وأفلامه لا تحقق نجاحًا ماديًا، أنا عمرى الفنى 39 عامًا، وحتى أستمر يجب أن أحل المعادلة الاقتصادية، وسوق الفيلم حاليًا مليئة بالفساد والدولة لا تتدخل، ولهذا أقوم أنا بمعادلات أخرى مع أسواق مختلفة حتى أستمر، وعندما أحسبها ع الورق أجد نفسى خسران، وفى كل مرة أدخل فى مغامرة.

(فنان خردة)

الموهبة وحدها لا تكفى، يجب أن تخضع طاقة الفنان لنظام دقيق حتى لا تتبدد، عندنا ممثلون موهوبون لكنهم يتحولون إلى سلع، أستمع إلى مَثل يقول لك «اختار أحسن الوِحِش»، طيّب كلمة «لأ» راحت فين؟!، ثم إن المنتج الذى يدفع لك اليوم لأنك مطلوب سوف يركلك بقدمه غدًا، وساعتها لن يجد هذا الممثل شيئًا؛ لأنه بَدّد موهبته وباعها بأرخص ثمَن، وتحوّل إلى فنان خردة!

بينى وبين أبطال أفلامى علاقة خاصة جدًا حب متبادلة ثقة واحترام، هم يتفرغون لى وأنا أتفرغ لهم، هذا التفاهم والحب يجب أن تلمحه على الشاشة، الأجر الذى يحصلون عليه لا يساوى تفرغهم لى، ولكنهم فى العادة من هؤلاء الفنانين الذين لم يلهثوا وراء العربة البيضاء والبيت الأبيض والحذاء الأبيض!

 (أنام على الأرض)

لا ترضينى الأفكار المبهرة، وقد أكتب مشهدًا أسعد به للحظات، ثم أعيد التفكير وأتفرغ على الأقل 10 ساعات يوميًا، وعندما أنام على السرير أجد أن الفكرة تلاحقنى وحتى لا يغلبنى النوم، أقذف نفسى على الأرض حتى أستيقظ ثم أبدأ فى الكتابة وأكتشف فى اليوم التالى أننى نسيت أن أنام!

 (إلهام أمْ إسهال!)

لا شىء يخضع للإلهام اللحظى، أمامك معدات وآلات وفريق متكامل من الفنانين والفنيين ثم تقول لهم: دعونى أنتظر الإلهام، افرض لم يأتِ الإلهام وفوجئت أنك تعانى من الإسهال، لا يمكن أن يخضع الناس لمزاجك الشخصى، إمّا أنك تدرى بالضبط ما الذى ينبغى لك أن تفعله، وإمّا أنك لا تدرى شيئًا، أنا دائمًا أركز قبل العمل الفنى، على الأقل ثلاثة أشهُر من التركيز لا أعرف إلا العمل الفنى الذى أقدمه وأعايش كل تفصيلاته الدقيقة.

 (أموت فى حاجة اسمها سينما)

الحوار سهل جدًا بينى وبين الناس، أنا ارتبطت بكثيرين، ومتعوّد كأى إسكندرانى على استقبال كل الشخصيات والنوعيات المختلفة وعرفت 6 لغات أجيد الحوار بأربع لغات منها بشكل جيد؛ لأنى لا أحب أن أضع أى حاجز بينى وبين الناس.

أنا أموت فى حاجة اسمها سينما، ولن أخونها، لقد عرضوا علىّ جزيرة فى المحيط الهادى، قلت لهم: أولاً: أنا لا أحب أن أعيش فى جزيرة؛ خصوصًا فى المحيط الهادى، ثم ما هو الثمَن الذى سوف أدفعه لهذه الجزيرة؟ سوف يكون الثمَن هو «يوسف شاهين».

وقبل أن أغادر مكتب «يوسف شاهين»، قال لى: إن فيلمى القادم حكايته هو هذا الحوار لأنه يقدم الجزء الأخير من الثلاثية التى بدأتها بـ(إسكندرية ليه) ثم (حدوتة مصرية)، وعندما يقدم «يوسف شاهين» ذلك فهو يقدم حكايته من خلال احتكاكه مع الآخرين.

وأصَرّ على دعوتى للمرة الثانية على فنجان نسكافيه، وكان الناموس لا يزال يمرح فى سعادة، وكالعادة أعلن «يوسف شاهين» الحرب على الناموس، وبدأ فى مواجهته بالمبيدات، ولكن كالعادة أيضًا ازدادت سعادة الناموس ونشاطه، وتوجّه بلدغاته الحادة فقط للعبد لله، ربما خوفًا من لسان «يوسف شاهين».. وشكرت يوسف شاهين على هذا الحوار وعلى فنجانىّ النسكافيه اللذين لم أقترب منهما!