د. أحمد درة
الإمام الطيب.. من الجامعة إلى المشيخة (1)
كان كل شيء يتهيأ في المؤسسة «الأزهرية» للتغيير منذ اللحظة التي تم تكليف الدكتور أحمد الطيب برئاسة جامعة الأزهر منتقلاً من مرحلة الإفتاء خاصة بعد أن رأى في المنام رؤيا أفزعته وحضته على ترك منصبه كمفتٍ للديار المصرية، وصادف ذلك خلو منصب رئيس جامعة الأزهر بعد أن أحيل الدكتور أحمد عمر هاشم إلى التقاعد «رحمه الله»، وبدا أن الدكتور الطيب منذ الوهلة الأولى مشبع بفكر التطوير والتحديث لمنظومة الجامعة المنوط بها فى المقام الأول التعليم.وهنا لاح في الأفق إمكانات الدكتور الطيب الخاصة جدا والمتعلقة بخلفيته الفكرية والثقافية واحتكاكه بالفكر الغربي بشكل مباشر والإشكالية المزمنة بين التراث والحداثة ولولا أن كان الطيب متمكنًا من فهم التراث وهضمه وقدرته على فك الصدام المفتعل بين ما هو تراثي وما هو حداثي، وساعدته تلك الفترة التي قضاها في باريس بعد الدكتوراه في دراسات دقيقة وشاقة رسخت مفاهيمه ومكنته من امتلاك أدوات التحديث التي لا تضل عن قيم التراث ودروبه الملغمة، وكان قدري أن يصحبني الدكتور الطيب في هذه الوقائع التي خاضها ، موقعة تلو موقعة، خاصة أن الجامعة كانت تعج بقبيل من المتطرفين المجمدين تحت مسميات كلها تتخذ العنف سبيلاً للتخلص من الآخر المخالف لها في الفكر ناهيك عن العقيدة ، حتي ولو كان ذلك بإزهاق الأرواح وإسالة الدماء وكل ما هو قادر على إقصاء وإخفاء صوت العقل والتفكير والتدبر الذي هو ميزة من ميزات الرسالة المحمدية الخاتمة والمشهود به للدكتور الطيب أنه قد بدأ عملية تنقية المناهج الأزهرية قبل أن يتوج شيخًا للجامع الأزهر وطيلة فترة رئاسته للجامعة، كانت خلايا النحل تعمل على هذه الفكرة، وبدأ ينفتح على كل المؤسسات الأخرى دينية، إعلامية، ثقافية، سياسية ، اقتصادية، صحية ولم تعد الجامعة الأزهرية مقيدة أو مغلولة بأفكار وقيم أقحمت على الإسلام، ومثلت به السبيل فكان الطيب علي رأس حقبة زمنية يجدد لنا ديننا كبشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحدثت الطفرة في الجامعة وشهدنا المراكز المختلفة ذات الطابع الخاص تؤازر الفكر الجديد، وبث روح الانتماء للأزهر الجديد.
وأعلن الدكتور الطيب عن إعادة فتح قاعة محمد عبده التي من الإهمال كانت مرتعًِا للفئران ، في هذه القاعة جرى حوار ثقافي مستنير أعاد للأزهر رونقه التجديدي واستقبلت القاعة تحت مسمى الموسم الثقافي حوار المذاهب وحاورت فيه محمد خاتمي الرئيس الإيراني والأمير تشارلز أمير ويلز الذي أصبح ملكًا لبريطانيا فيما بعد .. ونخبة من السياسيين والاقتصاديين، والدبلوماسيين الأكفاء وكذلك من الوزراء والتنفيذيين الكبار أصحاب الرؤية الثاقبة فالتقوا الطلاب وأساتذة الجامعة في حوارات مهيبة غيرت فكرة الانغلاق التي وصم بها الأزهر من أعدائه التقليديين.
وكانت خطوة فارقة جعلت أعداء الوسطية وروح السماحة الأزهرية يفكرون في طرق أخرى لإحراج القائد الجديد للمؤسسة الجامعية بالأزهر وكان اليوم الموعود حين تم حشد الإخوان من خارج الجامعة ومن داخلها للتحرش بل الصدام المباشر مع الطيب وإدارته الجديدة ، ولم يكن الفكر بالفكر ولا الحوار بل كان عرضًَا عسكريًا مكشوفًا تحت غطاء احتجاجات طلابية وهمية على إدانة بعض الطلاب الخارجين على قوانين الجامعة، واستيقظت مصر على العرض العسكري الذي يذكرنا بعروض حماس، وتم الهجوم الإعلامي بكلمة للمرشد أذيعت على آليات الإخوان الإعلامية ثم تبعها الهجوم على مبنى إدارة الجامعة وكسر الباب ، واقتحام مكتب رئيس الجامعة أحمد الطيب فأعلنها صراحة بأن هذا الذي يحدث لن يفت عضد الجامعة ناهيك عن الأزهر كاملا ، ولم تتحرك أي أجهزة في الدولة للأسف الشديد لحماية قيادات الجامعة ومبانيها إلا بعد أن نزل الطيب جسورًا مخترقًا هذه الصفوف وكنت في كتفه ، وكأن الموقف ألجمهم بل شل حركتهم وعدنا لكتابة البيان الذي هز مصر جميعها ليشهد من لا يريدون أن يشهدوا عودة الميليشيات مرة أخرى للحرم الجامعي، وكتبنا البيان الذي بادر أ.محمد بركات رئيس تحرير الأخبار آنذاك والأستاذ / مصطفى بلال نائبه وبنشره في الصفحة الأولى بالفضيحة الكبرى الذي كان للطيب وموقفه البطولي الفضل بعد الله فى إيقاف هذه المهزلة الكبرى ..
ولتستمر المعركة











