الأحد 18 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
نهاية الحماية الدولية للإخوان

نهاية الحماية الدولية للإخوان

منذ نشأتها، لم تكن جماعة الإخوان مجرد تنظيم دينى أو حركة سياسية محلية، بل مثّلت – عبر عقود طويلة – ما يمكن وصفه بالابن المدلل غير الشرعى للأنظمة الغربية وأجهزة مخابراتها. علاقة لم تُعلن يوما فى صورتها الرسمية، لكنها كانت حاضرة دائما فى الكواليس، قائمة على منطق الاستخدام المتبادل لا الشراكة، وعلى توظيف الجماعة بوصفها أداة قابلة للاستدعاء فى لحظات الصراع، أو ورقة ضغط فى مواجهة أنظمة وطنية مستقلة، أو بديلا مؤقتا لقوى سياسية يصعب التحكم فيها.



وقد وجدت الجماعة، منذ الأربعينيات والخمسينيات، مساحة للحركة والتمدد داخل العواصم الغربية، تحت مظلات اللجوء السياسى، والعمل الدعوى، والنشاط الحقوقى، فى الوقت الذى كانت تُضيَّق فيه الخناق على تنظيمات أخرى أقل قدرة على المناورة. لم يكن ذلك نابعًا من قناعة غربية حقيقية بمشروع الإخوان، بقدر ما كان تعبيرًا عن رؤية براجماتية تعتبرهم تنظيمًا منضبطًا هرميًا، ومع ذلك فهو سهل الاختراق، وقابلا للاستخدام فى صراعات النفوذ والحرب الباردة، ثم لاحقًا فى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بعد نهاية الاستعمار المباشر.

هذه الرعاية غير المعلنة منحت الإخوان شعورًا زائفًا بالأمان، ورسخت لديهم وهم الحصانة الدولية، وأنهم تنظيم «محمي» لا يُسمح بسقوطه الكامل، مهما بلغت تناقضاته أو انكشفت ارتباطاته. غير أن التحولات الكبرى فى بنية الأمن الدولى، وتزايد المخاطر الناتجة عن التنظيمات العابرة للحدود، أدت فى النهاية إلى إعادة النظر فى هذا الإرث الطويل من التساهل، ووضعت الجماعة لأول مرة أمام حقيقة مختلفة: أن مرحلة الابن المدلل قد انتهت، وأن زمن التوظيف بلا مساءلة لم يعد ممكنًا.

لذلك جاء القرار الأمريكى بتصنيف جماعة الإخوان فى كل من مصر والأردن ولبنان كجماعة إرهابية ليشكّل لحظة فارقة فى مسار التعامل الدولى مع التنظيم، لا بوصفه حدثا مؤقتا أو استجابة ظرفية، بل باعتباره تتويجًا لمسار طويل من المراجعة داخل دوائر صنع القرار الأمريكية لطبيعة هذا التنظيم، وبنيته العابرة للحدود، ووظيفته الحقيقية التى تجاوزت منذ زمن العمل السياسى إلى إدارة شبكات أيديولوجية وتنظيمية ومالية وإعلامية ذات صلة مباشرة أو غير مباشرة بالعنف وعدم الاستقرار.

أما أهم النتائج للحظر فهو تقييد حركة أذرع الجماعة الدولية، سواء عبر المنظمات المدنية أو السياسية أو الإعلامية التى كانت تمثل واجهات للتنظيم فى الخارج، إذ مع تصنيف فروعها، تصبح هذه الأذرع عرضة للمراقبة الأمنية والقانونية فى العديد من الدول الغربية. كما أنها تصبح مُعرضة لتجميد الحسابات الشخصية للقيادات، ومنع المشاركة فى أنشطة مدنية أو سياسية فى تلك البلدان.

كما أن هذا الحظر يعطى حكومات أخرى شرعية دولية للتشدد فى مواجهتها للجماعة داخل حدودها، وهو ما ينعكس على تنظيمات مرتبطة بالإخوان فى أوروبا وأمريكا الشمالية.

والسؤال المطروح اليوم لا يتعلق بالقرار فى ذاته، بل بمستقبله: هل يستمر مع تغير الإدارات الأمريكية؟ والإجابة هنا تقتضى قراءة واقعية لطبيعة التحول الذى طرأ على النظرة الأمريكية للإخوان. فالقرار لم يعد رهين مزاج إدارة بعينها، بل بات مرتبطا باعتبارات أمن قومى أمريكى، خاصة بعد تداخل أذرع الإخوان مع تنظيمات مصنفة إرهابية بالفعل، وعلى رأسها حماس، ومع شبكات تمويل عابرة للقارات استُخدمت فى تبييض الأموال ودعم أنشطة تهدد الاستقرار الإقليمى. ومن ثمّ، فإن احتمالات التراجع عن التصنيف تبدو ضعيفة، حتى مع تغير الإدارات، لأن المؤسسات العميقة فى الدولة الأمريكية سواء الخزانة، والاستخبارات، والكونجرس أصبحت شريكا فى هذا التوجه، لا مجرد منفذ له.

ومع ذلك فإن التغير المحتمل ليس فى إلغاء التصنيف، بل فى تخفيف الخطاب السياسى حوله، وإبطاء توسيع القائمة لتشمل فروعًا جديدة، أى أن أى إدارة جديدة قد تقول: نُبقى على التصنيف، لكن نُدير الملف بسياسة الباب الموارب.

أما احتمالات توسع القرار ليشمل دولاً وفروعًا أخرى، فهى قائمة بقوة، خاصة فى ظل المنهج الأمريكى الجديد القائم على تفكيك الشبكات لا الاكتفاء باستهداف الرؤوس. فالتنظيم الدولى للإخوان يعمل بمنطق الأذرع المتحركة، وحين تُغلق ساحة، ينتقل إلى أخرى تحت مسميات مدنية أو حقوقية أو إغاثية، ومع تزايد الأدلة على هذا النمط، يصبح من المرجح أن نشهد خلال السنوات المقبلة إدراج فروع أو واجهات جديدة فى دول أخرى، لا سيما فى أوروبا وأمريكا الشمالية، حيث نشطت الجماعة طويلا تحت غطاء العمل المجتمعى والسياسى.

ومن الناحية السياسية، يضع هذا التصنيف جماعة الإخوان أمام مأزق وجودى حقيقى. ففكرة «الإسلام السياسى المعتدل» التى طالما رُوّج لها فى الغرب تتآكل اليوم، لتحل محلها قناعة بأن التنظيم يستخدم السياسة كمرحلة مؤقتة، لا كخيار استراتيجى دائم. وهذا من شأنه أن يُفقد الجماعة الهامش الصغير المتبقى لها من الشرعية الدولية، ويُقيد قدرتها على المناورة أو إعادة إنتاج نفسها فى صورة جديدة مقبولة خارجيا. أما تنظيميا، فالتصنيف يضرب العمود الفقرى للتنظيم الدولى من حيث التمويل، والحركة، والتواصل، وإدارة الكوادر، ويُدخل الجماعة فى حالة من التفكك الداخلى، تتجلى فى الصراعات بين الأجنحة، وفقدان السيطرة المركزية، وتراجع القدرة على التجنيد والاستقطاب.

وفى هذا السياق، يبرز البُعد الأهم فى القرار الأمريكى، وهو أنه يعكس – بوضوح لا لبس فيه – الرؤية الاستباقية للقيادة المصرية، التى كانت فى مقدمة دول العالم فى توصيف جماعة الإخوان بوصفها تنظيمًا إرهابيًا، لا حركة سياسية قابلة للإصلاح. فمصر لم تنتظر أن ترى النتائج الكارثية لتجربة الإخوان فى الحكم أو فى العمل المسلح، بل قرأت مبكرا بنية التنظيم وأهدافه، وحذرت المجتمع الدولى من خطورته، فى وقت كانت فيه عواصم كبرى تراهن على الجماعة أو تغض الطرف عنها.

واليوم، ومع صدور هذا القرار الأمريكى، يتضح أن ما قامت به الدولة المصرية لم يكن رد فعل، بل سياسة وقائية مبنية على فهم عميق لطبيعة التهديد.

لقد سبقت مصر العالم فى إدراك أن الإخوان ليسوا معارضة سياسية، بل مشروعا أيديولوجيا مغلقا، يسعى للهيمنة لا للشراكة، وللاختراق لا للتكامل، وأن التساهل معه لا يؤدى إلا إلى تفكيك الدول من الداخل.

إن المستقبل القريب يشير إلى أن جماعة الإخوان ستواجه عزلة متزايدة، وتراجعا فى قدرتها على التأثير السياسى والتنظيمى فى المنطقة، بينما تتعزز الرواية المصرية التى طالما أكدت أن مكافحة الإرهاب لا تبدأ من مواجهة السلاح فقط، بل من تفكيك الفكر والتنظيم والتمويل. وبهذا المعنى، لا يمثل القرار الأمريكى مجرد خطوة عقابية، بل اعتراف دولى متأخرا بصواب الرؤية المصرية، التى كانت – ولا تزال – فى مقدمة الصفوف دفاعًا عن الدولة الوطنية واستقرار المنطقة.