الأحد 1 فبراير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

«الدبلوماسية الوقائية» من السودان إلى غزة

في لحظة إقليمية بالغة التعقيد، تتداخل فيها الصراعات المسلحة مع هشاشة الدولة الوطنية، يبرز الدور المصري بوصفه أحد أعمدة الاتزان القليلة القادرة على الجمع بين الواقعية السياسية والالتزام بمبادئ الاستقرار وسيادة الدول. 



الحراك الدبلوماسي المكثف الذي تقوده القاهرة، سواء في الملف السوداني أو في جهود تهدئة الأوضاع في قطاع غزة، يعكس مقاربة متكاملة لا تقتصر على إدارة الأزمات، بل تسعى إلى معالجة جذورها ومنع تمددها إقليميًا، من خلال مقاربة تتبنى الحلول السياسية لنزاعات المنطقة.

ترؤس مصر للاجتماع الخامس للآلية التشاورية لتعزيز تنسيق جهود السلام في السودان، بمشاركة واسعة من القوى الدولية والإقليمية الفاعلة، لم يكن حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن القاهرة ما زالت ترى في السودان ركيزة أساسية للأمن القومي العربي والأفريقي. 

ولا يمكن فصل هذا الدور عن التحركات الرئاسية المتوازية، وعلى رأسها اللقاء الذي جمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشئون العربية والأفريقية، مسعد بولس.. فقد عكس اللقاء مستوى متقدمًا من التنسيق المصري–الأمريكي حول ملفات إقليمية شديدة الحساسية، في مقدمتها السودان وليبيا والقرن الأفريقي.

 

والأهم، أن الرئيس السيسي أعاد التأكيد على الارتباط العضوي بين الأمن القومي المصري والسوداني، رافضًا أي محاولات للنيل من استقرار السودان أو المساس بوحدته.

وقد حرص وزير الخارجية بدر عبد العاطي، في كلمته، على إعادة تثبيت ما يمكن وصفه بـ«العقيدة المصرية» تجاه الأزمة السودانية: وحدة الدولة، سلامة الأراضي، وصون المؤسسات الشرعية، باعتبارها خطوطًا حمراء لا يجوز تجاوزها تحت أي ظرف.

تنطلق هذه المقاربة من إدراك مصري عميق بأن تفكك السودان أو انزلاقه نحو كيانات موازية لن يظل شأنًا داخليًا، بل سيُطلق موجات ارتدادية تطال دول الجوار، ومنطقة القرن الأفريقي، وأمن البحر الأحمر. ومن هنا جاء الإصرار المصري على أولوية الهدنة الإنسانية العاجلة، باعتبارها المدخل الواقعي لوقف نزيف الدم، يليها وقف مستدام لإطلاق النار، ثم عملية سياسية شاملة بملكية سودانية، بعيدًا عن منطق الإقصاء أو فرض الحلول من الخارج.

هذا النموذج من الدبلوماسية الوقائية لا يقتصر على الساحة السودانية. ففي غزة، تلعب مصر دور الوسيط الضامن، القادر على مخاطبة جميع الأطراف بلغة المصالح والالتزامات، وليس بلغة الشعارات. البيان المشترك الصادر عن مصر وقطر وتركيا بشأن تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية لإدارة قطاع غزة يمثل خطوة نوعية نحو الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة ما بعد التهدئة... فالقاهرة تدرك أن تثبيت وقف إطلاق النار لا ينفصل عن تحسين الأوضاع الإنسانية، وتهيئة بنية إدارية قادرة على إدارة القطاع بعيدًا عن منطق الفوضى أو الفراغ.

ما يميز الدور المصري في الحالتين، السودانية والفلسطينية، هو رفضه الواضح للحلول العسكرية الصِرفة، وإيمانه بأن غياب الأفق السياسي هو الوقود الحقيقي لاستدامة الصراعات.. لذلك، تعمل القاهرة على مسارات متوازية:

إنسانية لتخفيف المعاناة، وأمنية لخفض التصعيد، وسياسية لفتح نوافذ الحل، مع الحفاظ على مبدأ سيادة الدول ووحدة أراضيها كقاعدة لا تقبل المساومة.

في المحصلة، تقدم الدبلوماسية المصرية نموذجًا مختلفًا في إقليم اعتاد إدارة الأزمات بردود الفعل. نموذج يقوم على الاستباق، وبناء التوافقات، وتغليب منطق الدولة الوطنية على منطق الميليشيا، والوساطة المسئولة على المغامرة. وبين السودان وغزة، تتجسد هذه الرؤية بوضوح: مصر لا تسعى إلى أدوار دعائية، بل إلى تثبيت الاستقرار بوصفه مصلحة إقليمية مشتركة، وشرطًا لا غنى عنه لأمن المنطقة ومستقبلها.