الثلاثاء 20 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لأول مرة حفيد إحسان عبدالقدوس يتحدث لـروزاليوسف

شريف عبدالقدوس: أسير على خطى جدى لكن «روزا» هى الأقرب لى

«لذة الحياة فى أخطارها».. ليست مجرد مقولة كتبها الكاتب الراحل «إحسان عبدالقدوس» فى رواية (الوسادة الخالية)؛ إنما هى أحد أسُس فلسفته الباقية، والتى سار عليها فى حياته ودفع ثمنها غاليًا. 



الأكثر روعة، هو عدم توقف فلسفته برحيله، بل امتدت- بشكل مختلف- عبر العائلة، التى شكلت واحدًا من أهم أعمدة الصحافة والفكر فى «مصر» والعالم العربى؛ بداية من «روزاليوسف» التى أسّست مدرسة كاملة فى الصحافة الجريئة والمواجهة، إلى «إحسان عبدالقدوس» الذى نقلها إلى ذروة جماهيرية وسياسية غير مسبوقة، وصولًا إلى جيل جديد يخوض معارك مختلفة، لكن بالسؤال نفسه، وهو: كيف نكتب فى وجه القوة، وكيف ننحاز للإنسان؟ 

 

فى ذكرَى رحيل «إحسان»، قرّرت مجلة «روزاليوسف» محاورة حفيد «إحسان»، الذى اختار أن يسير على الدرب نفسه لكن بطريقته الخاصة.. «شريف عبدالقدوس» الصحفى الذى اختار أن يسير فى الطرق الوعرة للصحافة السياسية، وتغطية الحروب، وخوض التحقيقات الشائكة، حاملًا إرث العائلة كمسئولية أخلاقية، وامتداد طبيعى لفكرة آمنت بأن الحقيقة تستحق المخاطرة. 

حوار سلط الضوء على الذاكرة، والوراثة، والاختيار الحر، وعن صحافة لا ترى فى الخطر عائقًا؛ بل معنى كبير.

فى ذكرى رحيل جدك «إحسان عبدالقدوس».. كيف تحضر صورته فى وعيك اليوم؟، هل كجد داخل العائلة أم كضمير فكرى وسياسى لا يزال حيًا؟

- الاثنان.. جدى يحظى بتأثير كبير فكريًا وسياسيًا بالنسبة لى شخصيًا، إلى جانب تأثيره الواسع الذى من الصعب وصفه فى العالم العربى كله، فى الصحافة السياسية، والكتابة، والثقافة. 

رغم يقينى بأننى لا أستطيع أن أحقق ما حققه هو من إنجازات؛ فإننى فخور جدًا بأننى أستكمل تراث العائلة الصحفى، والذى استمر عبر 4 أجيال.. جدى كان قدوة لى فى الصحافة القوية المشاكسة، الصحافة التى تقدر على قيادة التغيير، والأفكار والتفكير السياسى المستقل. 

إلى جانب هذا، أتذكره- أيضًا- كجد محب.. أتذكر أنه فى كل غرفة فى البيت كان له مكان مخصّص هو مَن يجلس عليه فقط، وغير مسموح للآخرين بالجلوس عليه.. أتذكر دخوله مكتبه وإغلاقه الباب لفترة طويلة.. كما أتذكر أننا كنا نذهب إلى (عزبة) العائلة فى «المنصورية» ونجلس معه فى الحديقة.. أتذكر السيجار الخاص به الذى لم يكن يفارقه، وضحكته الكبيرة (المُعدية).

متى أدركت أنك لا تنتمى فقط لعائلة معروفة فى الصحافة؛ بل لإرث ثقيل من الدفاع عن الحرية؟

- كنت فى الحادية عشرة من عمرى حينما توفى جدى.. أتذكر حجم الجنازة التى جعلتنى أفهم-لأول مرة- كم كان رمزًا كبيرًا.. فهمت وقتها إنه كان مشهورًا، وأتذكر جيدًا كيف أغلقوا شارع الجبلاية فى الزمالك أمام المبنى الذى عاش فيه أثناء جنازته. 

وقفت فى الصف لتلقى العزاء إلى جانب والدى، وعمّى، وأخى الكبير وغيرهم، وكان هناك مئات المعزين.. وبالنسبة لعقل طفل يبلغ 11 عامًا كان المشهد قويًا ومؤثرًا. 

لكن؛ حينما كبرت، وبدأت أعمل فى الصحافة فى أوائل العشرينيات من عمرى، وبدأت أقرأ عن جدى، وأمّه «روزاليوسف» بدأت أفهم تراثهما، وتاريخهما، وحياتهما وهو ما لا يزال يبهرنى حتى الآن.

هل شعرت يومًا أن اسم «عبدالقدوس» يفتح أبوابًا، أم أنه يفرض عليك معايير أعلى ومسئولية أشد؟

- سافرت كثيرًا فى أنحاء العالم العربى كصحفى لتغطية أحداث مختلفة، وفى أى مكان أذهب إليه، سواء فى «فلسطين، أو اليمن، أو سوريا، أو العراق»، يبهرنى اندهاش الناس حينما يعرفون إننى حفيد «إحسان عبدالقدوس». 

أشعر بالفخر أننى أحمل اسمه، وأعمل فى نفس مجاله؛ ولكن ليس بالضرورة أن أشعر بعبء أثقل أو مسئولية؛ لأننى أظن أن كل صحفى- بغض النظر عن خلفيته- يحمل مسئولية هائلة حتى يمنح الصوت لمن يتم إسكاتهم، أو مثلما يقول المثل الإنجليزى المشهور: «وظيفة الصحفى.. إراحة المصاب، وإصابة المستريح».

لماذا اخترت طريق الصحافة والدخول فى عالم السياسة، رغم دراستك المختلفة؟

- بعد تخرجى من الجامعة عام 2000، كنت أعيش فى مدينة «نيويورك»، ولم أكن أعرف حينها ما الذى أريد أن أقوم به فى الحياة.. كنت دائمًا أحب الكتابة، لكننى كنت تائهًا ومحتارًا. 

ومع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بدأ شغفى بالسياسة، وبدأت أقرأ كثيرًا فى السياسة والتاريخ.

وبعد أحداث (11 سبتمبر) التى عايشتها فى «نيويورك»، بدأت «أمريكا» تتحول لدولة مرعبة من القومية المبالغ فيها، مع خطاب عنيف ضد العرب والمسلمين؛ بينما كانت تغطية الإعلام السائد- حينها- منحرفة بشكل يثير الغضب. 

وبعد غزو «أفغانستان»، وخطط إدارة «بوش» لغزو «العراق»، قررت أن أبدأ العمل فى الصحافة كوسيلة لاستخدام الكتابة كشكل من أشكال المقاومة.. وكنت محظوظ وعملت- بالفعل- فى منصة إعلامية مستقلة اسمها (Democracy Now). 

وكان أول يوم لى فى العمل يوافق 19 مارس 2003، والذى وافق يوم بداية الغزو الأمريكى للعراق.

كقارئ قبل أن تكون حفيدًا؛ أيهما أقرب لك فى تراث «إحسان عبدالقدوس»: كتاباته السياسية، أم أعماله الروائية؟

- وُلدت فى «أمريكا»، وتعلمت فى المدرسة البريطانية فى «القاهرة».. ورغم أننى كنت أدرس اللغة العربية عبر (درس خاص) فى المنزل، لكن للأسف لم أتقن اللغة العربية، وهو أمر يجعلنى أشعر بالخجل؛ خصوصًا أن جدى واحدٌ من أشهر الكتّاب العرب فى القرن العشرين. 

ولكن؛ بعد أن عملت كصحفى فى «أمريكا» لسنوات، عدت إلى «مصر» فى 2011 بعد الثورة، وبذلت مجهودًا كبيرًا حتى أُحسن اللغة العربية. 

وعليه؛ كان أول كتاب أقرأه كاملاً باللغة العربية، هو مذكرات «روزاليوسف».. بعدها قرأت أكثر مقالاتها، ومقالات «إحسان»، ولكن بشكل أقل رواياته. 

بشكل عام؛ يمكن القول إن كتاباته السياسية أثرت فىّ أكثر من الأدب؛ نظرًا لطبيعة العمل وانبهارى بالدور الذى لعبه فى تشكيل المسار السياسى لمصر، فى وقت ما بعد الاستعمار فى القرن العشرين.

غطيت سياسات إدارة «ترامب»، وفزت بجائزة إيمى عن فيلم “Fault Lines” حول حظر المسلمين.. كيف أثرت تلك التجربة على فهمك لطبيعة السلطة، والخطاب العنصرى فى «الولايات المتحدة»؟

- الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» مجرد تعبير صريح وفج للسلطة والعنصرية فى «أمريكا»، التى تطال كل حكومتها، والحزبين الديمقراطى والجمهورى.. أى أن «ترامب» يفصح عن الجزء المسكوت عنه بصوت عالِ، ومن الممكن أن يصبح أخطر بكثير لأنه لا يشعر بأى قيود بالأعراف والتقاليد السياسية. 

ومع ذلك؛ لا يمكن إغفال أن الديمقراطيين- أيضًا- وإدارة سلفه «جو بايدن»، هم من دعّموا وموّلوا وسلحوا علنًا الإبادة الإسرائيلية فى «غزة». 

هل كان قرارك بتغطية الحروب والنزاعات فى مناطق عربية مختلفة بحثًا عن الحقيقة فقط؛ أم أيضًا محاولة لكسر الصورة النمطية التى يصنعها الإعلام الغربى؟

- حينما تتم تغطية الحرب، يُرى أسوأ ما فى البشرية، أى أسوأ أنواع العنف والقسوة. لكنّ هناك وجهًا آخر فى الحروب، وهى رؤية أحسن ما فى البشرية، والتى تتجلى فى أشكال التضامن، والشجاعة، وروح المجتمع.. ففى الحرب نرى لمحات ومَشاهد من الإنسانية تساعد على فهم العالم قليلًا، وكيف يمكن أن نعيش فيه. 

فى الوقت نفسه، هناك شىء آخر مثير للغضب، وهى مشاهدة تغطية الإعلام السائد فى «أمريكا» للعالم العربى؛ لأنها تغطية اختزالية، ومنحرفة، واستشراقية، ومؤذية جدًا. وعليه؛ كنت أهتم بالمشاركة فى تقديم سرديات مختلفة بالتعاون مع أصدقائى وزملائى.

تحقيقك فى اغتيال «شيرين أبو عاقلة» شكل محطة فارقة.. كيف أثر عليك إنسانيًا قبل أن يكون إنجازًا مهنيًا؟

- أظن أن قتل «شيرين أبو عاقلة»، وغياب المحاسبة فى قضيتها كان لحظة محورية عمومًا.. فشيرين كانت من أبرز الصحفيين فى العالم العربى، وقُتلت برصاص قناص إسرائيلى فى وضح النهار، رغم ارتدائها سترة الصحافة والخوذة الواقية، فى منطقة لم يكن فيها تبادل إطلاق نار، فى حادث مصور كاملًا بالفيديو، شهده زملاؤها. 

أظن أن الحصانة فى قتل «شيرين» مهد الطريق لإسرائيل لكى تقتل الصحفيين فى «غزة» بشكل غير مسبوق؛ إذ قتلوا أكثر من 260 صحفيًا- حتى الآن- دون أى حساب.

 لو كان إحسان عبدالقدوس حاضرًا اليوم، ماذا تتمنى أن يقول لك بعد مسيرتك الصحفية وتحقيقك عن شيرين أبو عاقلة وعن الجوائز التى تسمتلها؟

- رغم أننى ما زلت أحتفظ وأعتز بذكرياتى معه، لكن كنت أتمنى أن يظل على قيد الحياة ليرانى صحفيًا.. كنت أرغب فى الحديث معه، واستشارته، وأن أستمع لنصائحه الصحفية، وأن نُجرى نقاشات سياسية مطولة. 

كما كنت أحب أن أقابله وأسمع منه عن حياته المذهلة، وأكتب عنه.. أما فيما يخص عملى الصحفى فكنت أتمنى أن يكون فخورًا بى.

«ولذة الحياة فى أخطارها».. هل تشعر أنك تسير على النهج نفسه الذى كتبه جدك، وهل كانت اختياراتك الصحفية الصعبة وتغطيتك للملفات الشائكة امتدادًا واعيًا لهذه الفلسفة؟

- أظن أننى أسير على درب جدى، لكن بشكل آخر، أى أشعر أن لدى طريقًا مختلفًا؛ بسبب اختلاف الزمن والسياق السياسى.. فاختياراتى لم تكن امتدادات واعية لفلسفته. 

ولكن بعدما بدأت أعمل كصحفى، وتتشكل هويتى السياسية، بدأت أكتشف أننى أملك الكثير من دوافعه. فى الحقيقة.. أشعر أن لدىّ الكثير من دوافع أمّه «روزاليوسف» التى تماثل سياساتى، وفلسفة مقاربتى، وتفكيرى فى الممارسة الصحفية. 

على سبيل المثال؛ كتبت «روزاليوسف» مقالاً بعنوان: «عشرون عامًا فى الانتظار» نشر فى عدد 24 أكتوبر 1945، حينما قرّرت تعيين «إحسان» رئيسًا للتحرير، نشرت فيها نصائح من أم لابنها، ومن جيل إلى جيل؛ هذا المقال بما يحمله من نصائح أثر فى وجدانى بشدة حتى الآن. 

أنا- حقَا- ما زلت أستكشفها وأستكشف جدى، دائمًا منبهر وفخور أننى امتداد لهما.