الثلاثاء 20 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

أبى الممثل

بطل هذه القصة هو أبى، وأخى، وصديقى، الأستاذ محمد عبد القدوس.. وقد أردت أن أقدمها لخصومى الذين لم يجدوا ما يعيروننى به، فعيروني بأنى ابن ممثل وممثلة.



منزل الشيخ أحمد رضوان (جد إحسان)، باشكاتب المحكمة الشرعية.. كان يتكون من ثلاثة أدوار.. الدور الأعلى، خصصه الشيخ الطيب لنفسه، وكانت به حجرة صغيرة ضيقة، ازدحمت بالكتب الدينية، وكان أهل البيت يطلقون عليها «المعبد خانة». أما الطابق الأوسط، فقد خصصه الشيخ لزوجته التركية الجليلة، وأولاده.

أما الطابق الأسفل، فكان الشيخ يستقبل فيه ضيوفه، من رجال الأزهر، والمحاكم الشرعية وكبار رجال الفن.. وعلى رأسهم عبده الحامولى ومحمد عثمان.

وفي إحدى هذه الليالي.. عاد الشيخ وفي يده عود من النعناع لكل ضيف.. وألهمت هذه الرقة محمد عثمان فأمسك عوده وغنى: «يا بتاع النعناع يا منعنع... يا بتاع النعناع يا شيخ أحمد!» وقد ذاعت هذه الأغنية ذيوعاً عم مصر كلها.

وفي هذا الجو العجيب ولد ابن الشيخ (والد إحسان عبد القدوس)، وقد نشأ وهو يسمع أباه يتلو القرآن، ويسمع عبده الحامولى يغنى القصائد والتواشيح ، فآمن بأن الدين فن والفن دين.

وكان له دلال على أبيه، فسمح له أبوه أن يجلس معه في «المعبد خانة» في الأوقات التي يخلو فيها إلى ربه.

وسمح له هذا الدلال أن يحضر مجالس الفن والطرب التي يعقدها الشيخ، فكانت الألحان ترن في آذانه، وتسري في دمه.. فلما كبر أصبح يلحن أدوارًا موسيقية ناجحة دون أن يكون قد درس الموسيقى أو تعلم أصولها. 

وعندما كان فى الثانية عشرة، صحبه خادم البيت ذات ليلة إلى مهرجان المولد النبوي، ودخل به إلى سيرك الحاج سليمان- وكان أشهر سيرك في عهده- وهناك شاهد «البلياتشو»لأول مرة وضحك حتى اغرورقت عيناه بالدموع.  ولم يكن الطفل ينظر إلى البلياتشو كما ينظر إليه الناس، بل كان ينظر إليه كنعمة من نعم الله ورسول من لدنه تعالى حمل رسالة إسعاد البشر.

وفجأة بدأ يرى النور الذي عاش يبحث عنه، وبدأ يهتدي إلى الشيء الذي كان ينقصه.

وكان هو أول من ابتكر فن المونولوج الموسيقي في مصر وكان أول مونولوج اشتهر عنه هو مونولوج «العروسة».

وعندما تخرج في مدرسته، عين ناظرًا لمدرسة الصنائع بنجع حمادى، وكان مركزًا مرموقًا بالنسبة لسنه، لكن إحساسه الفني غلبه..فاستقال.

وثار عليه أبوه الشيخ، وحاول أن يثنيه عن الاشتراك في الفرق التمثيلية العامة.. لكن الابن رفض والتحق بفرقة «عبد الرحمن رشدى».

تحايل الابن بمساعدة بعض أفراد أسرته، وأتى بأبيه ليشاهد إحدى المسرحيات التى كانت تقدمها فرقة «عبد الرحمن رشدى»..فوجئ الشيخ عندما رأى ابنه، وغضب...وعندما انتهى الفصل الأول، صفق الشيخ طويلًا.. وكان يصفق لابنه.

وهنا أجد نفسى مضطرًا إلى اختصار صفحات كثيرة.. صفحات رفعت معهد الموسيقى الشرقي إلى القمة، وأنقذت جمعية أنصار التمثيل من الاندثار، وأنعشت النادي الأهلى، وسجلت إعجاب مدارس إيطاليا الفنية بمصري كان يمثل أمامها، فمنحته أعلى الشهادات، دون أن يفهم أساتذتها ماذا يقول.

لكن الممثل اضطر يومًا أن يعود موظفًا، فإنه تزوج، وأنجب، وأحس أنه مسئول عن طفله.. فاختار بنفسه منصبًا لا يعيقه عن الاشتغال بفنه.

وكبر الابن (إحسان) ونال شهادة الحقوق، فجاءه أبوه وقال له: «أخشى أن يكون اشتغالى بالتمثيل عقبة في طريقك.. ولم يعد لي الآن إلا فني وسأضحي به من أجلك» ذهل الابن..وبكى وأجاب: «إننى أعرف أبى ممثلًا، فإن هجر التمثيل فقد أتوه عنه». احتضن الأب ابنه.. وقال: «هذا ما كنت أنتظر أن أسمعه منك.. عشت لي». وسار الابن والأب كل في طريقه.

المقال نشر فى «الكتاب الذهبى» لروزاليوسف

«إحسان الحب والحرية»