صاحبتا الفضل الأول فى بناء حياتى العامة وتكوين شخصيتى
أمى.. وزوجتى
روزاليوسف
منذ بدأت أتحمل مسئولية تحديد رأيى وتحديد موقفى، أنا مدين بالفضل فى بناء كيانى كله لسيدتين، هما: أمى.. وزوجتى.. ليس لمخلوق آخر فضل علىّ، ففضلهما لا يقتصر على بناء حياتى الخاصة، لكنهما صاحبتا الفضل الأول فى بناء حياتى العامة أيضًا.. فى تكوين شخصيتى التى كافحت بها، وفى إعانتى على احتمال الصعب، وفى اجتياز السقطات، وفى تحقيق ما يمكن أن أكون قد حققته من نجاح.
أمى امرأة عاملة..
وزوجتى امرأة ليست عاملة..
وأقصد طبعًا المرأة التى تعمل خارج نطاق العائلة.
أيهما يمكن أن تكون صورة لما ندعو إليه كل نساءالعالم.. هل ندعو كل نساء العالم إلى احترام العمل، أم ندعو كل نساء العالم إلى التفرغ لمتطلبات الكيان العائلى؟
وربما منذ بدأت أثق فى أنى أستطيع أن أصل إلى رأى وأن أحدد موقفًا، وقد اكتشفت أن هذا التساؤل هو تساؤل سخيف لا لزوم له، وأن الطبيعة الإنسانية قد حددت دور المرأة فى المجتمع كما حددت دور الرجل منذ بدء الخليقة، وأن هذا الدور لم يتغير منذ أيام حواء إلى اليوم، فإذا كانت أنديرا غاندى- مثلًا- تحكم الهند اليوم فإن هذا لا يعتبر تطورًا فى وضع المرأة الاجتماعى، فقبل أنديرا تحملت كليوباترا وحتشبسوت وبلقيس نفس المسئولية، وكذلك كل ما تتصور المرأة أنها حققت به عامًا جديدًا بالنسبة لها ليس فى الواقع عالمًا جديدًا إنما هو استمرار لطبيعة المجتمع الإنسانى منذ وجد. وكل التجمعات والتنظيمات النسائية التى تقوم مطالبة بحق المرأة فى العمل أو بتحرير المرأة هى فى الواقع مجرد تحركات مظهرية لا يمكن أن تكون لها نتائج إيجابية فى تطوير أسس المجتمع الإنسانى لأنه مجتمع يتحكم فيه منذ وجد عنصر واحد وهو عنصر الحاجة..ولذلك فإنه يلاحظ فى الدول الأكثر تقدمًا أن التنظيمات والحركات النسائية أقل وأضعف منها فى الدول النامية أو الدول الأقل تقدمًا، فالتنظيمات النسائية فى بريطانيا مثلًا أضعف من التنظيمات النسائية فى مصر، لأن التقدم يفرض الاعتراف بواقع المجتمع الإنسانى، وهذا الواقع يفرض الارتفاع فوق عنصرية الجنس، والاستسلام لعنصرية الحاجة.
حاجة الانسان.. سواء كانت حاجة تشمل الكيان الاجتماعى كله أو كانت حاجة فردية..
قد تكون حاجة وطنية..
وقد تكون حاجة اقتصادية..
وقد تكون الحاجة إلى التغلب على الفراغ..
وقد تكون الحاجة إلى التعبير عن موهبة... إلخ
فبالنسبة للحاجة الوطنية كحالة حرب مثلًا، كان للمرأة دور فى كل الحروب منذ بدأ المجتمع الإنسانى يعرف الحرب.
وكذلك بالنسبة للحاجة الاقتصادية، وعندما تختلف الحاجة، تختلف معها الأوضاع والتقاليد الاجتماعية بين الرجل والمرأة حتى بين أفراد المجتمع الواحد والطبقة الواحدة، فالمرأة الفلاحة إذا ارتفع مستوى دخلها أو دخل عائلتها وأصبحت ثرية، أصبحت لا تعمل فى الحقل ولا فى أى عمل آخر خارج البيت لا لأنها أصيبت بالغرور أو الترفع عن العمل لكن لأنها لم تعد فى حاجة إليه.
وتأتى بعد هذا الحاجة إلى التغلب على أوقات الفراغ، وهى حاجة يتعرض لها الرجل والمرأة.. والفراغ أو الوقت الفارغ هو أخطر ما يمكن أن يتعرض له الفرد والمجتمع.
وهناك من يعتقد أن المسئولية العائلية لا يمكن أن تترك أوقات فرغ للمرأة، لكن المهم هو تطوير المسئوليات والاختصاصات بين أفراد العائلة الواحدة بحيث لا تترك مجالًا لأحد، وأنا أعرف عائلة كانت الزوجة فيها متفرغة للبيت والأولاد ثم كبر الأولاد وانتظمت أعمال البيت بحيث بدأت تجد فى أوقاتها فراغًا، وحتى يحمى الزوج زوجته من الفراغ سلمها كل ميزانية العائلة أى أصبحت وزيرة المالية المسئولة عن الإيراد والمصروف والمسئولة أيضًا عن «التحويش» ووصلت مسئوليتها إلى أن أصبحت تتولى أيضًا محاسبة الضرائب، وعندما وجد الزوج أنه لا يزال فى وقتها فراغ سلمها الإشراف على ممتلكات العائلة الخاصة، بحيث شغل وقتها كله ولم يكن بذلك يريح نفسه بل كان يكسب هو الآخر وقتًا لتحقيق مزيد من الإنتاج، وكان يقول إن الرجل فى البيت هو الآلة التى تنتج والزوجة هى المشرفة على هذه الآلة بحيث تجعلها دائمًا قادرة على الإنتاج وعلى زيادة الإنتاج وهى أيضًا المسئولة عن استغلال وصيانة هذا الإنتاج لصالح العائلة.
بهذا المنطق اكتشفت الفرق بين أمى السيدة فاطمة اليوسف- التى عاشت حياتها فى أوسع وأشق وأخطر مجالات العمل العام، وزوجتى التى لا تعمل خارج مسئوليات حياتنا العائلية.. كل منهما كان صادقًا فى الاستجابة لحاجته الفعلية..
ونجحت أمى..
ونجحت زوجتى..
(المقال نشر فى كتاب «إحسان عبدالقدوس أمس واليوم وغدًا» للكاتبة نرمين القويسنى عام 2015)







