إحسان والرقابة: الحب تحت تهديد السكين!
عصام زكريا
قبل أن أكتب كلمة يجب أن أدلى باعتراف خطير وهو أننى، مثل كثيرين، ظلمت إحسان عبدالقدوس.
لقد كان «إحسان» واحدًا من أكثر الأدباء الذين ظُلِموا فى حياتهم ومماتهم (وأستثنى من هذا الظلم القارئات والقراء الذين لا يزالون يقبلون على قراءة أعماله بشغف لا ينقطع). صحيح أنه واحد من أكثر الأدباء شعبية، مع التأكيد على أن «الشعبية» وحدها لا تعنى العظمة، وكم من مواهب متوسطة ومتواضعة فى حياتنا تحظى بالشعبية، ولكن فى حالة إحسان أعتقد أن شعبيته كانت سلاحًا ضده، سواء من قبل النقاد أو من جحافل الرجعيين والمحافظين بألوانهم وأجيالهم الذين دأبوا على مهاجمته وفرض الرقابة على أعماله بشتى الطرق، وقد أضيف إلى هؤلاء نفر لا بأس به من «التقدميين» الذين رأوا أن أعماله رجعية فى مكنونها.
وأعترف أننى من الفئة الأخيرة التى ترى أن هذه الأعمال؛ خصوصًا فى نهاياتها، محافظة، ومحدودة فى درجة دفاعها عن الحريات الشخصية والدينية والسياسية.
غموض محبب وتعدد مطلوب
هذا التباين فى الأحكام طبيعى؛ وبخاصة فى الفن. ذلك أن الفنان، على عكس المفكر الذى يجب أن يكون واضحًا، يفضل أن يكون «غامضًا»، وأن يكون عمله متعدد الأصوات والآراء؛ لأن هدفه هو إثارة الأسئلة المسكوت عنها وتحريك المشاعر الكامنة فى الظلام، وليس إلقاء عظة سياسية أو دينية أو درسًا فى التنمية البشرية، يضاف إلى ذلك كم الضغوط والشروط التى يلقاها الفنان من الرقابة الرسمية والاجتماعية والذاتية، والمساومات التى ينبغى عليه أن يقوم بها، لكى يستطيع تمرير أفكاره، وحتى اللغة والمفردات التى ينبغى عليه أن يستخدمها أو لا يستخدمها. وفى حالة «إحسان» تحديدًا؛ فقد كانت هذه الشروط والضغوط والمساومات المفروضة أكثر من أن يتحملها بشر.
فى الآونة الأخيرة أتيح لى أن أطّلع على بعض رسائل ومقالات إحسان التى يتحدث فيها عمّا تعرّض له من هجوم ورقابة، كما قمت بمقارنة بعض رواياته بالأفلام التى صنعت عنها، وببعض الطبعات المختلفة التى تعرضت خلالها هذه الأعمال للحذف والتبديل. وتوصلت إلى قناعة أن الرجل، الذى كان يبدو ناجحًا ومحبوبًا من الجميع ومحصنًا من بطش السلطة وقوَى التخلف، كان فى الحقيقة يعيش فى جحيم!
كل أنواع الرقباء!
مَن يقرأ رسالته إلى طه حسين التى يكاد يبكى فيها مما تعرّض له من اتهامات وهجوم بسبب رواية «أنف وثلاث عيون»، أو رسالته المشابهة إلى توفيق الحكيم، أو رسالته إلى الرئيس عبدالناصر شخصيًا التى تحمل انزعاجًا شديدًا مما وصله من أن الرئيس لم يعجبه ما جاء فى قصص مجموعة «البنات والصيف»، ويضطر فيها إلى تبرير نفسه بأن ما كتبه أقل بكثير مما يوجد فى الواقع، وأن هدفه من وراء كتابتها هو إصلاح المجتمع والأخلاق، مع التأكيد على أنه ليس مُلحدًا ولكنه مؤمن ويصلى!
لقد وجد إحسان عبدالقدوس نفسه فى موقع المُدافع، الذى ينبغى عليه دائمًا أن يبرر أعماله وكتاباته، ربما كان ذلك صفةً من صفات شخصيته، أو ربما لأن الضغوط التى تعرّض لها كانت تستدعى ذلك. ورغم أن إحسان، بحكم أنه صحفى كبير ومؤثر ومالك لمؤسّسة صحفية (مع والدته روزاليوسف)، كان قريبًا جدًا من دوائر السلطة؛ بل مشاركًا إلى حد كبير فى ثورة يوليو وما تلاها، وصديقًا شخصيًا لصناعها؛ وبخاصة عبدالناصر والسادات، إلا أن هذه السلطة نفسها كانت تفرض عليه من الممنوعات والضغوط أكثر مما تسمح له بالبوح. وقد تعرّض «إحسان» سواء فى عهد عبدالناصر أو السادات إلى كثير من الرقابة وبعض البطش أحيانًا.
وإذا تركنا الرقابة الرسمية التى تعرّضت لها أعمال إحسان عبدالقدوس الأدبية والصحفية والسينمائية؛ فإن الرقابة الأسوأ التى تعرّض لها كانت من الرأى العام، ليس من اليمين المحافظ فحسب، ولكن حتى من اليسار التقدمى؛ بل بعض «زملائه» مثل العقاد الذى هاجمه بقسوة، أو الذين تخلوا عنه وقت الأزمات مثل توفيق الحكيم ويوسف السباعى.
تبريرات واعتذارات
لعل إحسان عبدالقدوس هو الأديب الوحيد الذى تتصدر أعماله مقدمات قصيرة أو طويلة محملة بالتبريرات لما يكتبه والدفاع عن نفسه فى مواجهة الانتقادات المحتملة. ومن أعجب الأمور أنه قام بكتابة مقدمة للطبعة الثانية من «النظارة السوداء» (المنشورة 1949) بمناسبة إعادة نشرها فى 1952، عقب قيام ثورة يوليو، يبرّر فيها نفسه، ككاتب سياسى وطنى لا يجد غضاضة فى كتابة قصص الحب، مستشهدًا بشعراء وفنانين عالميين، ولكنه يعود إلى كتابة مقدمة جديدة للطبعة الثالثة، الصادرة فى 1956، يقول فيها أنه الآن أصبح أكثر نضجًا وأنه حين كتبها كان شابًا مندفعًا، لا يحسب حسابًا لأحد، أشبه بصبى يرتدى البنطلون القصير.. ورغم أنه ينهى المقدمة مؤكدًا اعتزازه بالبنطلون القصير؛ فإن المقدمة نفسها تشبه نوعًا من الاعتذار والتبرير.
يتكرّر الأمر نفسه مع رواية «أنا حرة» التى صدرت طبعتها الأولى مسبوقة بمقدمة يشير فيها «إحسان» إلى تعرُّضه للمتاعب بسبب القصة عندما نشرت لأول مرة فى مجلة «روزاليوسف»، وأنه كان يستطيع تعديل بعض العبارات وتغيير نهايتها، لكنه صمّم أن تبقى «أنا حرة» حرة فى اختيار نهايتها!.. ومرة أخرى صدرت الطبعة الثانية من القصة بمقدمة جديدة يقول فيها أنه أصبح شخصًا آخر لا يعرف نفسه فى هذه القصة، ويلوم نفسه على بعض الأخطاء «الفنية» التى اتسمت بها أعماله الأدبية الأولى، ومنها «أنا حرة» التى كتب جزءًا من حوارها بالفصحى والآخر بالعامية، كما يشير إلى أنه قام بتغيير وتصحيح هذا الخطأ فى الطبعة الجديدة!
ربما يكون من المقبول أن يقوم كاتب بتعديل كتاباته القديمة، ولكن الفضيحة التى لا يمكن غفرها أو فهمها ما فعله ناشر «مكتبة مصر» عبدالحميد جودة السحار (ويفترض أنه أديب!) الذى قام بتعديل وحذف فقرات من أعمال إحسان عبدالقدوس (وأدباء آخرون منهم نجيب محفوظ) فى الطبعات التى صدرت فى تسعينيات القرن الماضى (استجابة، غالبًا، للتيارات المتطرفة آنذاك)، وهو ما أدى، بعد انكشاف الجريمة، إلى قيام ورثة إحسان بسَحب كتبه من دار النشر وإعطائها لناشرين آخرين.
السينما الأكثر تشويهًا
أحبت السينما المصرية إحسان عبدالقدوس أكثر من أى أديب آخر، ولكنها أيضًا شوهت أعماله أكثر من أى كاتب آخر. ولسنوات طويلة كنت أرى فى «أنا حرة» و«النظارة السوداء» صورًا للرجعية المتنكرة فى زى الحرية، ولم أكن قد انتبهت للاختلافات الهائلة بين الأصول الأدبية والأفلام المقتبسة عنها. والنهاية التى يشير «إحسان» إلى أنه رفض تغييرها فى «أنا حرة» تغيرت فى الفيلم، مع أشياء أخرى كثيرة. والقصة التى اعترض عليها عبدالناصر فى مجموعة «البنات والصيف» تغيرت نهايتها فى الفيلم، وأكثر من ذلك حدث مع «أنف وثلاث عيون» و«العذراء والشعر الأبيض» التى تعرضت لأنواع من «التعقيم الجنسى»، بينما تعرضت أعمال أخرى مثل «حتى لا يطير الدخان» إلى «تعقيم سياسى» كامل.
لقد تعرضت كل أعمال «إحسان» التى تحولت إلى أفلام إلى الحذف والتعديل، مرة علاقة جنسية ومرة ديانة إحدى الشخصيات ومرة مصير البطلة أو خاتمة الرواية، وآثار يد هذه الرقابة يمكن أن نجدها بدرجات أقل حتى فى أكثر أعماله «دعائية» مثل «الله معنا» و«فى بيتنا رجل». ومن بين كل الحكايات الغريبة فيما يتعلق بالرقابة وأعمال إحسان عبدالقدوس ذلك الحوار العجيب القديم الذى أجرته صفاء أبو السعود مع المخرج الراحل حسين كمال على قنوات ART. من المعروف أن حسين كمال هو أكثر مُخرج قدّم أفلامًا عن قصص عبدالقدوس وصلت إلى 9 أفلام، ما يعنى أنه من أكثر المعجبين به وبكتاباته وأن أحدًا لم يفرض عليه تحويل هذا العمل أو ذاك إلى فيلم. ولكن حسين كمال فى حواره يشير إلى محادثة عاصفة بينه وإحسان أثناء الإعداد لصنع «العذراء والشعر الأبيض»، أصر خلالها «كمال» على إجراء تغيير (من شأنه هدم فكرة العمل الأصلى) وهو عدم حدوث علاقة جنسية بين الفتاة المراهقة وزوج أمها بالتبنّى، وحملها منه وتواطؤ الأم مع ذلك، وهو ما يتسق مع قصص المجموعة كلها التى تصور أشكالًا من الفساد المالى والسياسى فى السبعينيات.
فى المناقشة العاصفة بين مؤلف القصة ومخرج الفيلم يتهم «إحسان» حسين كمال بأنه جبان وخائف من الرقابة، ولكن الثانى يصر على موقفه مبررًا ذلك- حسب ما قاله لمذيعة الـART المعتزلة وزوجة الشيخ صاحب المحطة- أنه رجل شرقى تَربّى بطريقة معينة ولديه أصول وهناك أشياء لا يقبلها. مَن عرفوا حسين كمال يعرفون أنه ليس على الإطلاق ذلك المحافظ الذى لا يقبل أشياء بعينها، ولكن الغريب أكثر إذا كان محافظًا حقًا، أو إذا كان يخشى الرقابة، فلماذا اختار هذه القصة من الأساس؟!
وهو ما يُذكرنا بمشهد مشابه فى حياة إحسان كان يتمنى أن يكتب عنه قصة: ذات يوم زاره شخص ما طالبًا خدمة، فلما اعتذر «إحسان» عن أدائها قام الرجل بتحريض أحد أعضاء البرلمان لتقديم استجواب ضد رواية «أنف وثلاث عيون»، ولما تم حفظ الاستجواب زاره عضو البرلمان ليخبره بأنه لم يقرأ الرواية ولكنه سمع الناس تتكلم عنها!
فى النهاية أفكر: ما الذى كان يمكن أن يتغير أو ما الذى كان يمكن ألاّ يتغير لو أن «إحسان» كان يعيش فى مجتمع أكثر استقامة وشجاعة؟!







