الجمعة 16 يناير 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

3 أزمات دولية فاقمت الدين العام العالمى

كيف ستتحرر الحكومة من أعباء الديون؟

الدين العام هو تلك القروض الداخلية والخارجية التى تبرمها الدولة من أجل سد فجواتها التمويلية، عندما لا تكفى مواردها المحلية، لتغطية حاجات الإنفاق العام، وللدين دور مهم باعتباره أحد أهم مصادر تمويل التنمية، لكن تظهر مُشكلة الدين العام عندما تتراكم الديون وفوائدها، وتحد نفقات خدمتها من قدرة الدولة على تخصيص النفقات اللازمة لتسيير الدولة.  



 

أبعاد قضية الدين العام

وهناك العديد من المؤشرات التى تُعبر عن مُستويات الدين العام للدول، منها: مؤشر مُقارنة مُعدل الدين العام بمعدل النمو، ومؤشر نسبة أعباء خدمة الدين مُقارنة بإجمالى النفقات العامة، ومؤشر نصيب كل مواطن من الدين العام، لكن المؤشر الأشهر هو مُقارنة نسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالى، حيث اتخذت اتفاقية ماستريخت لإنشاء الاتحاد الأوروبى بهذا المعيار منذ تاريخ نفاذها فى عام 1993، حيث اشترطت ألا تتجاوز ديون الدول الأعضاء نسبة 60 % من الناتج المحلى الإجمالى. والواقع هو أن العديد من دول الاتحاد الأوروبى قد تجاوز تلك النسبة بكثير، ومن ذلك أن شهد عام 2025 تسجيل مُعدلات ديون مُتزايدة لأعضاء الاتحاد مقارنة بالناتج المحلى الإجمالى، بلغ نحو115 % فى فرنسا، و103 % فى إسبانيا، و106 % فى بلجيكا، و138 % فى إيطاليا، و151 % فى اليونان. وفى جانب آخر نجد أن ديون الولايات المُتحدة الأمريكية قد بلغت نحو 125 % من الناتج المحلى الإجمالى بنهاية 2025، فى الوقت الذى سجلت فيه ديون الصين نحو 88 %، واليابان نحو 230 %، وهو ما يُعبر عن أن الأقدر هو النظر لقضية الديون وفقًا لقدرات الدولة المالية، ومدى تناسب حجم الدين مع مُعدلات النمو بها، ومدى قدرتها المُستدامة على السداد دون إحداث اضطرابات اقتصادية أو اجتماعية.

الدين العام أزمة عالمية

 

وبالنظر للواقع العالمى نجد أن أزمة الديون العامة بدأت مُنذ الأزمة المالية عام 2008، وأخذت فى التصاعد إلى أن تسببت جائحة كورونا، والحرب الأوكرانية، والصراعات الجيوسياسية العالمية إلى تسجيل الدين العام العالمى نحو 345 تريليون دولار بنهاية عام 2025 بنسبة تصل إلى نحو 310 % من الناتج المحلى العالمى وفقًا لتقديرات معهد التمويل الدولى، وهو ما يُعبر عن أزمة ديون عالمية.

وبالنظر للحلول التى تُقدمها المؤسسات الدولية للدول بما فيها صندوق النقد، والبنك الدوليين، فى مجال التعامل مع قضية الديون، نجد أنها تتركز على تبنى سياسات انكماشية، تتركز فى محاور أهمها، فى مجال النفقات، أن يتم خفض الإنفاق الاستثمارى، ووقف التعيين فى الوظائف العامة، وتقليص مُخصصات الدعم، والسيطرة على زيادات الأجور، وتخارج الدولة من النشاط الاقتصادى. وفى مجال الإيرادات، العمل على زيادة الإيرادات الضريبية، وتقرير زيادة فى الرسوم المُختلفة، ونقل ملكية أكبر قدر من الأصول للقطاع الخاص، ووضع سقف للدين العام، مع استخدام أذون وسندات الخزانة كعلاج مؤقت حتى تظهر آثار الإجراءات السابقة.

تاريخ الدين العام المصرى

 

وقضية الدين العام المصرى هى قضية اقتصادية واجهت تشوهًا وخلط مفاهيم تاريخى، ومن ذلك أن البعض يردد أن مصر كانت تدين بريطانيا فى عهد الملكية، بينما الثابت هو أن مصر كانت مدينة بمديونية كبيرة منذ عهد الخديو إسماعيل، وأن ارتفاع أسعار القطن مع نشوب الحرب العالمية الأولى ساعدها على سداد جانب كبير من الدين، وتحويل الجانب الآخر لدين داخلى لمُساندة دولة الاحتلال فى الحرب، لكن ظل ملف الدين المصرى مفتوح دائما، وله ما له، وعليه ما عليه. فالديون هى أداة تمويل يُمكن استخدامها لصناعة التنمية، كما يُمكن أن تصنع كوارث اقتصادية، والعبرة هنا تكون بالاستخدام الرشيد لآلية الاقتراض، واختيار التوقيت المُناسب للحصول على التمويل، والمشروعات الأهم لتوجيهه، والأسلوب الأمثل لسداده، ويجب ألا ينتظر المواطن اللحظة التى تتم فيها سداد كافة ديون الدولة لأن الوصول لتلك اللحظة لا يُعتبر الهدف الأمثل اقتصاديًا، لكن الهدف يجب أن يكون هو الوصول لأفضل استخدام لملف التمويل بالدين بما يُناسب حاجة الدولة للتنمية، وقُدرتها على السداد، وفقًا لأولويات التنمية، وبما لا يؤثر على قُدرة الدولة على التمويل الاجتماعى.

 

تطورات الدين العام المصرى

تُشير التقديرات إلى أن الدين العام المصرى قد بلغ نسبة 89,5 % من الناتج المحلى الإجمالى فى عام 2010 كان منها نحو 35 مليار دولار فقط ديون خارجية تُمثل نحو 14 % من الناتج المحلى الإجمالى، وهذه النسب تُعبر عن عدم استفادة مصر من انخفاض تكلفة التمويل الدولى الذى بلغ لنسبة فائدة صفرية خلال الأزمة المالية العالمية 2008 رغم تعطش الاقتصاد المصرى للانطلاق خلال تلك المرحلة.

ومع دخول مصر فى حالة الاضطرابات السياسية مع بداية 2011 اتخذ الدين العام مسارًا تصاعديًا دون أن يكون له تأثير على صناعة التنمية ليسجل الدين العام نحو 92 % من الناتج المحلى الإجمالى بنهاية عام 2016 كان منها نحو 67,4 مليار دولار ديون خارجية، مثلت نحو 20,3 % من الناتج المحلى الإجمالى.

ومع انطلاق مصر فى مسار الإصلاح الاقتصادى بنهاية 2016، كان الهدف هو بناء نموذج تنمية حديث فى ظل ظروف هى الأصعب تاريخيًا، فتم استخدام آلية الاقتراض لتحريك الاقتصاد لصناعة النمو، ومع وضع تصور لقبول ارتفاع نسبة الدين فى بدية البرنامج الإصلاحى، ثم السيطرة عليها بعد ذلك، وهو ما تم بالفعل، حيث بلغ إجمالى الدين العام بنهاية عام 2019 نحو 74,9 % من الناتج المحلى الإجمالى منها نحو 115 مليار دولار دين خارجى مثلت نحو 19,3 % من الناتج المحلى الإجمالى.

ولكن مع بداية عام 2020 واجه الاقتصاد المصرى مجموعة غير مسبوقة من الأزمات الخارجية، بدأ من تداعيات جائحة كورونا، وتداعيات الحرب الأوكرانية، وتداعيات حرب غزة، وغير ذلك من صراعات جيوسياسية إقليمية وعالمية دفعت الدين فى مسار تصاعدى ليستقبل عام 2024 مُسجلًا الدين العام نحو 96 % من الناتج المحلى الإجمالى منها نحو 168 مليار دولار دين خارجى مثلت نحو 44,4 % من الناتج المحلى الإجمالى فى ظل ظروف هى الأصعب على الإطلاق.

أولوية ملف الدين العام

 

لم تكن قضية الدين العام هى الأولوية فى مطلع 2024، لكن كانت الأولوية هى اتخاذ إجراءات تثبيت اقتصادى يلتقط فيها الاقتصاد أنفاسه، ويعود إلى مساره الطبيعى بما يُمكن الدولة من التعامل مع قضية الدين العام، وهو ما تم من خلال توقيع صفقة رأس الحكمة التى تم من خلالها ضخ نحو 35 مليار دولار فى جسد الاقتصاد المصرى مكنت الحكومة من العودة لامتلاك زمام المُبادرة الاقتصادية، لتقوم بمجموعة من الإجراءات الإصلاحية فى برنامج إصلاحى جديد بالتعاون مع صندوق النقد الدولى، بدأت نتائجه تظهر تباعًا فى صورة تحسن فى مؤشرات النمو، والتضخم، والبطالة، والاحتياطى النقدى، وغيرها من المؤشرات التى سجلت نسبا أفضل مما توقعته المؤسسات الدولية، وهو الأمر الذى أعاد ملف الدين العام ليكون أولوية يتعين التعامل معها، فالحديث عن زيادة الدين يمكن أن نعتبره مؤشرا إيجابيا بأن الدولة االمصرية أصبحت جاهزة للتعامل مع هذا الملف، وطرحه للحوار المُجتمعى يعنى انفتاح الدولة المصرية ورغبتها فى مُشاركة الجميع بتقديم مُقترحاتهم لصياغة المسار الأمثل للتعامل مع هذه القضية.

 

علاج ملف الدين العام

 

ومن أجل علاج ملف الدين، يجب أن نقف عند التشخيص الصحيح لحالته، والذى يتمحور حول حقائق أهمها، أنه على المستوى العالمى، فإن أزمة الديون هى أزمة تُعانى منها اقتصادات العالم بالكامل، وعلى المُستوى المحلى، تُمثل قضية الدين أولوية قابلة للحل، سيما أن مصر نجحت بالفعل خلال الفترة من نوفمبر 2016 إلى نوفمبر 2019 أن تنزل بمعدل الدين كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى، من نحو 92 % إلى نحو 74,9 % وهو السيناريو القابل للتكرار.

والواقع أنه لا توجد وصفات سحرية للتصدى لملف تزايد الدين، كما لا توجد آلية بعينها صالحة لأن تكون حلًا وحيدًا لتلك القضية، وإنما يجب أن يكون الحل مُتعدد المحاور، ومُستدام التأثير. ويمكن لنا تقسيم علاج قضية الدين العام إلى: علاج ذى تأثير عاجل، وآخر ذي تأثير هيكلى مُستدام.

ويُعتبر تحقيق الموازنة العامة لفائض أولى كبير هو أساس العلاج المُستدام لقضية الديون، والفائض الأولى هو نسبة زيادة إجمالى إيرادات الدولة عن إجمالى مصروفاتها مع استبعاد مصروفات خدمة الدين، وهو الأمر الذى يمنح الدولة مساحة مالية تُمكنها من دفع الدين إلى مسار تنازلى، وقد نجحت مصر بالفعل خلال العام المالى (2024-2025) فى أن تُحقق فائضا أوليا كبيرا بلغ نحو 3,6 % من الناتج المحلى الإجمالى، وهى تستهدف زيادة هذا الفائض إلى نحو 4 % خلال العام المالى (2025-2026)، ليصل إلى نحو 5 % خلال العام المالى (2026-2027) فى مسار اقتصادى داعم للنمو بحيث تزيد نسب النمو عن نسب تزايد الدين العام، مع استمرار التوجه نحو وضع سقف للاستثمارات العامة، وللدين العام فى الموازنة ليكون ذلك بمثابة ضمانة للسيطرة على توجهات أجهزة الموازنة العامة للتمويل باستخدام القروض، وهو الأمر الذى بدأ تنفيذه بالفعل فى موازنة العام المالى (2025/2026) حيث تم تقرير سقف للاستثمارات الحكومية بلغ نحو 1,16 تريليون جنيه، وسقف للدين العام بلغ نحو 94,3 % من الناتج المحلى الإجمالى مع استهداف خفض سقف الدين العام فى موازنة (2025-2026) إلى نحو 90 % من الناتج المحلى الإجمالى، والنزول بهذا السقف تدريجيًا بما يمكن الدولة من تحقيق انخفاضات قياسية للدين العام فى المدى المتوسط.

كما تعمل الدولة على التصدى بعلاجات عاجلة لمُستويات الدين الحالية لخلق تأثير أكبر وأسرع، وذلك من خلال آليات مثل جذب استثمارات أجنبية كبرى على غرار صفقة رأس الحكمة يتم من خلالها الحصول على إيرادات كبيرة من العملات الأجنبية، واستخدام آلية تبادل الديون باستثمارات بأن يتم تحويل جانب من ديون الدولة إلى استثمارات للدول الدائنة بها بموجب اتفاقات توافقية بينهما، وهى الآلية التى سبق استخدامها بموجب اتفاقات تبادل ديون مع ألمانيا وإيطاليا، وجارٍ تنفيذها مع الصين.

والمؤكد هو أن الضمان الحقيقى للنجاح فى السيطرة على ملف الدين العام يتمثل فى الإدارة الجيدة التى تقوم على التنسيق بين أجهزة الدولة المعنية بهذا الملف، حيث يتم فى الجانب المالى اتخاذ إجراءات للدفع نحو زيادة الإيرادات العامة، والحد من المصروفات، وفى الجانب النقدى يتم تبنى سياسات تكفل استقرار أسعار صرف العملة المحلية، والتطوير المُستمر لإدارة الاحتياطى النقدى، والعمل على تنظيم آجال الديون وخفض تكاليفها، وفى المجالات المُرتبطة يتم الاستمرار فى الدفع نحو زيادة مُعدلات النمو للقطاعات الإنتاجية بما يُساعد على زيادة الصادرات، والعمل على تحقيق مُعدلات نمو قياسية لقطاعات السياحة، والاستخراجات من البترول، والغاز، والمعادن المُختلفة، كما يتم التركيز على استمرار مُبادرات تشجيع تحويلات المصريين بالخارج، ودمجهم فى مسار طروحات الشركات الحكومية من خلال آليات وسيطة تفتح لهم الباب فى ضخ جانب كبير من تحويلاتهم فى شراء حصص وأسهم فى الشركات الحكومية الرابحة.

وأخيرًا نؤكد أن التصدى لملف تزايد الدين العام ليس مجرد قرار لحظى، وإنما هو توجه يتم بناء عليه تبنى سياسات اقتصادية تحد من الاعتماد على الدين فى مجال صناعة التنمية، والعمل على تمكين القطاع الخاص بصورة تُخفف العبء عن الدولة، ولا تدفعها للعودة الإجبارية إلى مسار الاستدانة.

 

9 حلول لأزمة الدين العام

أولا: تبنى سياسات انكماشية، تتركز فى محاور أهمها، فى مجال النفقات كالتالى:

- يتم خفض الإنفاق الاستثمارى.

- وقف التعيين فى الوظائف العامة.

- تقليص مُخصصات الدعم.

- السيطرة على زيادات الأجور

- تخارج الدولة من النشاط الاقتصادى.

ثانيا: فى مجال الإيرادات:

- العمل على زيادة الإيرادات الضريبية.

-تقرير زيادة فى الرسوم المُختلفة.

-نقل ملكية أكبر قدر من الأصول للقطاع الخاص.

- ووضع سقف للدين العلم، مع استخدام أذون وسندات الخزانة كعلاج مؤقت حتى تظهر آثار الإجراءات السابقة.

 

دول كبرى تعانى من زيادة الدين العام عالميـًا فى 2025

1-  ديون الولايات المُتحدة الأمريكية؛ بلغت نحو 125 %؛ من الناتج المحلى الإجمالى بنهاية 2025.

2-  ديون الصين ارتفعت نحو 88 %. 

3 – ديون اليابان بلغت نحو 230 %.

4-  فى فرنسا ارتفع الدين العام ليسجل 115 %.

5 - إسبانيا ارتفع الدين بزيادة قدرها 103 %.

6-  بلجيكا سجلت ارتفاعًا للدين العام نحو %106.

7 – إيطاليا سجلت %138 زيادة للدين العام.

8 - اليونان بلغ الدين العام فيها %151.