الانتخابات البرلمانية والطبخة السياسية الباردة
الصندوق يهزم الأحزاب فى عام الضجيج الانتخابى
عبد العزيز النحاس
كشفت انتخابات مجلسى الشيوخ والنواب عن خلل حزبى عميق، لم يكن ممكنًا تجاهله، فما ظهر من عشوائية فى اختيار المرشحين، وارتباك فى إدارة المشهد الانتخابى، لم يكن خللًا إجرائيًا بقدر ما كان انعكاسًا لأزمة أعمق داخل الأحزاب نفسها، أحزاب تتحدث عن الديمقراطية ولا تمارسها داخل جدرانها، إلى أن جاء «الفيتو الرئاسى» لتصحيح ما بدا مسارًا انتخابيًا خاطئًا.
فحين يدرك المواطن أن ما يُقدم له فى ورقة الاقتراع أقرب إلى «طبخة سياسية باردة»، تتآكل الثقة وتتراجع الممارسة السياسية، فى لحظة دقيقة لا تحتمل العبث بمؤسسة تشريعية يُفترض أن تكون ركيزة الاستقرار فى «الجمهورية الجديدة»، ليبقى التساؤل: لماذا انتهى بنا المطاف إلى أطول استحقاق انتخابى، بدلًا من أن يكون الأفضل؟
فى الوقت الذى بدأ فيه مجلس الشيوخ أعماله بنشاط كبير بمناقشات وتعديلات لبعض أحكام القوانين، يدخل السباق الانتخابى لمجلس النواب أمتاره الأخيرة، بإجراء جولتى الإعادة بالـ19 دائرة الملغاة بقرار الهيئة الوطنية للانتخابات، والـ30 دائرة الملغاة بحكم المحكمة الإدارية العليا، لينتهى فى أعقاب ذلك وتحديدًا فى 10 يناير المقبل، الاستحقاق الانتخابى الأطول فى تاريخ الحياة النيابية فى مصر، وفقًا لتصريحات القاضى حازم بدوى رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات.
بالتأكيد قدمت «الوطنية للانتخابات» ومعها مؤسسات الدولة جهدًا كبيرا لإتمام هذا الاستحقاق- الأطول- إلا أننا هنا لا بد أن نطرح التساؤل الذى يهم المواطن المصرى، لماذا لم نشهد الاستحقاق الانتخابى الأفضل؟ خاصة فى ظل ما تحققه الدولة من إنجازات هائلة وإدارة احترافية لملفات عديدة.
وعى شعب وحكمة قيادة
المراحل المتعثرة التى مرت بها الانتخابات، عبَّر عنها رئيس الهيئة الوطنية للانتخابات بشفافية باعتباره الجهة التى تختص دون غيرها وفقًا للدستور بإدارة الانتخابات، حيث أشار إلى «تمسك المصريين بأن يكون هذا الاستحقاق بداية الطريق لتصحيح الممارسات الخاطئة التى حاول البعض استغلالها للقفز فوق إرادتهم بل وتغيير المسار النيابى إلى مسار ديمقراطى أكثر نضجا والتزاما، وأن هذا التغيير بدأ برقابة شعبية وقضائية لمواجهة هذه الممارسات والقضاء عليها».
بالتأكيد أن نتائج عدد ليس بقليل من الدوائر، كانت كاشفة للوعى الجمعى للمصريين؛ برفضهم أن توضع بصماتهم على اختيارات لا تمثلهم؛ إداركا منهم بأهمية تلك المؤسسة التشريعية والرقابية، وقد ظهر ذلك جليًا فى الدوائر الملغاة التى نجح المستقلون فى الفوز بكثير من مقاعدها، بجانب نسبة التصويت التى كان يُنتظر أن تكون على قدر أهمية مجلس النواب.
وهنا قد يتساءل البعض: هل نجح المصريون فى اختبار الانتخابات؟ بالتأكيد نجح المصريون.. لكن فى اختبار الوعى، الذى دعمهم فيه الرئيس عبد الفتاح السيسى بـ«الفيتو الرئاسى»، حين أوضح خلال تواجده بالأكاديمية العسكرية: «كنت بعمل فيتو لأن الناس مش عاجبها وأنا مش عاجبنى، آه بجد، أنا عاوز كل حاجة تبقى كويسة وشعبنا يستحق إن كل حاجة تبقى كويسة، المهم إن إحنا يكون عندنا القناعة والإرادة، ونغير حالنا للأحسن».
أحزاب بالتزكية
الانتخابات البرلمانية كشفت- بما لا يدع مجالا للشك- عن خلل حزبى كبير، فما جرى خلال العملية الانتخابية من عشوائية فى اختيار المرشحين وسوء إدارة للمشهد، أظهر أننا بحاجة ماسة إلى أحزاب حقيقية أو بالأحرى قيادات حزبية حقيقية، تدرك مسئولياتها تجاه الدولة والشعب، الذى استشعر وأدرك بأن هناك «طبخة» تُقدم له فى ورقة اقتراع، فالجمهورية الجديدة التى حلم بها الرئيس السيسى وآمن بها الملايين من خلفه لا مجال فيها للمخاطرة بمؤسسة تشريعية فى ظروف دقيقة تتطلب استقرارًا للمؤسسات.
ولكن لماذا لم يدرك من أُطلق عليهم «مهندسو الانتخابات» هذا الأمر؟... فى اعتقادى أن الأزمة تكمن داخل الأحزاب ذاتها والتى يتحدث قادتها عن الممارسات الديمقراطية فى حين أنهم بعيدون عنها بمسافات.. كيف يمكن لأحزاب لم تختبر الديمقراطية داخل جدرانها أن تدعى جدارتها فى المجال العام؟ فهذا سؤال يفرض نفسه عند النظر إلى مشهد انتخابى تحضره الأحزاب شكليًا وتغيب عنه ممارسة السياسة بمعناها الحقيقى، فعدد غير قليل من الأحزاب لم يعرف يومًا تداولًا حقيقيًا للقيادة، ولا انتخابات داخلية تنافسية تفرز كوادر مؤهلة، بل اكتفى بهياكل جامدة وقيادات ممتدة لا تتغير، أو يتم اختيارها «تزكية» فى الغرف المغلقة، وفى غياب هذه الخبرة التنظيمية والممارسة الديمقراطية، يصبح من الطبيعى أن تنعكس العشوائية على أدائها فى الاستحقاقات العامة، وأن نرى ارتباكًا فى اختيار المرشحين وإدارة الحملات، وهو ما يفسر جانبًا كبيرًا مما شهده سباق انتخابات النواب من تخبط وغياب للرؤية السياسية الواضحة.
البرلمان جاهز
ربما كانت انتخابات مجلس الشيوخ، أقل توترًا مما شهدته انتخابات «النواب»، لكن الأهم أن غرفتى البرلمان أصبحتا جاهزتين لأداء الدور المنوط بكل منهما، ولعل العملية التدريبية التى اتخذت حيال النواب الجدد للشيوخ كانت مبشرة للغاية، بتنظيم برنامج «أعضاء مجلس الشيوخ الجدد» الذى امتدت أنشطته على مدار تسعة أيام، جرى تنظيمها بين مقر الأكاديمية الوطنية للتدريب ومجلس الشيوخ، بما أتاح للأعضاء مزيجًا متكاملًا من التدريب المتطور والتعرّف العملى المباشر على آليات العمل البرلمانى داخل المجلس وخارجه.
والآن ننتظر من مجلس النواب القادم أداءً وجهدا كبيرا، يُزيل عنه غبار ما جرى بالانتخابات؛ بمناقشة قوانين مهمة للغاية وفى مقدمتها قانون الإدارة المحلية الذى تأخر صدوره سنوات، وأن يكون النواب على قدر المسؤولية فى أداء دورهم التشريعى والرقابى، بما يخدم الصالح العام.
أخيرًا
أصبح من الضرورى أن يكون العام 2026 بداية حزبية أكثر وعيًا بما يحتاجه المصريون، وأن تبدأ الأحزاب فى تجديد دمائها وبناء كوادر حقيقية تعبر عن أيديولوجياتها، بما يخدم صالح الدولة والمواطن.
كما لا يمكن إغفال الدور الذى قدمه الحوار الوطنى، الذى دعا إليه الرئيس شخصيا؛ لذا لا بد من أن يستعيد روحه ودوره لطرح كافة الأفكار حول أولويات العمل الوطنى فى الوقت الراهن، وأن يتم إعادة النظر فى قوانين الانتخابات، وإصلاح البيئة السياسية كاملة؛ أملًا فى أن نصل لانتخابات 2030 رافعين شعار أننا أمام أفضل استحقاق انتخابى فى تاريخ الحياة النيابية فى مصر.







