الإدارية العليا تقطع الطريق على الشائعات الممنهجة
البرلمان مُحصن بإرادة الناخبين
أسامة رمضان
حسمت الأحكام التاريخية الأخيرة الصادرة عن المحكمة الإدارية العليا، حالة الجدل الواسعة التى حاولت بعض الدوائر إثارتها حول الخريطة الزمنية لانتخابات مجلس النواب 2025، لتضع بذلك حدًا نهائيًا وحاسمًا لكل المخاوف والسيناريوهات القاتمة التى رُوجت حول موعد انعقاد البرلمان المقرر فى 12 يناير المقبل. ومع صدور تلك الحزمة من الأحكام، لم يتوقف دور القضاء عند حد الفصل فى الطعون الانتخابية فحسب، بل تجاوز ذلك ليرسى مبادئ دستورية وقانونية راسخة تحمى «صوت الناخب»، وتؤكد مشروعية المجلس القادم وصحة عضوياته.
جاء قرار المحكمة برفض 211 طعنًا من إجمالى 300 طعن مقدم فى المرحلة الثانية، مع إحالة 40 طعنًا فقط لمحكمة النقض، ليؤكد أن العملية الانتخابية سارت فى مسارها الصحيح، وأن أى محاولات للتشكيك فى مشروعية المجلس لا تستند إلى واقع قانونى سليم، خاصة أن المحكمة لم تقبل سوى طعن واحد فقط فى دائرة طلخا نبروة، فيما يتعلق بدوائر المرحلة الثانية، وهو ما يبرهن على دقة إجراءات الفرز والتجميع فى الغالبية العظمى من الدوائر.
وفى قراءة متعمقة لأحدث حيثيات المحكمة الإدارية العليا الصادرة فى 17 ديسمبر، نجد أن القضاء المصرى أراد توجيه رسالة طمأنة للشارع السياسى، بتأكيده على أن إرادة الناخبين تمثل «السيد والمرجع الأول» للعملية الانتخابية برمتها، وأنه لا يجوز بأى حال من الأحوال المساس بهذه الإرادة أو تشويهها نتيجة أخطاء حسابية أو تجميعية لا تجد لها صدى فى محاضر الفرز الأصلية..
وشددت المحكمة فى مبدأ قضائى بالغ الأهمية على أن قرار إعلان النتيجة لا يكون مشروعًا إلا إذا جاء كاشفًا كشفًا صادقًا عن واقع الأصوات الصحيحة الثابتة بالمحاضر، معتبرة أن أى قرار يصدر بناءً على نتائج غير دقيقة يعد منعدم السبب وفاقدًا للمشروعية، بل وذهبت المحكمة إلى أبعد من ذلك بتأكيدها أن أعمال الرصد والتجميع التى تجريها اللجان العامة لا تخضع لشرط «التظلم الوجوبي» المسبق، مما يفتح الباب واسعًا أمام الرقابة القضائية المباشرة لتصحيح أى انحراف فى الأرقام فورًا، وهو ما يعد ضمانة غير مسبوقة لنزاهة الصندوق.
من جانبه، فجر الفقيه الدستورى الدكتور صلاح فوزى، مفاجآت حول ما وصفه بـ «الحرب الشعواء» والضروس التى تتعرض لها الدولة المصرية ومؤسساتها الدستورية وقضاؤها الشامخ.
وأكد فوزى أن هناك حملة ممنهجة من الأكاذيب والافتراءات تم إطلاقها بالتزامن مع العملية الانتخابية، بهدف إرباك المشهد وتصدير صورة زائفة عن وجود «مأزق دستوري».
وفند بالدليل القاطع ما أثير حول قيام محكمة النقض بإحالة طعون إلى المحكمة الدستورية العليا، مؤكدًا أن كل ما روج فى هذا الشأن هو محض افتراء وتضليل للرأى العام، وضرب مثالًا بالدعوى رقم 7805 المقيدة برول 33، التى زعم مروجو الشائعات أنها تمثل أزمة دستورية، فى حين أن الطعن المقدم من المدعو على السيد محمد النيل، قد قضى فيه بالرفض من قبل المحكمة الإدارية العليا، ولم يصل أصلًا إلى عتبة محكمة النقض، وهو ما يكشف عن نية مبيتة لتحجيم إقبال المواطنين على الصناديق، عبر صناعة أزمات وهمية.
واستطرد فوزى فى تحليله القانونى، أن الإجراءات الجارية حاليًا بشأن الطعون سواء فى المرحلة الأولى التى شهدت إعادة الانتخاب فى 30 دائرة، أو فى المرحلة الثانية، هى إجراءات صحية تمامًا، وجزء لا يتجزأ من المسار الديمقراطى، ولا تؤثر بأى حال على سلامة البرلمان القادم.
وأشار إلى أن الدستور المصرى كان بعيد النظر حين وضع علاجًا لأى فراغ تشريعى محتمل، من خلال منح رئيس الجمهورية حق إصدار قرارات لها قوة القانون فى حال عدم انعقاد المجلس، وهو ما يضمن استمرار وظائف الدولة دون توقف.
كما انتقد فوزى، ما يثار حول «حل البرلمان»، موضحًا أن اختصاص محكمة النقض محصور فى صحة العضوية الفردية، وإذا ما قضت ببطلان مقعد نائب ما، فإن ذلك يؤدى ببساطة لانتخابات تكميلية على ذلك المقعد وحده، ولا يمتد أثره أبدًا لكيان البرلمان أو شرعيته الدستورية، مشيدًا بالهيئة الوطنية للانتخابات ككيان قضائى مستقل ورصين يمتلك الخبرة الكافية لإدارة أدق التفاصيل الزمنية.
وعلى صعيد متصل، قدم عصام شيحة، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، رؤية تفاؤلية تستند إلى الأرقام والوقائع، مؤكدًا أنه لا يوجد أى مبرر للحديث عن خلل قانونى أو دستورى فى ظل الإدارة المحترفة للهيئة الوطنية للانتخابات.
وأوضح شيحة أن الهيئة كانت تمتلك «خطة بديلة» وجداول زمنية مرنة لاستيعاب كافة الأحكام القضائية المفاجئة، وهو ما مكنها من إعادة الانتخابات فى الدوائر الملغاة بالمرحلة الأولى، دون الإخلال بالموعد النهائى للإعلان عن النتائج.
وأكد شيحة أن الجدول الزمنى الحالى يؤكد انتهاء كافة الإجراءات بحلول 10 يناير المقبل، وهو ما يعنى أن البرلمان سينعقد فى موعده الدستورى (12 يناير) دون تجاوز يوم واحد، مشددًا على أن الدولة المصرية أثبتت قدرة فائقة على إدارة الأزمات القانونية المركبة، وتحويلها إلى نقاط قوة تدعم نزاهة التمثيل النيابي.
ومع اقتراب طى صفحة الطعون الانتخابية، تبرز الأهمية القصوى للمرحلة المقبلة التى تبدأ فور أداء النواب للقسم الدستورى، فالبرلمان القادم لعام 2025 ليس مجرد حلقة فى سلسلة الحياة النيابية المصرية، بل هو برلمان «المهام الصعبة»، حيث ينتظره جدول أعمال تشريعى يمس صلب الحياة اليومية للمواطن ومستقبل الاقتصاد الوطنى، وسيكون على النواب الجدد منذ اللحظة الأولى الدخول فى معترك مناقشة حزمة من التشريعات الاقتصادية الهيكلية، وفى مقدمتها قوانين تحفيز الاستثمار الأجنبى المباشر، وتعديلات القوانين الضريبية، وإعادة صياغة منظومة الدعم لضمان وصوله لمستحقيه، بالإضافة إلى تنظيم الأسواق ومواجهة التضخم عبر آليات تشريعية رقابية صارمة.
كما لا يمكن إغفال الملفات الاجتماعية الشائكة التى ظلت قيد الانتظار، ومنها قانون الإدارة المحلية الذى يعد حجر الزاوية فى تطوير الخدمات بقرى ومدن مصر، وتعديلات قوانين التأمينات والمعاشات، بما يتواكب مع المتغيرات الاقتصادية الحالية، وهو حمل تشريعى ثقيل يؤكد أن الدولة لا تملك رفاهية الوقت للدخول فى جدليات قانونية عقيمة حول «شرعية الانعقاد»، وهو ما أدركه القضاء المصرى مبكرًا حين حصن العملية الانتخابية بأحكام واضحة، ومبادئ راسخة تمنع أى ارتباك فى الجدول الزمنى للدولة.
ويبعث المشهد الختامى للعملية الانتخابية برسالة واضحة لكل المتربصين فى الداخل والخارج، بأن المؤسسات المصرية تعمل فى تناغم تام، وأن الفصل بين السلطات لا يعنى الصدام، بل التكامل لحماية المسار الديمقراطى، فبينما تفصل المحكمة الإدارية العليا فى الطعون حماية لإرادة الناخب، وتراقب محكمة النقض صحة العضويات حماية لنزاهة التمثيل، وتدير الهيئة الوطنية للانتخابات المشهد اللوجستى ببراعة، يستعد البرلمان لممارسة دوره كظهير تشريعى للدولة، فى مرحلة تتطلب تكاتف الجميع، وبذلك تخرج مصر من هذا الاستحقاق أقوى مما كانت، مكرسة دولة القانون التى تحترم إرادة شعبها وتواجه الشائعات بالحقائق، وتستعد لمستقبل برلمانى واعد يبدأ فى 12 يناير بكل ثبات وكفاءة.







