ماذا تخبرنا الإحصاءات الرسمية
عدوى الطلاق فى زمن دراما العنف والسوشيال ميديا
نرمين ميلاد
يكشف الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عن ارتفاع معدلات الطلاق فى مصر، لكن البحث فى الأسباب وتحليل الأرقام التى تختلف فى الريف عنها فى الحضر، يشيران بوضوح إلى أن عدم التأنى والتسرع فى اختيار شريك الحياة يُعد أحد أهم الأسباب؛ خصوصًا أن 65% من معدلات الطلاق تحدث فى السنة الأولى من الزواج.
وحسب الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، زادت نسب الطلاق فى عام 2024 إلى 273.892 حالة، مقابل 265.606 حالات فى العام السابق، بنسبة زيادة ٪3.1، بينما بلــــغ عدد عقود الزواج 936.739 عقدًا فى 2024 مقـابل 961.220 عقدًا عام 2023، بنسبة انخفاض قدرها ٪2.5.
تأثير الدراما ووسائل التواصل الاجتماعى
يُرجع خبراء ومختصون الظاهرةَ فى المجمل إلى ضعف التواصل بين الأزواج، وتدخلات الأهل، وغياب التوافق النفسى، إلى جانب الصورة السلبية التى تبرزها الدراما التليفزيونية عن العلاقات الأسرية.
بينما يرى آخرون وجود فجوة بين متطلبات الزواج وقدرات الشباب المادية، تؤدى فى النهاية إلى استحالة استمرار العلاقة الزوجية التى من المفترض أن تقوم منذ البداية على أسُس مادية ونفسية واجتماعية فى حدها الأدنى من التوافق واحتمال الضغوط.
وفى محاولة للحد من تفاقم الظاهرة ومخاطرها على النسيج الاجتماعى، ينصح متخصّصون بتبنّى الدولة برامج إرشاد فعالة وتعزيز الثقافة الزوجية، مع عدم إهمال تأثير وسائل التواصل الاجتماعى والاستخدام المفرط للتكنولوجيا، الذى يخلق فجوة بين الأزواج تؤدى إلى فقدان الثقة.
دراسة جذور المشكلة
ارتفاع معدلات الطلاق فى مصر ليس نتيجة عامل واحد، بحسب الخبراء؛ بل هو تراكم لمشكلات اجتماعية واقتصادية ونفسية، ويتطلب الحل تأهيل المقبلين على الزواج، وتعزيز الوعى الأسرى، وتقديم دعم قانونى واجتماعى للحد من اللجوء إلى الطلاق كحل وحيد.
يؤكد الدكتور عاطف الشيتانى، مقرّر المجلس القومى للسكان السابق، أن ارتفاع معدلات الطلاق يشير إلى أن تنفيذ وزارة التضامن الاجتماعى لبرنامج «مودة» بهدف تأهيل الشباب للزواج، لم يأتِ بنتائج مواتية، كما يعكس غياب الدراسات الاجتماعية المتعمقة القادرة على الوصول لجذور الأزمة.
قانون الإيجارات الجديد
وتابع الشيتانى: إن تكاليف الزواج أصبحت عبئًا يفوق قدرة الشباب، ورغم محاولات البعض لتقسيم النفقات بالتساوى بين الطرفين؛ فإن كثيرًا من الأسر ما زالت تشترط امتلاك العريس شقة جاهزة، والعزوف عن السكن بالإيجار.
كما أشار إلى أن قانون الايجارات الجديد قد يشكّل انفراجة، فى شكل توفير وحدات تسهم فى تقليل أسعار الإيجار والتملك، ويفتح الباب أمام استقرار أسرى أفضل.

فترة التعارف
وحذر «الشيتانى» من أن العنف الأسرى الذى تبرزه الدراما بأشكال مختلفة، ساهم فى السنوات الأخيرة فى وجود مخاوف حقيقية لدى الشباب من الارتباط، وذلك بعد أن كان الزواج خطوة مبهجة.
وقال إن المجتمع لا يتيح فترة كافية للتعارف قبل الزواج، وهو ما قد يُعرض الطرفين لمواجهة مفاجآت صادمة بعد الارتباط، قد تسبب عدم التوافق ومن ثمّ الطلاق.
تعزيز التعارف الإلكترونى
وشدّد على ضرورة إجراء دراسات علمية منهجية لتحديد أسباب الطلاق والعزوف عن الزواج بدقة، مع التقييم الدورى لبرنامج «مودة» وقياس تأثيره الحقيقى، والتوسع فى منصّات التعارف الإلكترونية الموثوقة مع تطوير آليات رقابتها، وإطلاق حملات إعلامية مؤثرة تتجاوز الرسائل النمطية، وتعزيز استقلالية الشباب وإكسابهم مهارات اتخاذ القرار منذ سن البلوغ.. ولفت إلى أن النموذج الاجتماعى الذى يجعل الشاب مرتبطًا بأسرته حتى الثلاثين يُعد أحد أسباب سوء الاختيار الذى يؤدى فى النهاية لنتائج سلبية.
ارتفاع حالات الطلاق فى الحضر بنسبة %5.1
أشارت إحصائية الجهاز المركزى للمحاسبات إلى أن إجمالى عدد حالات الطلاق فى الحضر بلغ 158.201حالة فى عام 2024 بنسبة 57.8 ٪، مقابل 150.488 حالة فى 2023 بنسبة زيادة قدرها ٪5.1، بينما بلغ عدد حالات الطلاق فى الريف 115.691 حالة عام 2024 تمثل 42.2٪ من جملة حالات الطلاق، مقابل 115.118 حالة عام 2023 بنسبة زيادة قدرها ٪0.5.
متوسط الأعمار
سجلت الفئة العمرية (35 - 40 سنة) أعلى نسبة طلاق، بواقع 47.367 وثيقة طلاق، بنسبة ٪18.2، وبلغ متوسط سن المطلق 40.8 سنة عام 2024، وسجلت المطلقات أعلى نسبة فى الفئة العمرية (25 - 30 سنة) حيث بلغ عـــددهن حسب الوثائق 45.635 وثيقة بنسبة ٪17.6.

مَشاهد العنف والخيانة
من جانبها تؤكد الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بكلية التربية جامعة عين شمس، أن ارتفاع معدلات الطلاق وتراجُع الإقبال على الزواج ليسا ظاهرتين جديدتين، إلاّ أن حدّتهما باتت أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بما تقدمه الشاشات من مَشاهد عنف متلاحقة.
وأوضحت أن التليفزيون والدراما أصبحا يعجّان بصور القتل والذبح والحرق، مقابل اختفاء نماذج الأسرة الدافئة التى تربّى عليها المصريون عبر أعمال درامية مثل «عائلة ونيس» و«عائلة مرزوق أفندى»، إضافة إلى اختفاء البرامج التى كانت تسلط الضوء على العظماء، وقصص نجاح الأدباء والأطباء والمفكرين.
وترى «خضر» أن هذا التحول الدرامى خلق حالة من «الخوف الوجودى» لدى الشباب تجاه المستقبل، رغم أن مصر ما زالت بلدًا مليئًا بالحب والأمان والكرم والشهامة، وهى الصفات التى يشهد لها العالم.
كما شدّدت على أن الأسباب الاقتصادية ليست العامل الحاسم فى انهيار العلاقات، معتبرة أن الحب والدفء الأسرى قادران على تجاوز التحديات، إذا ما أُعيد الاعتبار لصورة الأسرة المتماسكة فى الإعلام، وتراجعت موجة المبالغة فى العنف التى باتت تشكل وعى الأطفال والشباب بصورة خطيرة.
الزواج السريع
وتؤكد الدكتورة صفا أبو العزم، استشارى نفسى وتربية خاصة، أن ضعف التواصل وضغوط الحياة هما المحرك الأساسى لارتفاع معدلات الطلاق، وأن غياب الحوار وطرق التعبير السليمة عن الاحتياجات يزيد الخلافات، إلى جانب الأعباء الاقتصادية وسوء إدارة المال داخل الأسرة.
وأشارت إلى أن تدخُّل الأهل والمقارنات بين الأزواج وأقاربهم، إضافة إلى الخيانة والعلاقات غير السوية عبر الإنترنت، تُعد من أبرز أسباب انهيار العلاقة الزوجية، فضلاً عن عدم التوافق من البداية والزواج السريع دون معرفة كافية بطباع الشريك أو أسرته.
وأضافت: إن غياب دور الزوج أو الزوجة بسبب ضغوط العمل يدفع البعض لرؤية الطلاق كحَل، لذلك هناك ضرورة لتحسين مهارات التواصل، ووضع حدود للأهل، وتجديد العلاقة العاطفية، مع اللجوء لمختصين عند تفاقم المشكلات.







