الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الفتوى وقضايا الواقع الإنسانى

اعتراف دولى بريادة «نموذج الإفتاء» المصرى

فى ظِل واقع  تتعاظم فيه الأزمات الإنسانية، وتزداد فيه الصراعات المسلحة، والتحديات الأخلاقية الناتجة عن التحولات الرقمية المتسارعة، باتت الفتوى إحدى الركائز الأساسية فى حماية الإنسان وصون كرامته، وضبط السلوك الفردى والجماعى، ومواجهة محاولات توظيف الدين فى الصراعات السياسية أو تبرير العنف وسفك الدماء. 



ولم تعدَّ الفتوى فى هذا السياق مجرد اجتهاد فقهى معزول؛ بل أصبحت أداة مركزية فى بناء الاستقرار المجتمعى وترسيخ منظومة القيم الإنسانية.

من هذا المنطلق، تبرز ريادة مصر، ممثلة فى الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية، باعتبارهما نموذجًا مؤسّسيًا رشيدًا فى التعامل مع قضايا الواقع الإنسانى، وهو ما انعكس بوضوح فى انعقاد الندوة الدولية الثانية للأمانة العامة لدُور وهيئات الإفتاء فى العالم، التى نظمتها دار الإفتاء المصرية برعاية كريمة من فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي، يومىّ الخامس عشر والسادس عشر من ديسمبر الجارى، تحت عنوان: «الفتوى وقضايا الواقع الإنساني: نحو اجتهاد رشيد يواكب التحديات المعاصرة».

جاءت الندوة فى توقيت بالغ الحساسية، فى ظل تصاعُد الحروب والنزاعات، واتساع رقعة المعاناة الإنسانية، وبروز ظواهر غير أخلاقية تهدد المجتمعات، إلى جانب التأثير العميق للتحولات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعى، وما تطرحه من أسئلة شرعية وأخلاقية معقدة. 

اجتماع العلماء والمفتين خرج بعَدد من المطالبات الواضحة، فى مقدمتها التأكيد الصريح على عدم إقحام الفتوى فى الصراعات السياسية، ورفض إصدار فتاوى تشرعن العنف أو تشجع على سفك الدماء، والتشديد على أن تكون الفتوى أداة لحفظ الأرواح وصيانة المجتمعات. 

كما شدّد المشاركون على دعم القضايا الإنسانية العادلة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، بوصفها قضية حق وعدل وكرامة إنسانية، تستوجب خطابًا إفتائيًا مسئولًا ومنضبطًا.

 الفتوى أداة إنقاذ 

فى هذا السياق، أكد الدكتور نظير عياد، مفتى الجمهورية، أن الفتوى ليست مجرد رأى فقهى؛ بل تمثل أداة استراتيجية لحماية المجتمع وصيانة قيمه، واصفًا الفتوى الرشيدة بأنها «صمام أمان للمجتمعات فى زمن الأزمات والتحولات المتسارعة». 

وشدّد على أن الإفتاء ليس ترفًا معرفيًا؛ بل مهمة إنقاذ فى أوقات الاضطراب، ومسئولية بناء فى زمن إعادة تشكيل الوعى الإنسانى.

وأوضح مفتى الجمهورية، أن دار الإفتاء المصرية تبنّت منهجًا اجتهاديًا متوازنًا يربط بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع، ويهدف إلى حماية الإنسان ومساعدته على مواجهة تحديات العصر، سواء فى الأزمات الاجتماعية أو التحولات الرقمية أو قضايا الهوية والقيم. 

كما أكد مفتى الجمهورية، أن دار الإفتاء تحملت مسئوليتها تجاه القضية الفلسطينية، من خلال بناء خطاب مؤسّسى منضبط يرسخ عدالة القضية وشرعية حقوق الشعب الفلسطينى؛ بعيدًا عن الانفعال الخطابى أو التوظيف السياسى للدين، مع تفكيك الخطابات المزيفة التى تسعى إلى استغلال النصوص الدينية خارج سياقها.

وفيما يتعلق بالتحولات الرقمية، شدّد فضيلته على أن الفتوى باتت ضرورة مُلحة لترشيد التعامل مع الفضاء الرقمى، وحماية الهوية القيمية، وتعزيز التفكير النقدى لدى الأجيال الجديدة، بما يجعل الفتوى أداة فاعلة فى بناء الوعى المستنير.

 

 

 

 الأزهر حصن الفتوى 

وأكد الأستاذ الدكتور محمد الضوينى، وكيل الأزهر الشريف، أن ربط الفتوى بقضايا الواقع الإنسانى يجسد توجُّه الدولة نحو تمكين الخطاب الدينى المستنير، وتجديد الفكر، وربط الدين بقضايا الناس ومعاشهم، باعتباره دافعًا للتقدم وضامنًا لأبعاده الأخلاقية.

وأوضح وكيل الأزهر، أن الأزهر الشريف يقوم بدور محورى فى ضبط مسار الفتوى، عبر خطاب يجمع بين ضوابط الشريعة الإسلامية وواقع العصر، بما يضمن بقاء الفتوى أداة هداية وبناء واستقرار. 

وشدّد على أن الأزهر يواجه الفتاوى المنفلتة التى تصدر خارج الأطر العلمية الرصينة، مؤكدًا أن صوت الفتوى فى الأزهر سيظل صوت وسطية ورحمة، وحائط صد أمام الغلو والتشدُّد، وعنصرًا أساسيًا فى حماية المجتمع وتعزيز استقراره.. كما أكد أن الفتوى فى عصر العولمة أصبحت خط دفاع عن الهوية الدينية والثقافية فى مواجهة الغزو الثقافى وزعزعة الثوابت.

 فتوى معاصرة

وفى السياق ذاته، أكد الدكتور أسامة الأزهرى، وزير الأوقاف، أن الأمّة بحاجة إلى فتوى معاصرة قادرة على مواجهة التحديات الإنسانية فى ضوء المقاصد الشرعية، بما يحقق التوازن بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع، ويجعل من الإفتاء أداة إصلاح وبناء لا مجرد إجابة جزئية عن الأسئلة.

وأوضح وزير الأوقاف، أن مَن يتصدى للإفتاء مُطالب ببذل جهود مضاعفة فى تحصيل العلوم، وفهم تعقيدات العصر؛ مستشهدًا بما قرّره الإمام الشافعى من أن الفقيه لا يقف عند حدود الأحكام المجردة؛ بل يمتلك بَصرًا واسعًا بأحوال الناس ونوازلهم، ومعرفة بالعلوم والمعارف المحيطة بالواقع الإنسانى.

 

د. محمد الضوينى: الأزهر يواجه الفتاوى المنفلتة التى تصدر خارج الأطر العلمية الرصينة
د. محمد الضوينى: الأزهر يواجه الفتاوى المنفلتة التى تصدر خارج الأطر العلمية الرصينة

 

 مواقف وأحكام

وشدّد الدكتور أحمد الحسنات، مفتى المملكة الأردنية الهاشمية، على أن البشرية بحاجة إلى فتاوى تعيد للأخلاق قيمتها وللإنسان كرامته، مؤكدًا أن العلماء والمفتين مُطالبون بتصحيح مسار البشرية فى واقع تتزايد فيه الانتهاكات والاعتداءات، وعلى رأسها ما يتعرض له الشعب الفلسطينى.

كما أكد الشيخ بشير الحاج، مفتى الكاميرون،  ريادة مصر، وقال إنها وطنه الثانى؛ حيث تلقى  بها العِلم فى الأزهر الشريف وتعلم من خلالها صناعة الفتوى، لافتًا إلى أهمية أن تكون الفتوى دافعة للحوار والتعايش واحترام التنوع، مشدّدًا على ضرورة إنشاء منابر إلكترونية تفاعلية للفتوى تواكب العصر الرقمى.