الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

صدق أو لا تصدق كاتب وروائى يتبنى خطابا طائفيا:

علاء الأسوانى مثقف أتلفه "الهوى"!

علاء الأسوانى
علاء الأسوانى

لا تزال صرخة ابن خلدون حاضرة وصالحة للعبرة ومحلا للاعتبار «ويل للعالم إذا انحرف المثقفون».. أو بنسختها الشعبية على لسان الفنان الراحل أحمد زكى فى «البيضة والحجر»: «ويل للعالم إذا انحرف المتعلمون وتبهيظ المثقفون». يبدو أننا نعيش عصر انحراف المتعلمين و«تبهيُظ المثقفين».. ربما هذا ما ينطبق على ما حدث ويحدث لـ«علاء الأسواني».



فى ندوته الأخيرة فى قناته على ال يوتيوب بعنوان «ماذا يريد الأقباط؟!» وقبلها بشهور ندوة أخرى تحمل نفس الخطاب بعنوان «ماذا حدث للأقباط؟!».. تبدو فى ظاهرها أسئلة بريئة جدا.. لكن باطنها يعبر عن أزمة مثقف أتلفه الهوى. 

كأن الأسوانى الذى يريد أن يتبنى خطابا معارضا وانتقادات لمجريات الأمور، نسى أو تناسى مقتضيات لغة الخطاب العام. 

أو ربما اعتمد فى لغته أبجديات التوجه بالخطابات السياسية للخارج.. بمعطيات تثير وتداعب المواطن الأوروبى وليس «ابن البلد».

وهنا لا أتعرض لما قاله «الأسواني» على طريقة «فرش الملاية» لمعارض من الخارج أو التشكيك فى نواياه.. لكنها كما أتمنى مناقشة عاقلة وهادئة لخطاب المفترض أن من يتبناه «مثقف وكاتب وروائي» يحاول أن يكون مناضلا سياسيا! 

المنطق الغائب فى حديث الأسوانى!

بينما نشهد ويشهد الجميع أن الدولة تسعى وتعمل على تطبيق «مبدأ المواطنة» المتساوية بين كل المواطنين مسلمين ومسيحيين؛ يأتى الأسوانى الذى يظن أنه يتبنى خطابا إصلاحيا أو «كأنه إصلاحي» ليضع قبعة «الطائفية» على خطاباته. 

لكن إذا انحرف المثقف؛ فلا بد أن نواجه أى خطاب يربط المشاركة السياسية والاجتماعية بالطائفية،  هذا ما حدث عندما خرج علينا علاء الأسوانى فى ندوته يتحدث بنبرة «نصيحة» تحمل فى طياتها ما يضعف المواطنة ويعيد إنتاج فرز طائفي.. بدلا من أن يوجه خطابا مدنيا يحقق مبادئ المواطنة.

منذ البداية، السؤال نفسه  «ماذا حدث للأقباط؟» أو «ماذا يريد الأقباط» ينطوى على مغالطة جوهرية. فهو يفترض أن هناك أزمة سياسية قبطية منفصلة، كأن الأقباط شريحة بعينها، ليظهر كأنه خطاب «تثوير» يريد فصل المجتمع.

فحتى لو أن «الأسواني» لديه اعتراضات أو انتقادات.. فالمفترض أن تكون موجهة للمجتمع بشكل عام بغض النظر عن الانتماء الدينى للمواطنين. 

هذا هو المنطقى فى تعامل المثقف مع أزمات وتحديات مجتمعه؛ النظر للمجتمع ككل.. لكن ربما أزمة الأسوانى أنه وقع فى فخ «مثقفي المهجر» فانفصل عن الواقع وقرر مناقشة فكرة مثيرة للجدل بدلا من طرح نقاش جاد. 

لكن ما يطرحه الأسواني؛ فكرة يفهمها المواطن الأوروبى والغربى، الذى يثيره حديث الأقليات المضطهدة والمسيحيين الأقلية، والنسخة القديمة من  حديث معارضة 2005.

هذا ما حدث للأقباط فى مصر!

لحسن الحظ، فالواقع «على الأرض» يملك إجابة واضحة على ما طرحه الأسوانى «على اليوتيوب»؛ فالدولة فى السنوات الأخيرة لم تقف موقف المتفرج من قضايا المواطنة، بل اتخذت خطوات ملموسة لترسيخ المساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات.

أبرز دليل على ذلك هو قانون تنظيم بناء وترميم الكنائس الصادر عام 2016، الذى شكل نقطة تحول مهمة فى علاقة الدولة بالمواطن المسيحى، بإلغاء معايير تعجيزية، ونظم إجراءات بناء وترميم الكنائس ضمن القانون، بدل أن تبقى خاضعة لقرارات بيروقراطية تعسفية. 

هذا القانون لم يكن مجرد نص تشريعى، بل رسالة عملية أن حرية العبادة حق لجميع المصريين، وأن الدولة ليست عائقا أمام ممارستها إن توفرت الشروط المعمارية والتنظيمية، مثل أى مبنى سكنى أو خدمي. كما فتح الباب لتقنين أوضاع الكنائس القائمة، وتنظيم إدارتها، وهو ما خفف كثيرا من حالة التوتر القديم، وأزال شبح «العشوائية القانونية»، فى هذا الملف.

فى خطوة أخرى، نرى التمثيل فى المناصب والإدارات العليا، لم يعد مستحيلا أو مستهجنا كما كان فى العقود الماضية،  فالإجراءات القانونية والتشريعية أعطت الأساس لفرص مساواة فعلية.. لأن الدولة تتعامل مع الأقباط باعتبارهم مواطنين لا «طائفة خاصة».

وهو اتجاه يحتاج البناء عليه، لا أن يكون المثقف هو عقبة هذا الطريق، ويتشارك مع المتطرف والإرهابى فى أهدافهم.

 أزمة المثقف.. لا أزمة الطائفة

إذنْ، لماذا يصر علاء الأسوانى  على تصوير الأقباط كفئة منفصلة تواجه «أزمة طائفية سياسية»؟

 الجواب، فى رأيى، يكمُن فى أزمة خطاب المثقف ذاته؛ لأن كثيرا من المثقفين اختار أن ينعزل عن الواقع الاجتماعى العام، ويركز نقده على سلبيات داخل فئة بعينها، بدل أن يناقش خطابا فاعلا.

طائفية خطاب الأسوانى ليست فقط تشتيتا للجهد، بل خيانة لهوية المثقف الحر الذى ينبغى أن يكون ضمير الوطن، لا مكرسا للانقسام. المثقف الحقيقى يجب أن يرى المصرى أولا، لا مسلم أو قبطى.

عندما  يناقش الأسوانى «دور الأقباط» بمعزل عن «دور المواطن» فى الوطن، فإن ذلك ليس سوى ازدواجية فى المعايير.. وتناقض مع الأسوانى نفسه الذى هاجم قبل سنوات وجوه الدعوة السلفية التى تنتقص من دور الأقباط.

المثقف والمتطرف.. فى نفس المربع! 

المنطق يقول إن المثقف أيا كان اتجاهه وتوجهه، يقف على الجهة الأخرى من المتطرف.. لكننا أمام أزمة حقيقية عندما نجدهما فى مربع واحد.. بنفس الخطاب ونفس الأدوات تقريبا.. وللأسف فى أوقات كثيرة «نفس الأهداف».

مقارنة الأسوانى فى حديثه بين دور الأقباط الوطنى قبل ثورة 1952 وبعدها، وكأن الأقباط هم من يتحملون مسئولية الاضطرابات التى عانى منها المجتمع خلال السنوات الأخيرة «مقارنة مختلة».

والأوقع والأجدى أن نتوقف عند دور المثقف الذى اختفى وصوت العقل الذى خفت.. وأن بعض المثقفين أصبحوا غير قادرين على إنتاج خطاب تحترمه مؤسسات الدولة حتى إن اختلفت معه. 

لكن تبقى صرخة ابن خلدون باقية: 

«ويل للعالم إذا انحرف المثقفون»!