رد حاسم على فتوى تكفير القدماء المصريين
الأزهر والأوقاف: المصريون القدماء «موحدون»
صبحى مجاهد
عبّر المصريون القدماء فى رموزهم ونقوشهم عن إيمان فطرى بقدرة الخالق وعدله، وفى إطار الجهود الوطنية الرامية إلى تعزيز وحماية الهوية المصرية وتنوير الوعى بتاريخ الحضارة العريقة، تواصل مؤسّسات الدولة، وعلى رأسها الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف، العمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة حول الحضارة المصرية القديمة، بالتوازى مع افتتاح المتحف المصرى الكبير الذى يمثل أحد أبرز الصروح الثقافية فى العالم.
ففى الوقت الذى يقدم فيه المتحف للعالم كنوز مصر الأثرية، كدليل على عبقرية المصرى القديم فى الفن والهندسة والعلوم، تسعى المؤسّسات الدينية إلى إعادة قراءة الحضارة المصرية القديمة قراءة علمية متوازنة، تبرز التلاقى بين الإيمان والعِلم؛ لتؤكد أن المصريين القدماء لم يكونوا جميعًا وثنيين كما يُرَوّح البعض؛ بل شهدت مصر منذ أقدم العصور دعوات واضحة للتوحيد والإيمان بالله الواحد.

تعميم غير علمى
وفى هذا السياق، أعدت وزارة الأوقاف دراسة تحليلية موسعة «نظرة الإسلام إلى الحضارات القديمة»، أكدت فيها أن وصف المصريين القدماء جميعًا بالشرك أو الوثنية تعميمٌ لا يستند إلى أساس علمى أو دينى، ويتنافى مع روح النصوص القرآنية والتاريخية التى تُثبت وجود دعوات للتوحيد منذ فجر التاريخ.
وقالت الدراسة: «إن فكرة كفر المصريين القدماء بإطلاق؛ فكرةٌ عدائيةٌ للحضارة المصرية القديمة، يتبنّاها البعض بدوافع أيديولوجية»، مشيرةً إلى أن الحضارة المصرية شهدت فى مراحل مختلفة دعوات صريحة إلى عبادة الإله الواحد، كان أبرزها فى عهد الملك إخناتون الذى دعا إلى التوحيد الخالص.
وأكدت الدراسة أن «مصر لم تكن دار وثنية مطلقة؛ بل عرفت أنبياء ودعاة إلى الله منذ أقدم العصور»، لافتةً إلى أن وجود الأنبياء فى أرض مصر مثل إدريس، وإبراهيم، ويوسف، وأيوب، وذى القرنين، والخضر، ولقمان عليهم السلام.. وهذا دليلٌ قاطع على أن نور التوحيد لم ينقطع عنها قَط.
واستشهدت وزارة الأوقاف بعَدد من الآيات القرآنية التى تؤكد عموم الرسالات السماوية، ومنها قوله تعالى: «وَإِن مِّنْ أُمَّة إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ» وقوله عز وجل «وَلِكُلِّ أُمَّة رَّسُولٌ».. موضحةً أن هذه النصوص تقطع بوجود أنبياء فى كل أمّة من الأمم، بما فيها مصر التى امتدت فيها الدعوة إلى الله عبر العصور.
إيمان فطرى
وأكدت أن المصريين القدماء عبّروا فى رموزهم ونقوشهم عن إيمان فطرى بقدرة الخالق وعدله، وأن ما ارتبط بالرموز أو التماثيل لم يكن بالضرورة تعبدًا لها؛ بل تعبير رمزى عن قوَى الخير والحق والنظام الكونى، وهو ما يفسره علماء الأديان المعاصرون بأنه تجليات فكرية لعقيدة توحيدية مبكرة.
دعاوَى تشويه
وحذرت الدراسة من محاولات بعض الاتجاهات المتشدّدة استغلال قضية «عبادة الفراعنة» للهجوم على الهوية المصرية، مؤكدةً أن «القول بأن المصريين القدماء لم يعرفوا التوحيد إلاّ بعد بعثة موسى عليه السلام قولٌ يناقض المنهج القرآنى والعقلى».
وأضافت: «إن الحضارة المصرية كانت فى جوهرها حضارة إيمان بالخلود والعدل الإلهى، وقد انعكس ذلك فى طقوسها وعلومها، لا سيما فى الطب والفلك والهندسة التى عبّرت عن إدراك عميق لقوانين الكون التى سَنّها الله».
تكامُل رسالة
وربطت الدراسة بين افتتاح المتحف المصرى الكبير ودور الأوقاف فى تصحيح المفاهيم المغلوطة حول الحضارات القديمة، مشيرةً إلى أن «المتحف الكبير ليس مجرد صرح أثرى؛ بل رسالة إنسانية وحضارية للعالم، تُظهر كيف استطاعت مصر أن تجمع بين الإيمان والعِلم، بين الروح والعمران».
وأوضحت الوزارة أن جهودها الفكرية تأتى استكمالاً لرسالة الدولة المصرية فى تعزيز قيم الانتماء والاعتزاز بالحضارة، مؤكدةً أن الإسلام لا يُصادر المعرفة ولا يحارب التاريخ؛ بل يحث على دراسته واستخلاص العِبَر منه؛ استنادًا إلى قوله تعالى: «قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقُ».
تصحيح رؤية
وفى السياق ذاته؛ عقد الأزهر الشريف ندوة ضمن ملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة حملت عنوان «نظرة الإسلام إلى الآثار والحضارات القديمة».
لم يكن الملتقى مجرد ندوة فكرية؛ بل منبرًا لتجديد الفهم الدينى لقضية لطالما أثارت الجدل بين من ينظر إلى الآثار بعين التقديس ومن يراها من منظور التحريم، فجاءت كلمات العلماء لتضع النقاط فوق الحروف وتُعيد الأمور إلى نصابها الصحيح.
شارك فى الندوة كلٌّ من الدكتور عبدالرحمن فايد، الأستاذ بكلية العلوم الإسلامية، والدكتور مجدى عبدالغفار حبيب، رئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية السابق بكلية أصول الدين، وأدار الحوار الإعلامى أبو بكر عبدالمعطى.
التباس الأثر والوثن
فى مستهل الجلسة، قدّم الدكتور عبدالرحمن فايد قراءة علمية دقيقة لتاريخ الالتباس بين الأثر والوثن، معتبرًا أن الإشكال لا يكمن فى وجود الآثار؛ بل فى سوء الفهم لطبيعتها ووظيفتها.
وأوضح أن الأثر هو ما تركته الأمم من شواهد مادية أو فكرية تدل على ما بلغته من علم وحضارة، أمّا الوثن فهو ما يُعبد من دون الله اعتقادًا بقدرته على النفع أو الضر.
وأضاف موضحًا: «حين نتعامل مع الآثار، لا ننظر إليها من زاوية التقديس أو العبادة؛ بل من منظور حضارى يوثّق لتاريخ الإنسانية ويُظهر مدى إبداع الخالق فى خلقه».
واستشهد بقول الله تعالى فى شأن فرعون: «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً»، معتبرًا أن هذا النص القرآنى دليل على إقرار الإسلام لقيمة الأثر بوصفه شاهدًا وعبرة للأجيال؛ لا رمزًا للتقديس أو الشرك.
رموز حضارية
تابع قائلاً: «حين دخل الصحابة مصر مع عمرو بن العاص، لم يهدموا المعابد أو التماثيل؛ لأنهم لم يجدوا المصريين يعبدونها، ولو وجدوهم على ذلك لفعلوا، لكنهم رأوا فيها رموزًا حضارية لا تتعارض مع التوحيد».
وشدّد «فايد» على أن دراسة آثار المصريين القدماء تفتح آفاقًا علمية ومعرفية؛ لأنها تكشف عن إسهاماتهم فى الطب والهندسة والفلك، وهى علوم دعا الإسلام إلى التبحّر فيها؛ إذ تُظهر عظمة الخالق فى خلقه.
فلسفة تعامل
أمّا الدكتور مجدى عبدالغفار حبيب؛ فقد تناول القضية من زاوية فكرية وفلسفية، ليؤكد أن التعامل مع التراث والآثار لا بُدّ أن يكون بمنهج الوعى، لا بمنطق التقديس أو الإلغاء.
وأوضح أن الإسلام جاء ليقيم التوازن بين المادة والروح، بين الماضى والحاضر، فلا يقدّس الحَجَر ولا يُهمل العِبَر المستفادة منه.
وقال حبيب: «ليس كل ما هو مقدس يجب أن يُدنس، ولا كل ما هو مدنس ينبغى أن يُقدس.. الحضارات تُفهَم وتُدرَّس، لا تُعبَد ولا تُلغى»، وأشار إلى أن النبى (ص) قدّم نموذجًا راقيًا فى التعامل مع الرموز المكانية عندما قال عن جبل أحد بعد معركة الهزيمة: «أُحدٌ يحبنا ونحبه»، فرغم ما شهده الجبل من آلام، لم يأمر الرسول بطمسه أو تغييره؛ بل تركه شاهدًا ومكانًا ذا دلالة روحية وإنسانية».
وأضاف «حبيب» إن الدفاع عن الحق لا يقوم على الجهل أو الانفعال؛ بل على المعرفة والفهم، قائلاً: «مَن يملك زمام الكلمة يملك العالم، وتصحيح المفاهيم واجب العلماء والدعاة والمثقفين معًا. فالإسلام لم يأتِ لطمس الحضارات؛ بل لاحتوائها وتصحيح مسارها.







