12 قاعة تصحبك فى رحلة عبر آلاف السنين
«مجد الحضارة القديمة» يعبر بالمصريين زمن المعجزات
روزاليوسف
تجربة فريدة واستثنائية ستتاح لزُوّار المتحف المصرى الكبير فى الـ 12 قاعة التى تمثل العرض المتحفى الرئيسى؛ حيث تجتمع فيها روعة القطع الأثرية مع سيناريو عرض مختلف يتيح للزوار تنوعًا فى الجولات التى يقومون بها سواء كان اهتمامك بالآثار زمنيًا من حيث العصور والفترات التاريخية، أو من حيث الموضوعات التى تميزت بها الحضارة المصرية القديمة، فى كل الأحوال ستجد ما يناسب اهتمامك وذوقك الأثرى فى 12 قاعة منسقة بعناية تأخذك فى رحلة فريدة عبر آلاف السنين.
القاعات الرئيسية فى المتحف تحمل الأرقام من 1-12، ومن حيث الموضوعات تجد القاعات موزعة بين 3 أقسام بشكل رأسى، وهى المعتقدات وتضم قاعات 3 و4 و9 و10، والمجتمع فى قاعات 1 و6 و7 و12، والملكية موجودة فى قاعات 2 و5 و8 و11، وهذا التقسيم تم اختياره فى سيناريو العرض المتحفى ليعكس الترابط بين الملوك فى مصر القديمة والشعب والآلهة.
والقاعات تبدأ من عصر ما قبل التاريخ عصر ما قبل الأسرات، عصر بداية الأسرات، عصر الدولة القديمة، ثم عصر الانتقال الأول نحو 700٫000 سنة إلى 2034 قبل الميلاد، وعصر الدولة الوسطى عصر الانتقال الثانى نحو 1550-2034ق م، عصر الدولة الحديثة نحو 1550 إلى 1069 قبل الميلاد، ثم تنتهى قاعات العرض بعصر الانتقال الثالث العصر المتأخر العصر اليونانى ويبدأ نحو 1069 قبل الميلاد إلى 394 ميلادى.
وفيما يتعلق بالعصور فالقاعات مقسمة تقسيمًا أفقيًا، وقاعات 1 و2 و3 تضم عصور ما قبل التاريخ وعصر ما قبل الأسرات وعصر بداية الأسرات وعصر الدولة القديمة وعصر الانتقال الأول، وقاعات 4 و5 و6 تضم عصر الدولة الوسطى وعصر الانتقال الثانى، وقاعات 7 و8 و9 تضم عصر الدولة الحديثة، وقاعات 10 و11 و12 تضم عصر الانتقال الثالث والعصر المتأخر والعصرين اليونانى والرومانى.
المجتمع وحكم ملوك مصر الأوائل
وإذا تحدثنا عن تقسيم الموضوعات طبقًا لسناريو العرض، فهى المجتمع والملكية والمعتقدات فى الحضارة المصرية القديمة، ولنبدأ بالمجتمع «قاعات 1 و6 و7 و12»، ويبدأ من عصر ما قبل التاريخ وعصر ما قبل الأسرات وعصر بداية الأسرة القديمة وعصر الانتقال الأول، وهذه الحقبة التاريخية تتحدث عن الحياة المستقرة فى وادى النيل مما أدى إلى النمو السكانى، واستخدمت المجتمعات المنتجة للغذاء أدوات مختلفة مثل أدوات الصيد والزراعة وصناعة الأوانى المختلفة، وتم توحيد البلاد فى عصر بداية الأسرات، وقد حكم ملوك مصر الأوائل مصر فى العاصمة منف خلال عصر الدولة القديمة، وتتناول المعروضات فى هذه القاعات الانتقال إلى حياة الاستقرار والابتكارات والنخبة الملكية.
وفيما يتعلق بالمجتمع فى عصر الدولة الوسطى كان النظام الحكومى فى ذلك الوقت يدار بواسطة مجموعة من كبار الموظفين، وكان هؤلاء الموظفون يعملون لصالح الدولة، وقد ازدهرت خلال هذه الفترة صناعة الحُلىّ التى كان يستخدمها الرجال والنساء والأغنياء والفقراء، وتطورت الكتابة التى أدت الى تطور الوثائق الإدارية والقصص والقصائد الشعرية، وتتناول المعروضات داخل القاعات لهذه الفترة ازدهار الفنون والشعب والدولة ومصر والجيران.
وفى المجتمع فى عصر الدولة الحديثة توسعت قوة مصر ونفوذها وجلبت إلى البلاد تقنيات حديثة ومواد جديدة، وابتكر الصناع المهرة أشكالاً مميزة من الحجَر والفخار والمعدن والفاينس، وكانت الإمبراطورية المصرية تدار بنظام حكومى دقيق وفعال، وتتناول المعروضات فى هذا الموضوع الموظفين والحياة خارج المنزل والحياة داخل المنزل.
وفى المجتمع فى عصر الانتقال الثالث والعصر المتأخر والعصران اليونانى والرومانى ازدهرت مكانة مصر كمركز رئيسى للتجارة الدولية تزامنًا مع تأسيس العاصمة الجديدة فى تانيس وسايس والإسكندرية، مما جعلها مقصدًا للعديد من الوافدين الأجانب الذين جلبوا معهم مواد وخامات ومنتجات ومهارات جديدة للبلاد، ومعروضات هذه الحقبة تتناول الفنون وتعدد الثقافات فى مصر والاقتصاد والتجارة.
الملكية وقوة السيدات والكهنة
وفيما يتعلق بموضوع الملكية داخل قاعات العرض الرئيسية «قاعات 2 و5 و8 و11»، فهى موزعة ما بين عصور ما قبل التاريخ وما قبل الأسرات وعصر بداية الأسرات وعصر الدولة القديمة وعصر الانتقال الأول؛ حيث تم توحيد مصر تحت حكم ملك واحد هو ملك مصر العليا والسفلى، وقد أظهرت ملوك الدولة القديمة الأقوياء مدى قدرتهم على إدارة موارد الدولة؛ حيث قاموا ببناء مصاطب ضخمة من الطوب اللبن والحَجر وبناء الأهرامات، وتم بناء مقابر لهم، ومعروضات هذه الحقبة تتناول تأسيس الدولة وملوك الأهرامات والملكية المعنى والصورة.
وفى عصر الدولة الوسطى تمت إعادة توحيد مصر فى ظل حكومة مركزية واحدة وتم تشييد العاصمة الجديدة (أيثت- تأوى) التى تقع بين منف والفيوم، وقد دُفن الملوك فى الأهرامات القريبة من العاصمة، ووضعت العديد من التماثيل الملكية فى المعابد بجميع أنحاء البلاد، وتتناول معروضات الملكية فى هذه الفترة إعادة توحيد البلاد ومفاهيم جديدة للملكية والحرب والتحرير.
وفيما يتعلق بالملكية فى عصر الدولة الحديثة، قام ملوك مصر بتوسيع حدود الإمبراطورية المصرية فى النوبة جنوبًا وإلى بلاد الشام شمالاً، وتأسّست فى هذه الفترة عاصمتان جديدتان هما تل العمارنة فى مصر الوسطى وبر رعمسيس فى الدلتا، ومعروضات هذه الفترة فى القاعات تتناول صعود الإمبراطورية وتل العمارنة والأسرة الملكية.
أمّا الملكية فى عصر الانتقال الثالث والعصر المتأخر والعصر اليونانى والرومانى؛ فشهدت هذه الفترة حروبًا تاريخية طويلة، وتأرجح نفوذ الملوك والأباطرة بين قوة وضعف سواء المصريين أو الأجانب، وكانت سيدات الأسرة المالكة فى ذلك الوقت وأصحاب المناصب الدينية المتوارثة لهم دور بارز؛ لأنهم اكتسبوا مزيدًا من القوة والتأثير السياسى، وتتناول معروضات الملكية فى هذا العصر الحكام الأجانب والتقاليد المصرية وسيدات الأسرة المالكة وقوة الكهنة.
المعتقدات.. معابد ومعبودات وطقوس
فى بداية الأسرات وعصر الدولة القديمة وعصر الانتقال الأول اعتقد المصريون القدماء فى الحياة بعد الموت، وكان فى عصور ما قبل التاريخ يستخدمون حُفرًا بسيطة فى الدفن، ثم أصبح الدفن بعد ذلك فى مقابر بها مقاصير لتقديم القرابين، وكذلك حجرات الدفن كانت تحتوى على توابيت من الحَجر والخشب، وكان يتم إحضار قرابين للمتوفى من الطعام والشراب من قِبَل الأحياء، وكانت هناك العديد من التعاويذ السحرية التى تحمى الملك والملكات فى العالم الآخر.. وأهم معروضات هذه الفترة فى القاعات المعبودات والملوك المقدسون والطقوس الجنائزية والعالم الآخر وعمارة الأبدية.
وفيما يتعلق بالمعتقدات فى عصر الدولة الوسطى وعصر الانتقال الأول، أمر ملوك الدولة الوسطى بتشييد المعابد الضخمة للمعبودات وبناء المجموعات الهرمية لأنفسهم، وزادت أهمية ومكانة المعبود الجنائزى أوزير، وقد قام العديد من المصريين بزيارة مركز عبادة هذا المعبود فى أبيدوس، وأصبح فى هذا العصر متاحًا إمكانية قيام العديد من الناس ببناء مقابر فارهة لهم فى أى وقت.. ومعروضات هذه الفترة تدور حول الآثار الملكية وأبيدوس وعبادة أوزير.
وفى المعتقدات فى عصر الدولة الحديثة تم توسيع المعابد وتكريس التماثيل الجديدة للمعبودات والملوك، وقام الملوك والكهنة وغيرهم من المسئولين بتقديم القرابين الخاصة للمعبود الرسمى آمون رع، واحتوت المقابر على توابيت من الحجر والخشب والأوانى الكانوبية وتماثيل من الأوشابتى تقوم بخدمة المتوفى، وتتركز معروضات هذه الفترة حول المعتقدات الشخصية والمعتقدات والعالم الآخر.
المعابد الكبرى
وفى المعتقدات فى عصر الانتقال الثالث والعصر المتأخر والعصران اليونانى والرومانى، استمر المصريون فى تبحيل وتعظيم معبوداتهم التقليدية، بالإضافة إلى ظهور معبودات جديدة من الخارج وتم دمج هذه المعبودات مع بعضها البعض، وقد شاع فى ذلك الوقت تقديس الحيوانات المرتبطة بالمعبودات، وقد جاء العديد من الوافدين اليونانيين بأساليب دفن جديدة تضمنت حرق جسد المتوفى وحفظ الرماد فى أوانى، وهذه الفترات التاريخية تدور معروضاتها حول الحيوانات المقدسة وأساليب الدفن المختلفة.
ذروة المجد المصرى القديم
ومن اللافت للنظر تخصيص ثلاث قاعات هى 7 و8 و9 لعصر الدولة الحديثة وحدها، وهو ما كشفه لنا د.محمد فخرى مدير الوعى الأثرى بمنطقة آثار المنيا؛ حيث قال إن ذروة المجد المصرى القديم كان عصر الدولة الحديثة، ويُعرَف أيضًا باسم «عصر المجد الحربى»، وامتد من «1550 - 1070 ق.م» وهو يمثل أوج القوة والنفوذ لمصر القديمة؛ حيث تحولت مصر من مملكة إلى إمبراطورية مترامية الأطراف مسيطرة ومهيمنة على كل بقاع الأرض، وحكمت مصر فى هذه الفترة 3 أسَر، وهى الأسرة الثامنة عشرة والتاسعة عشرة والأسرة العشرون.
وفى عصر الدولة الحديثة كانت هناك شخصيات ملكية استثنائية، ولعب كل منهم دورًا كبيرًا فى رسم ملامح هذه الإمبراطورية، وعلى رأسهم أحمس الأول «1550 - 1525ق.م» الذى يُعتبر مؤسّس الدولة الحديثة، وقاد حملة ناجحة لطرد الهكسوس وأعاد توحيد البلاد، مما أرسى دعائم الأسرة الثامنة عشرة، وحتشبسوت «1482 - 1305ق.م» التى تميزت فترة حكمها كفرعون بالاستقرار السياسى والازدهار الاقتصادى؛ حيث ركزت على البعثات التجارية السلمية؛ خصوصًا بعثتها الشهيرة إلى بلاد بونت، كما أنها عُرفت بإنجازاتها المعمارية الفخمة التى عكست قوتها.
والملك تحتمس الثالث «1479 - 1425ق.م» الذى يُنظر إليه كأحد أعظم القادة العسكريين فى التاريخ المصرى، وعبقريته الاستراتيجية مكنته من توسيع النفوذ المصرى إلى أقصى حدوده، مما جعل مصر قوة عظمى فى الشرق الأدنى القديم، كذلك الملك إخناتون «1353 - 1335ق.م»، وهو الذى يُعرف فى الحضارة المصرية القديمة بكونه مُصلحًا دينيًا؛ حيث قاد ثورة دينية فريدة من نوعها، ونادَى بعبادة إله واحد هو آتون «قرص الشمس».
ومن أهم المظاهر المميزة لعصر الدولة الحديثة التوسع الإمبراطورى والقوة العسكرية؛ حيث تميزت هذه الفترة بسياسات توسعية قادها ملوك عظام مثل تحتمس الثالث ورمسيس الثانى، مما أدى إلى تأسيس إمبراطورية مترامية الأطراف، وكان تطور الجيش المصرى عاملاً مُهمًا فى ذلك، كما تميزت أيضًا بالرخاء الاقتصادى والثقافى؛ حيث أسفرت السيطرة على الأراضى الأجنبية عن تدفق هائل للثروات، مما أدى إلى ازدهار اقتصادى مكّن الدولة من تمويل مشاريع ومنشآت معمارية ومعابد ضخمة، مثل الكرنك والمقابر الملكية المنحوتة فى الصخر فى وادى الملوك بالأقصر، كذلك شهدت هذه الفترة اضطرابات دينية كبيرة خلال حكم الملك إخناتون الذى قاد ثورة دينية فريدة من نوعها.










