الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

قبل آلاف السنين وحتى الآن

مراكب الشمس شاهدة على صنع المصريين للمعجزات

خوفو ربما عندما تسمع هذا الاسم قد لا تحتاج لعمل بحث عنه لتعرف من هو ولا ماذا يعنى هذا الاسم، لأنه ببساطة مرتبط بأحد أشهر ملوك مصر القديمة والذى ترك بناءً يعرفه كل العالم..هرم خوفو أو الهرم الأكبر الذى يعد بمثابة أيقونة للحضارة المصرية، لكن الملك خوفو لم يترك لنا هرمًا فقط، بل ترك أيضًا كنزًا مدهشًا سيشاهده كل زوار المتحف المصرى الكبير عند الافتتاح، وهذا الكنز هو مراكب الشمس «الأولى والثانية»، والتى ستشهد فى متحفها الجديد بالمتحف المصرى الكبير «سيناريو عرض مبهر ومختلف»، بما يتناسب مع قيمتها الأثرية والتاريخية، خاصة أن مساحة متحف مراكب خوفو بالمتحف المصرى الكبير تبلغ حوالى 22 ألف متر، ومجهز على أعلى مستوى بما يضمن الظروف البيئية المناسبة لحماية المعروضات فيه، كونها من الأخشاب وهى آثار عضوية تحتاج لظروف حفظ مناسبة.  



وقبل عدة سنوات قريبة كان كل زوار منطقة الأهرامات يرون خلف هرم خوفو مبنى متحف مركب خوفو الأولى، الذى تم وضع حجر الأساس له بتاريخ 23 يوليو 1961م، وقام بذلك د.ثروت عكاشة وزير الثقافة والإرشاد القومى التنفيذى بالإقليم الجنوبى، وقد أنابه فى ذلك الرئيس جمال عبدالناصر رئيس الجمهورية العربية المتحدة حينها، وظل المبنى هكذا لأكثر من 40 عامًا، حتى تم نقل المركب وهدم المبنى قبل سنوات قليلة.

ونبدأ الحكاية منذ عام 1954 م حينما تم اكتشاف مركب خوفو الأولى فى منطقة الهرم، وذلك على يد الكاتب الصحفى وعالم الآثار كمال الملاخ، حيث كان حينها يشغل منصب رئيس قسم الهندسة بهيئة الآثار المصرية، وتم اكتشاف المركب جنوب هرم خوفو، حيث كانت مفككة وموضوعة على هيئة ألواح متراصة مصنوعة من خشب الأرز، وبجوارها الحبال التى كانت تربطها، وذلك أثناء تنظيف هذه المنطقة من الرمال المحيطة بها، وعبر سنوات تمت إزالة الأتربة من حول حجرة المركب واستخراجها، وتم ترميمها وربطها وإعادة بنائها مرة أخرى، وذلك على يد المهندس الحاج أحمد يوسف المرمم الذى أعاد لها الروح، ثم تقرر بعد ذلك بناء متحف خاص بها.

وتاريخيًا صنعت المركب قبل حوالى 5000 سنة، وهى مركب ملكى بمجاديف من خشب الأرز، وزعانف التوجيه وسقالة تستخدم عند الرسو على الشاطيء، وعند العثور عليها كانت حوالى 1222 قطعة فى 13 طبقة مرتبة بعناية، وأكبر قطعة طولها 23 مترًا والأصغر 10 سم، فى حين يبلغ طول المركب 43.4م ووزنها ما يقرب من 45 طنًا، وهو ما كان تحديًا أمام عملية ترميمها وإعادة بنائها مرة أخرى، لكن الحاج أحمد يوسف نجح فى ذلك طوال ما يقرب من 20 عامًا، قضاها مع فريقه من العمال والفنيين فى ترميم الأخشاب من الأضرار التى لحقت بها عبر آلاف السنين من وضعها فى الحفرة، ثم رسم كل تفاصيل المركب ومواضع الربط فيها حتى تمت عملية إعادة بنائها وتجميعها مرة أخرى وعرضها فى متحفها الذى كان بجوار هرم خوفو.

وكما كانت تلك العملية تحديًا تصدى له المصريون بنجاح، كذلك مثلت عملية نقل المركب من الهرم إلى المتحف المصرى الكبير تحديًا ضخمًا أيضًا، لكنّ المصريين كعادتهم كانوا لها، حيث نجح فريق من الأثريين والمرممين والمتخصصين البارعين من المتحف المصرى الكبير فى نقل أكبر وأقدم وأهم أثر عضوى، وقد مثلت عملية النقل إنجازا جديدًا للمصريين عامة ولفريق المتحف بصفة خاصة، الذى ضم أثريين ومهندسين وتخصصات أخرى من أصحاب الخبرة الكبيرة، ونجحوا فى وضع مركب خوفو الأولى فى كونتينر ضخم تم تأمينه جيدًا، وفى 6 أغسطس 2021 غادرت السيارة التى تحمل المركب منطقة الهرم، وكان خط السير طريق الفيوم حتى ميدان الرماية حتى الوصول إلى المتحف المصرى الكبير، وهناك استقرت داخل مكان مخصص لها لحين الانتهاء من مبنى متحف مراكب الشمس داخل المتحف المصرى الكبير، ليتم عرضها بشكل مبهر مع المركب الأولى، وقد تمت عملية النقل بدقة شديدة لضمان كل سبل الحماية للمركب، خاصة أنه تم نقلها كقطعة واحدة داخل هيكل معدنى للحماية.

أما مركب خوفو الثانية فبدأت قصتها عام 2010 فى الحفرة الخاصة بها المجاورة لمبنى متحف المركب الأولى، حيث تم حينها تجهيز الموقع وبناء هانجر كبير مجهز لاستخراج قطع أخشاب المركب وعمل الصيانة والترميم الأولى لها، حيث تم إنشاء معمل ترميم أخشاب مؤقت بالمكان، وتم عمل الفحوص والتحاليل العلمية اللازمة واختيار مواد الترميم المناسبة، وفى 2011م تم رفع الغطاء الحجرى الذى كان يغطى حفرة المركب، وبدأت أعمال رفع واستخراج الأخشاب والعمل على ترميمها أولا بأول، حيث كانت أخشاب المركب وعددها حوالى 1264 قطعة موضوعة داخل الحفرة فى 13 طبقة، وكانت كل قطعة يتم استخراجها يتم ترميمها فى المعمل وعمل توثيق ليزر سكان لها، خاصة أن فريق العمل بعد ذلك قام بتجميع المركب أولا على الكمبيوتر وذلك لضمان أفضل وأقصى درجات الدقة فى تجميعها داخل المتحف.

وفى وقت سابق استطعنا القيام بجولة داخل متحف مراكب خوفو أثناء العمل به، حيث كانت تجرى فيه أعمال تجهيزه لعرض المركبين الأولى والثانية، وقد شاهدنا خارج المبنى شيئًا مبهرًا يجرى العمل عليه، حيث يجرى إنشاء نموذج محاكاة لحفرة مركب خوفو، والتى تماثل فى تصميمها المعمارى نفس الحفرة التى كانت فى منطقة الأهرامات، والمحاكاة وصلت إلى حد مدهش كما رأينا، حيث تمت خلالها الاستعانة بالأحجار الحقيقية نفسها التى كانت فوق الحفرة الأصلية، مع إجراء الصيانة والترميم اللازم لها، حيث تتاح الفرصة للزوار حينها عند دخول الحفرة والمرور أسفل الأحجار، لرؤية الكتابات والجرافيتى الذى كتبه المصرى القديم على الأحجار منذ آلاف السنين.

وعقب تفقدنا للمشهد الرائع بالخارج، دخلنا إلى مبنى متحف المراكب ورأينا حجم العمل والإنجاز داخله، حيث كان يقوم العاملون هناك بكل أعمال البناء والتشييد بهمة ونشاط، مع اتخاذ كل الإجراءات اللازمة للسلامة المهنية، وهو المتبع فى كل الأعمال بالمتحف المصرى الكبير، كما شاهدنا مركب خوفو الأولى داخل غرفة خاصةً فى مبنى متحف المراكب، وقد تم عمل التأمينات اللازمة لها للحفاظ عليها وضمان أقصى درجات السلامة والأمان لها، مع متابعتها بشكل لحظى، وذلك حتى يتم الانتهاء من إنشاء مبنى المتحف، وحينها سيتم وضع المركب فى مكانها الملائم بالمبنى.

كما كان يجرى العمل بدقة ومهارة داخل معامل مركز الترميم فى المتحف الكبير، وذلك لترميم وصيانة أخشاب مركب خوفو الثانية، حيث كان يتم استخراجها أولا بأول من حفرتها المجاورة لمبنى متحف المركب الأولى فى الهرم ونقلها إلى المتحف، وعقب الانتهاء من ترميم كل الأخشاب وصيانتها بشكل تام، قام فريق عمل المتحف من أثريين ومرممين ومختلف التخصصات بإعادة تركيب أخشاب المركب، وذلك بنفس الطريقة والتقنيات التى استخدمها المصرى القديم منذ آلاف السنين، ثم عرضها بجوار المركب الأولى داخل مبنى متحف المراكب، وذلك بسيناريو عرض مبهر يوضح روعة وأهمية المراكب فى الحضارة المصرية القديمة.