الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من النوبة إلى الجيزة: رحلة إنقاذ التراث المصرى فى ستة عقود

فى ستينيات القرن الماضي، وقف المصريون أمام تحدٍ مصيرى مع بدء بناء السد العالي. لم يكن الخطر يقتصر على غرق القرى النوبية فحسب، بل امتد إلى تهديد ذاكرة حضارية تمتد لآلاف السنين. تلك اللحظة التاريخية أيقظت وعيًا جديدًا بأهمية التراث، ليس كماضٍ يُروى، بل كحاضر يجب صونه كجزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية. من هنا، انطلقت رحلة طويلة لحفظ الذاكرة الحضارية، امتدت لأكثر من ستة عقود، شملت أعمال حفر ونقل وتوثيق، وصولًا إلى حلم وطنى عظيم: المتحف المصرى الكبير.  



 فارس الثقافة 

فى ستينيات القرن الماضي، وقف الدكتور ثروت عكاشة، وزير الثقافة المصرى الأسبق، فى طليعة معركة حضارية لإنقاذ آثار النوبة من الغرق تحت مياه بحيرة ناصر. تولى عكاشة الوزارة فى فترتين (1958-1962 و1966-1970)، ليترك بصمة خالدة فى المشهد الثقافى المصرى والعالمي، حيث أعاد تعريف قيمة التراث كركيزة أساسية للهوية الوطنية والإنسانية.

 رفض بيع التراث

فى نوفمبر 1958، رفض عكاشة عرضًا من متحف المتروبوليتان الأمريكى لشراء معابد النوبة، مؤكدًا أن الحل العلمى لإنقاذ التراث أولى من بيعه. وبحلول يناير 1959، اقترح على منظمة اليونسكو إطلاق حملة دولية لجمع الدعم المالى والعلمي، معلنًا استعداد مصر لتحمل جزء كبير من التكاليف. هذا الموقف شكّل نقطة تحول، حيث بدأت رحلة إنقاذ آثار النوبة بتعاون عالمى غير مسبوق.

 البذرة الأولى

أسفرت الحملة التاريخية لإنقاذ آثار النوبة  بالتعاون مع اليونسكو، خاصة المشاهد المهيبة لنقل معابد أبو سمبل قطعةً قطعة عن ولادة وعى مصرى جديد؛  هذا الوعى الذى  حول  الحجر والتاريخ لقوة  ناعمة تضاهى قوة السدود والمصانع  لبناء مجد الأمة. ومن رحم تلك التجربة خرج جيل جديد من الأثريين والمهندسين والفنانين آمن بأن التراث ليس ماضًياً نتباهى به، بل هو مستقبل نصنعه ونسوقه للعالم.

ففى عام 1954، بدأت الدولة المصرية فى دراسة  بناء السد العالى فى أسوان. واكب بناء هذا السد إنشاء بحيرة اصطناعية ضخمة تغطى وادى النيل الأعلى من أسوان فى مصر إلى شلالات دال فى السودان - وهى منطقة غنية بالآثار التاريخية، عُرفت منذ العصور القديمة باسم النوبة.

 تدخل اليونسكو

وفى عام 1959، طلبت الحكومتان المصرية والسودانية من اليونسكو مساعدة بلديهما فى حماية وإنقاذ الآثار والمواقع  الأثرية المهددة بالغرق. فى عام 1960، أطلق المدير العام لليونسكو نداءً إلى الدول الأعضاء لإطلاق حملة دولية لإنقاذ آثار النوبة، أسفر هذا النداء عن التنقيب فى مئات المواقع وتسجيلها، واستعادة آلاف القطع الأثرية، وإنقاذ عدد من المعابد المهمة ونقلها إلى أراضٍ أعلى، وأشهرها مجمعات معابد أبو سمبل وفيلة. انتهت الحملة فى 10 مارس 1980 بنجاح منقطع النظير.

لعبت اليونسكو دور المنسق والوسيط بين الدول المانحة والحكومتين المصرية والسودانية، ويسرت جهودهما لإنقاذ التراث الثقافى لنوبيا. ولتنسيق هذه الأنشطة، أُنشئت اللجنة التنفيذية للحملة الدولية فى عام 1960، كما أنشئ صندوق استئماني.

 نجاح كبير

عقب النجاح الكبير الذى حققته الحملة الخاصة بنقل الآثار والمواقع التاريخية، أُطلقت فى عام 1982 الحملة الدولية لإنشاء متحف النوبة فى أسوان والمتحف الوطنى للحضارة المصرية فى القاهرة.

بزغت فكرة إنشاء متحف جديد بالعاصمة، عندما أدركنا أن المتحف الموجود (المتحف المصرى بالقاهرة – التحرير) لم يعد  يستوعب  القطع والتماثيل  الأثرية كما أنه أصبح لا يتمتع بمواصفات العرض والحفظ المعاصرة.

ونتيجة لذلك فقد أظهَرت طبيعة التحدّيات التى تواجه عرض وحفظ الآثار فى مصر حيث التكدّس فى المخازن القديمة، الحاجة إلى بنية عرض وتجهيزات حديثة.

 تسلسل زمنى 

وبالنسبة للتسلسل الزمنى لفكرة إنشاء المتحف الكبير، بدأت أولى خطوات تحقيق الحلْم المصرى فى عام 1992،  عندما تم تخصيص مساحة تبلغ 117 فدانًا، بالقرب من أهرام الجيزة، لتصبح مقرًا  لأحد أكبر متاحف العالم.

وفى عام 2002، وُضِع حجر الأساس، ليُعْلن بداية رحلة طويلة، وحافلة بالتحديات والطموحات. بعد عام واحد فقط،، تم اختيار شركة هينيجان بنج المعمارية الأيرلندية؛ لتصميم مبنى المتحف، بعد فوزها فى مسابقة معمارية عالمية.

وانطلقت أعمال  الإنشاء بالفعل، بين عامى 2005 و2008، حيث بدأت ملامح المشروع تتشكل على أرض الواقع. وفى عام 2010، افْتُتِح مركز الترميم بالمتحف؛ ليكون مركزًا عالميًّا، لحفظ وصيانة الكنوز الأثرية المصرية.

 تسريع الوتيرة

مع تزايد أهمية  المشروع ، دعا الرئيس عبدالفتاح السيسى فى عامى 2015 و2016، إلى تسريع وتيرة العمل، لتواصل مصر مسيرتها نحو تحقيق حُلْم المتحف. وفى عام 2018، استقبل البهو العظيم تمثال الملك رمسيس الثاني، ليكون أول قطعة أثرية تستقر فى قلب المتحف.

مع مرور السنوات، استمرت الإنجازات، ففى عام 2020 وصلت نسبة إتمام البناء إلى 97% وفى عام 2021 اكتملت البنية التحتية الرقمية للمتحف بنسبة 90%، مما مهد الطريق لجعل المتحف مركزًا حديثًا للتكنولوجيا والتراث.

 الدرج العظيم

وفى عام 2023، تم افتتاح الدَّرَج العظيم بشكل جزئي، ليستقبل الزُّوَّار، فى مشهد مهيب، يُجَسِّد عظمة الحضارة المصرية. أما فى عام 2024،  فقد أُقيم الافتتاح الجزئى للقاعات الرئيسة؛ ليمنح العالَم لمحة عن الكنوز الفريدة التى ستُعْرَض فى المتحف.

وأخيرًا، وبعد أن وصلنا  إلى أواخر شهر الانتصارات (أكتوبر) عام 2025، فقد قررت الدولة المصرية أن يُفْتَح المتحف المصرى الكبير بالكامل فى 1 نوفمبر؛ ليصبح وجهة عالمية، تحتضن تاريخًا يمتد لآلاف السنين، تَرْوى فيه كل قطعة أثرية، قصة الحضارة المصرية العريقة، منذ عصور ما قبل التاريخ، وحتى نهاية العصرين اليونانى والروماني.