الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من معابد أبوسمبل حتى المتحف المصرى الكبير

ملحمة مصرية فى نقل الآثار

عظيمة هى الحضارة المصرية القديمة.. والمصريون أعظم بما قدموه ولا يزالون حتى الآن.. ليس فقط فى الحفاظ على تاريخ الأجداد بل فيما قدموه من ملاحم فى نقل الآثار المصرية لتظل شامخة تطاول عنان السماء.  



عملية نقل الآثار المصرية لم تبدأ بالمتحف المصرى الكبير بل كانت هي آخر حبات العقد فقد سبقتها ملاحم عديدة لعل أبرزها «إنقاذ آثار النوبة» لتظل معجزة معبد أبوسمبل شاهدة على الإعجاز الفلكى والهندسى فيما  بناه الأجداد وأكمله الأحفاد.

قصة نقل المعبدين - رمسيس الثانى وزوجته نفرتارى - تستحق أن تروى وأن نسلط الضوء على المجهود الجبار الذى بذله الدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة وقتها.

الملحمة المصرية لإنقاذ المعبدين (معبد أبوسمبل أو المعبد الكبير رمسيس الثانى ومعبد زوجته المحببة نفرتارى أو المعبد الصغير) بدأت بعد التفكير فى إنشاء السد العالى فى أسوان الذى يتطلب بالضرورة إنشاء بحيرة صناعية جنوب السد لتخزين المياه مما يؤدى إلى رفع منسوب المياه إلى 183 مترا فى حين أن المعبدين على ارتفاع 124 مترا و120 مترا من مستوى سطح البحر أى أن المياه ستغرق المعبدين فور الانتهاء من إنشاء السد.. بدأ بعدها وزير الثقافة المصرى والعالم الكبير د.ثروت عكاشة الذى تولى منصبه قبل 8 أشهرفقط فى دراسة الموضوع من كافة النواحى وفتح حوارا مع اليونسكو للمساهمة فى إنقاذ معابد النوبة السبعة عشرة وعلى رأسها معبدا أبو سمبل بعد التحدى الذى تعهد به مع نفسه .. حضر إليه السفير الأمريكى ومعه مدير متحف المتروبوليتان بنيويورك الذى قال: «جئت أشترى واحدا أو اثنين من معابد النوبة المحكوم عليها بالغرق بعد بناء السد العالى». فرد عكاشة :«كان جديرا بمتحف المتروبوليتان أن يبادر بالعون العلمى لإنقاذ هذا التراث الإنسانى بدلا من التفكير فى شرائه».. كانت هذه الجملة فضلا عما قاله الزعيم عبدالناصر «سوف نبنى السد وسننقذ آثارنا» دافعين لبدء أكبر عملية فك وتركيب المعبد.

 إنقاذ المعبدين

 كان المعبدان مهددين بالغرق تحت مياه بحيرة السد كغيرهما من المعابد المماثلة فى بلاد النوبة، عند إنشاء السد العالى وبدأ التفكير عام 1955 فى إنقاذ تلك المعابد، ووضع فى عام 1958 «مشروع إنقاذ آثار النوبة» وفى سنة 1959 طرحت عدة حلول لحماية المعبديْن.. كان منها مشروع يقترح إقامة صرح زجاجى يغطى المعبدين وتتم الزيارة لهما عبر الغواصات تحت المياه, ومشروع آخر تقدمت به إيطاليا يقضى بنقل المعبدين كتلة واحدة بعد فصلهم من الأرض والجبل وووضع مواسير مياه عملاقة أسفل المعبدين ترفعها المياه عند فصلهما وترفع بدورها المعبدين ويتم تحريكهم للخلف عبر محركات هيدروليكية لكن هذه الفكرة كانت خطيرة كما أن ارتفاع منسوب المياه داهم المعبدين قبل التفكير فى تطبيق هذا المشروع, وكان المشروع الثالث الذى تقدمت به مصر عن طريق الأثرى أحمد عثمان بتقطيع المعبدين ونشر وقطع النقوش والتماثيل بالمعبد وإعادة تركيبها فى موقعها الجديد.. ووجه  فى 1960 نداء عن طريق اليونسكو لكل المهتمين فى العالم للمشاركة فى الإنقاذ. وفى 1963 تبنت الحكومة المصرية واليونسكو والهيئات المعنية أسلوب تقطيع المعبدين ونقلهما إلى مكانهما الحالى فوق جبل أبو سمبل على ارتفاع 65م فوق المستوى السابق وعلى بعد 180 مترا خلف المعبد الأصلى. وبدأت الأعمال فى العام نفسه وشارك فيها ما يقرب من خمسين دولة وهيئة أثرية مع اليونسكو ومصر.

أولى خطوات المشروع هى إنشاء سد ترابى أمام معبد رمسيس ونفرتارى لحجز مياه البحيرة بما يسمح بتنفيذ عملية تقطيع وتركيب المعبدين بسهولة ويسر ويحميهما من ارتفاع المياه التى بلغ منسوبها 122 مترا وهو منسوب مياه خزان أسوان وهو نفس مستوى قاعدة معبد رمسيس وبعد أعمال الرفع الهندسى والتصوير، والتصوير الفوتوغرامترى، واستكمال كل أصناف التوثيق تم إقامة اللوحات الفولاذية المدعومة بالرمل والصخور بما يقارب من 38 ألف متر مكعب بطول 37 مترا وارتفاع 27 مترا .. وتم تقطيع المعبد إلى كتل من 3 إلى 20 طنا تم ترقيمها بطريقة علمية حتى تسهل عملية التركيب وتم استخدام مناشير يدوية يبلغ سمكها 6 مم لتقطيع المعبد الكبير إلى 807 كتل حجرية والمعبد الصغير إلى 235 كتلة مع تخزين هذه القطع فى 3 أماكن خلف المعبد الأصلى.

تم تحديد المكان الجديد الذى سينقل إليه المعبد على ارتفاع 60 مترا وإلى الوراء بمسافة 180 مترا مما غير ميعاد وصول الشمس على وجه رمسيس الثانى داخل قدس الأقداس من 21 فبراير وأكتوبر يومى مولده وتتويجه على العرش إلى 22 بزيادة 24 ساعة.

عملية التركيب تمت من الواجهة إلى قدس الأقداس أى من الأمام للخلف وتم تركيب أكبر قبة فى العالم لتغطية المعبدين، حيث يبلغ محيطها 60 مترا وارتفاعها 22 مترا. 

ليس هذا فحسب بل إن فكرة تقطيع المعبد ونقل آثاره شهدت عدة وقائع كان أهمها كما يقول «الباحث الأثرى فرانسيس أمين» كيف يتم تقطيع المعبد دون تأثيرالنقوش فجرى البحث عن أحد عباقرة الرخام الإيطاليين للمشاركة فى العملية ونبدأ مع إمبراطور فن النحت فى الرخام «دون كى abu dun chi» من أعظم النحاتين فى إيطاليا وتحتل تماثيله معظم ميادينها..عندما طلب منه الإيطاليون المشاركة فى تقطيع المعبد حيث استقر الخبراء على مشروع التقطيع من بين عدة مشاريع أخرى والسفر وطلبوا منه التوجه لأبو سمبل لاختيار نوع المنشار الذى يستخدم فى القطع رفض بشدة وقال «أنا لا أسافر أنا أعمل من هنا.. هاتو أبو سمبل هنا» بالفعل تم إحضار حجر من نفس نوعية أحجار المعبد وصمم منشار دقيق جدا بالمقارنة بالمناشير المستخدمة فى قطع الرخام يقطع الحجر ولا يؤثر على النص سمكه 6مم.

قصة أخرى أيضا هى قصة إمبراطور التصوير من الجو صاحب أول لقطة لفك وجه تمثال رمسيس الثانى جورج جروتسيgeorge gerste» مصور محترف فى الناشيونال جيوجرافيك كان يستأجر طائرة خاصة لتصوير الموقع قبل وأثناء الفك والتركيب..عندما التقط أول صورة لرفع الجزء الأمامى من وجه تمثال أبو سمبل أرسلها على الفور إلى الولايات المتحدة لتكون أول صورة لإنقاذ أبو سمبل أدرك المسئولون باليونسكو خطورة أن تكون أول صورة لمجلة أمريكية فى حين أن الحكومة الأمريكية رفضت المساهمة فى التمويل فأعادت عملية نقل الوجه من جديد حتى تتمكن كل وسائل الإعلام من تصوير هذه اللقطة الخالدة..

إنقاذ المعبد تكلف 36 مليون دولار تحملت مصر ثلث التكلفة والثلثان الباقيان من الشعب الأمريكى الذى رفضت حكومته المساهمة فى تحمل إنقاذ المعبد ومن منظمة اليونسكو بواقع 12 مليونا لكل منهما بخلاف مساهمات من عدد كبير من الدول.

ساهم فى عملية الإنقاذ 6 شركات عالمية هي الشركة الفرنسية «ترافو دى مارسيليا» وشركتان من السويد هما «سنتاب» و«سكانيسكا» وشركة «أميرجلو» الإيطالية وشركة «هوختيف» الألمانية وشركة مصرية واحدة هى شركة «أطلس» كانت الشركة الألمانية هى التى تقود المجموعة التى أطلق عليها «الشركات الاتحادية لإنقاذ آثار أبو سمبل» حيث بدأ تنفيذ المشروع فى مارس 1964.

مصر لم تنس الجميل لكل من ساهم فى إنقاذ المعبد فأهدت الدول ذات الإسهامات الكبرى فى عملية الإنقاذ بقايا معابد فرعونية مثل معبد دندور الذى تم إهداؤه للشعب الأمريكى ومقصورة الليسية للحكومة الإيطالية ومعبد دابود للحكومة الإسبانية ومعبد طافا لهولندا.

هل كان يعلم د.ثروت عكاشة وزير الثقافة صاحب مشروع إنقاذ معابد النوبة والذى أصر على توثيق كل شيء فى عملية النقل أن كلماته لنائب رئيس هيئة اليونسكو هى التى ستجعل الهيئة تتبنى عملية الإنقاذ قال عكاشة: فلتتضافر أيدينا كى نسحب المياه من تحت قدمى إيزيس، عسى أن نضيف يوما خاتمة جديدة لكتاب «موت فيلة» لكاتبه الفرنسى بيير لوتى بعنوان «بعث فيلة».

«القرنة» وثانى أكبر هجرة فى التاريخ

نجحت مصر بفضل جهود اللواء سمير فرج محافظ الأقصر وقتها فى تنفيذ أكبر عملية نقل طوعى لسكان القرنة المقيمين فى مقابر النبلاء ومقابر ملوك الفراعنة بالبر الغربى بالأقصر وعددهم 3250 أسرة، من فوق المنطقة الأثرية، إلى «قرية القرنة الجديدة»، التى بنيت خصيصًا لهم بدلًا من منازلهم العشوائية، حتى تم اكتشاف عدد كبير من المقابر بعد أن ترك الأهالى منازلهم.

 نقل تمثال رمسيس الثانى

 هى رحلة طويلة انتهت بأعظم ملوك الفراعنة فى مكانه كإحدى أيقونات المتحف المصرى الكبير فى رحلة عبر تاريخه منذ اكتشافه فى سلسلة من العمليات الهندسية واللوجستية المُعقدة التى استقطبت اهتمام العالم، خاصة عملية نقله الأخيرة إلى المتحف المصرى الكبير. تم اكتشاف التمثال الضخم المصنوع من الجرانيت الأحمر، والذى يزن حوالى 83 طنًا ويبلغ ارتفاعه حوالى 12 مترًا، فى منطقة ميت رهينة (منف القديمة). وتمت عملية النقل الأولى فى عام 1954/1955) من موقع اكتشافه فى ميت رهينة إلى ميدان باب الحديد بوسط القاهرة، والذى سُمى لاحقًا ميدان رمسيس وأشرف على هذه العملية الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ونُفذت بمساعدة النحات المصرى أحمد عثمان الذى قام بترميمه وتجميعه حيث كان مكونًا من ستة أجزاء.

وتمت عملية النقل الثانى فى عام 2006 بسبب المخاوف من تأثير التلوث الناجم عن عوادم السيارات والقطارات فى منطقة ميدان رمسيس المزدحمة، تقرر نقله إلى موقع مؤقت بالقرب من منطقة أهرامات الجيزة وتحديدًا فى ميدان الرماية، استعدادًا لنقله لاحقًا إلى المتحف المصرى الكبير. كانت عملية النقل فى هذا الوقت حدثًا عالميًا وتطلب التحضير لها عامًا وشهرين من الدراسات الهندسية.

 فى 25 يناير 2018، نُقل التمثال فى موكب مهيب لمسافة 400 متر إلى مقره الدائم فى البهو العظيم للمتحف المصرى الكبير.

كانت هذه العملية الأحدث والأكثر إبهارًا للعالم، وأُجريت بعد دراسات دقيقة لضمان سلامة التمثال الذى يعود تاريخه إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد.

بهذا النقل، أصبح تمثال رمسيس الثانى أول قطعة أثرية ضخمة تستقر فى المتحف، ليكون أول من يستقبل زوار المتحف عند افتتاحه الرسمى، فى دلالة على عظمة الملك الذى يعد أحد أشهر وأعظم ملوك مصر القديمة.