رمزية الخلود
سر التصميم الهندسى للمتحف ونظرية التقسيم اللا نهائى للمثلث
نعمات مجدى
تقف أهرامات الجيزة شاهدًا على عبقرية المصرى القديم، وبالقرب منها يقف المتحف الكبير مزهوًا باحتضانه حضارته الفريدة، وبلغة معمارية صممت لتعيد رواية تاريخ العظمة.
المتحف المصرى الكبير، هو المشروع الثقافى الأضخم فى العالم، وليس مبنى لحفظ الأثر، بل رسالة تربط بين ماضى الأجداد وإبداع الأحفاد.
لكن ما سر هذا التصميم الفريد، وهل اختيرت زاوية بناء المتحف عشوائيًا، ولماذا اتخذت واجهته شكل الأهرامات السبعة؟
الحكاية بدأت من رؤية هندسية وفلسفية عميقة أراد المصصم من خلالها أن يجعل المتحف امتدادًا حيًا للحضارة المصرية، لا مجرد صرح أثرى.
روح مصر القديمة
حين أُعلن عن مسابقة عالمية لتصميم المتحف المصرى الكبير فى بداية الألفية الجديدة، تقدمت مئات الشركات من مختلف دول العالم، وفازت شركة هندسية أيرلندية «هينغان بينغ» بتصميمها المبتكر الذى جمع بين روح الأهرامات القديمة وفكر العمارة الحديثة.
اعتمد التصميم على الشكل المثلث، الذى يُعد من أقدم وأقوى الرموز فى الحضارة المصرية، حيث يرمز إلى الخلود والاستقرار والاتصال بين الأرض والسماء.
ولم يكن الشكل مجرد اختيار جمالى؛ بل رؤية فلسفية مستوحاة من نظرية الخلق عند المصريين القدماء، الذين آمنوا أن الكون نشأ من الماء، ثم ظهرت منه التلة المقدسة، ومنها بزغت الحياة.
لذلك، صُمم المتحف ليجسد هذه الفكرة: التمثال الرئيسى يقف على قاعدة مثلثة وسط بحيرة صغيرة، وكأن الكون يولد من جديد بين جدران هذا الصرح العملاق.
امتداد بصرى للأهرامات
اختير موقع المتحف بعناية فائقة على مساحة 117 فدانًا، بالقرب من أهرامات الجيزة، فى منطقة تُتِيح رؤية بانورامية مذهلة، فعند الوقوف أمام المتحف يمكن رؤية الأهرامات الثلاثة بوضوح، بينما إذا نُظر إليه من السماء، يظهر كأنه الهرم الرابع الذى يُكمل المشهد الفريد لهضبة الجيزة.
العبقرية هنا تكمن فى أن أضلاع المتحف تتوازى تمامًا مع أضلاع الأهرامات الثلاثة، الضلع الأول على استقامة الهرم الأكبر (خوفو)، والمنتصف يتجه نحو الهرم الأوسط (خفرع)، والضلع الثالث نحو الهرم الأصغر (منقرع).
بهذا الشكل يصبح المتحف جزءًا من حوار بصرى أبدى بين الماضى والحاضر، بين الحجر القديم والخرسانة الحديثة، بين المعابد الفرعونية والمعمار المعاصر.
واجهة الأهرامات السبعة
أكثر ما يميز المتحف المصرى الكبير هو واجهته الشرقية الفريدة التى تضم سبعة أهرامات مضيئة. والرقم (7) لم يُختَر عبثًا، فهو رقم له قدسية خاصة فى المعتقدات المصرية القديمة، إذ كان يرمز إلى الكمال والانسجام والخلود.
كل هرم من الأهرامات السبعة فى الواجهة يُعبر عن جانب من جوانب الحضارة المصرية التى لا تفنى.
وقُسمت الواجهة إلى ثلاثة أجزاء رئيسية، الأول والثانى يحتوى كل منهما على ثلاثة أهرامات مضيئة تمتد من الأرض إلى السماء من خلال الضوء، فى دلالة على العلاقة بين الإنسان والكون.
أما الجزء الثالث فى الواجهة الشمالية فهو هرم زجاجى شفاف يمثل الهرم السابع، رمز الشفافية واستمرارية الحضارة المصرية فى بث النور والمعرفة إلى العالم كله، وبالتالى فإن تلك الأهرامات ليست ثابتة بصريًا، بل تظهر متحركة ديناميكيًا بحسب زاوية النظر والضوء، فى مشهد يوحى بالحياة والخلود معًا.
خامات مصرية 100%
تميز تصميم المتحف باستخدام الخامات المصرية الأصيلة، تأكيدًا لفكرة الاعتماد على الموارد الوطنية وربط الماضى بالحاضر، فقد تم كسوة الواجهة بالرخام المصرى المستخرج من محاجر سيناء، وهو نفس النوع الذى استخدمه المصرى القديم فى المعابد والتماثيل.
كما نُفذت الواجهة على أيدى مهندسين وفنيين مصريين بالكامل، لتكون شهادة على قدرة المصريين المعاصرين على الإبداع.
وعلى جانبى المدخل الرئيسى، نُقشت خراطيش ملوك مصر القديمة، وكأنهم يرحبون بزوارهم من أنحاء العالم، فى مزيج بين الفن المعاصر وروح التاريخ.
تطور التصميم
كان التصميم الأولى لواجهة المتحف يختلف تمامًا عن الشكل الحالى؛ إذ كان عبارة عن حائط معدنى مستقل مكسو برخام مستورد من مقدونيا، ما كان سيجعل مصر رهينة للاحتكار الأجنبى فى الصيانة والخامات، فضلًا عن أن بعض الرموز كانت تُعتبر مسيئة للحضارة المصرية.
ولذلك تم تعديل التصميم بالكامل ليستبدل بالتصميم الحالى الأكثر ارتباطًًا بالهوية المصرية، والمفارقة أن تكلفة التصميم الجديد لم تتجاوز 20 مليون دولار، بينما كانت التكلفة المقدرة للواجهة القديمة تصل إلى 250 مليون دولار!
والمذهل أن تصميم المتحف اعتمد على نظرية رياضية لعالم بولندى تتحدث عن التقسيم اللا نهائى للمثلث، أى أن كل مثلث يمكن أن يُقسم إلى مثلثات أصغر بلا نهاية.
وهذا المبدأ طُبّق على واجهة المتحف التى تتكون من مثلثات متداخلة فى بعضها البعض، فى إشارة رمزية إلى خلود الحضارة المصرية واستمراريتها عبر الزمن.
كما أن التصميم راعى الموقع الجغرافى الفريد على حافة الهضبة الصحراوية، ونجح فى دمج الصحراء والنيل فى رؤية معمارية واحدة عند حافة الهضبة الصحراوية الأولى بين الأهرامات ومدينة القاهرة، ذلك الموقع الذى يرتفع نحو 50 مترًا ناتج عن نحت نهر النيل لطريقه عبر الصحراء وصولا إلى البحر المتوسط، وهو تشكيل جيولوجى ساهم فى تكوين طبيعة تضاريس مصر على مدى آلاف السنين.
ومن العلامات الفنية التى يتميز بها تصميم المتحف أيضًا، ربطه البصرى المباشر مع الأهرامات من خلال محاور هندسية دقيقة، حيث يتضمن التركيب المعمارى هيكلًا ثلاثى الأبعاد، تحدده مجموعة من المحاور البصرية الممتدة من الموقع إلى الأهرامات الثلاثة، وهى التى تشكل الإطار الذى يظهر فيه المتحف، ومن ثم يستغل التصميم فرق المستوى بين وادى النيل والهضبة الصحراوية لإنشاء حافة جديدة للهضبة، بحيث يقع المتحف بين مستويى الوادى والهضبة، دون أن يرتفع فوقها، محافظًا على انسجامه البصرى مع الأفق التاريخى للأهرامات، وليشكل نقطة التقاء بين المنطقتين الجيولوجيتين، تزينه واجهة حجرية شفافة ضخمة تتغير ملامحها بين النهار والليل.
أما عن التصميم الداخلى للمتحف فهو يتسم بالوضوح والسلاسة، ليأخذ الزائر عبر سلسلة من الطبقات المعمارية، حيث يتألف من خمسة محاور رئيسية تمتد باتجاه الأهرامات، بينما يشكل المحور السادس المسار الزمنى الذى يمثله الدرج العظيم وارتفاعه التدريجى من ساحة المدخل إلى صالات العرض الدائم، مرورًا بالمعارض الخاصة والمؤقتة، انتهاء بإطلالة مهيبة على أهرامات الجيزة من أعلى نقطة من الدرج، فيما تم تنظيم الصالات فى طابق واحد لتمكين الزائر من استيعاب حجم وعظمة الحضارة المصرية، بينما تحدد الطيات السقفية والجدران الهيكلية الضخمة الإيقاع المكانى للمتحف، كما يوفر التصميم تنظيمًا واضحًا للمساحات الواسعة مع مرونة عالية فى طرق العرض، والتحكم بالإضاءة الطبيعية عبر طيات السقف، علاوة على تنفيذ الواجهة الحجرية المائلة الضخمة شبه الشفافة، التى تتغير ملامحها بتغير الضوء.
فلسفة الحياة والموت
داخل المتحف، تتجسد فلسفة الحياة المصرية القديمة فى كل زاوية، فالقاعات مصممة لتسرد قصة المصرى القديم منذ مولده حتى رحيله إلى العالم الآخر.
وتُعرض القطع الأثرية بطريقة تعكس الحياة اليومية والدينية والملكية، وفى إحدى القاعات يمكن رؤية خنجر الملك توت عنخ آمون المصنوع من حديد نيزكى جاء من السماء، كأنه يربط الأرض بالكون، فكرة تتناغم مع تصميم المتحف نفسه الذى يربط الأرض بالسماء عبر المثلثات المضيئة.
هكذا، فإن تصميم المتحف المصرى الكبير لم يكن قرارًا هندسيًا فحسب، بل فلسفة حضارية مكتملة، تستلهم من فكر المصرى القديم عبقريته فى الخلق، ومن المصرى الحديث قدرته على التجديد.
المتحف ليس مجرد جدران تحتضن آثارًا، بل هو رسالة للعالم بأن مصر التى شيدت أول صرح حضارى على وجه البسيطة، ما زالت قادرة على أن تُبدع وتُدهش، وتكتب فصولًا جديدة فى كتاب الحضارة الإنسانية.







