رسائل شيخ الأزهر من القمة العالمية فى إيطاليا
لا سلام فى الشرق الأوسط دون دولة فلسطينية
صبحى مجاهد
فى زمن تشتعل فيه الحروب ويخفت صوت العدالة، جاءت زيارة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر ورئيس مجلس حكماء المسلمين، إلى روما، لتعيد صوت الضمير الأخلاقى إلى المشهد العالمي. شارك فى القمة العالمية للسلام التى نظمتها جمعية سانت إيجيديو تحت عنوان «إيجاد الجرأة لتحقيق السلام»، بحضور الرئيس الإيطالى سيرجيو ماتاريلا وملكة بلجيكا ماتيلد. وجه الإمام خطابًا دعا فيه إلى العدالة كأساس للسلام، مشيدًا بوثيقة الأخوة الإنسانية. أكد ماتاريلا على مكانة الأزهر كمرجعية أخلاقية، مشيرًا إلى دوره فى تعزيز الحوار والسلام العالمي.
شارك الإمام الأكبر فى القمة العالمية للسلام التى نظمتها جمعية سانت إيجيديو تحت عنوان «إيجاد الجرأة لتحقيق السلام»، بحضور الرئيس الإيطالى سيرجيو ماتاريلا، وملكة بلجيكا ماتيلد، وعدد من قادة الأديان والمفكرين من مختلف القارات.
جاءت مشاركة شيخ الأزهر لتعيد توجيه البوصلة: الإنسان أولًا، والضمير قبل السلاح، والعدل قبل السلام.
فى افتتاح القمة، وجه الرئيس الإيطالى تحية خاصة لفضيلة الإمام الأكبر، مشيدًا بجهوده فى نشر ثقافة السلام، وتعزيز الحوار بين الأديان، وترسيخ قيم التعايش وقبول الآخر.
واقتبس ماتاريلا من كلمات الإمام السابقة: «أذكّركم بكلمات الإمام الأكبر الذى دعا إلى نشر الأخوة الإنسانية، وترسيخ الحوار بين الأديان، ورفع راية السلام بدلًا من الانتصار، والتحلى بالشجاعة لتحقيق سلام حقيقي».
هذا الاقتباس لم يكن مجرد مجاملة، بل تأكيد أوروبى على مكانة الأزهر كمرجعية أخلاقية عالمية، قادرة على ملامسة الضمائر فى زمن يرهق فيه الصراع صوت الحكمة.
وأكد ماتاريلا أهمية الاستماع إلى رموز دينية تحمل الحكمة، مثل شيخ الأزهر والبابا فرنسيس، مشيدًا بوثيقة الأخوة الإنسانية، معتبرًا أن «قوة التسلط يجب أن تُواجه بالقوة الهادئة والسلطة الروحية للمؤسسات الدينية»، داعيًا إلى بقاء هذا الصوت الإنسانى مسموعًا وفاعلًا فى حماية العالم من الانهيار الأخلاقى والصراعات العبثية.
شيخ الأزهر.. صوت الضمير فى زمن الصمت
فى تلك اللحظة التى استحضر فيها الرئيس الإيطالى كلمات الإمام الطيب، ألقى شيخ الأزهر خطابًا عميقًا يعبر عن رؤية الأزهر كضمير عالمى يدافع عن الإنسان وكرامته، ويرسم خريطة سلام تقوم على العدالة والرحمة. أعلن فضيلته بوضوح على منصة القمة: «صمود الضمير الإنسانى أمام المجازر هو الأمل الأخير للبشرية».
وخلال كلمته، رسم الإمام الأكبر لوحة صريحة لأزمة القيم فى القرن الحادى والعشرين، مؤكدًا أن «غياب العدالة المطلقة وانفصال القيم عن الإيمان» قادا الإنسانية إلى فراغ أخلاقى يهدد بانهيار الأنظمة قبل الإنسان.
وقال بحزم: «بئست حرية تصادر حق الضعيف المقدس فى الحياة على أرضه، وبئست عدالة تسوّغ هذه المنكرات وتبررها». أكد أن العالم لن يستعيد توازنه إلا بعودة العدالة كقانون أعلى من حسابات القوة والمصالح.
وحذر من أن غياب العدالة وانفصال القيم عن الإيمان ينذر بـ«فراغ أخلاقى يهدد بانهيار الأنظمة قبل قيمها»، مشيرًا إلى أن الحضارة المادية، بتغافلها عن الأخلاق، دفعت الإنسانية إلى حروب عبثية وأزمات تهدد كرامتها.
فلسطين فى قلب الخطاب
من على منبر روما، لم يغب عن شيخ الأزهر مشهد الدم الفلسطيني، فقال بقوة: «لا سلام فى الشرق الأوسط دون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف». وأشاد بشجاعة الدول التى اعترفت مؤخرًا بالدولة الفلسطينية، معتبرًا ذلك «صحوة للضمير الإنسانى وانتصارًا للحق الفلسطينى المسلوب». وجه التحية لأحرار العالم الذين نددوا بمجازر غزة «التى أبكت قلب الإنسان وذبحت ضميره».
لم يكتفِ بالتنديد، بل قدم قراءة تحليلية للنظام الدولى الذى «أصبح أسير موازين القوة وتجارة السلاح ومكاسب الحروب»، محذرًا من أن العالم «يفقد الاتجاه الصحيح ويكيل بمئة مكيال إن لزم الأمر»، فى إشارة إلى ازدواجية المعايير التى تنسف العدالة.
وأكد: «لا سلام بلا عدل، ولا عدالة مع هيمنة صناعة السلاح»، ملخصًا الأزمة الأخلاقية التى تخنق العالم.
الأخلاق والإيمان.. أساس السلام
فى قراءة فكرية معمقة، ذكّر شيخ الأزهر بأن العالم «ينهار أخلاقيًا عندما تُفصل القيم عن الإيمان»، مؤكدًا أن محاولات الإبقاء على الأخلاق دون الدين «محكوم عليها بالزوال»، لأن الأخلاق بلا إيمان تتحول إلى أداة للجشع وسحق الضعفاء.
ودعا إلى إخضاع التكنولوجيا لقيم العدالة والضمير، كاشفًا عن تعاون بين الأزهر والفاتيكان ومجلس حكماء المسلمين لإعداد «ميثاق عالمى لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي»، يضمن أن تكون التقنية خادمة للإنسان لا سيفًا مسلطًا عليه.
وأوضح: «حراسة قيمنا فى استخدامات هذه التقنية ليست ترفًا، بل التزام أخلاقي ومسئولية إنسانية كبرى»، مؤكدًا أن مستقبل البشرية يتوقف على هذا التوازن.
وثيقة الأخوة الإنسانية
أشار شيخ الأزهر إلى أن وثيقة «الأخوة الإنسانية»، الموقعة مع البابا فرنسيس فى أبوظبى عام 2019، جسدت «ضمير العالم الحر»، مؤكدًا أن السلام لا يتحقق بغياب السلاح، بل بحضور العدل. واعتبر الأخوة الإنسانية الطريق الأوحد لترميم الضمير العالمي.
خطاب شيخ الأزهر فى روما تجاوز المناسبة البروتوكولية إلى بيان أخلاقى عالمي، يعيد تعريف السلام ويضع العدالة فى مركز الوجود الإنساني. السلام، كما رآه، ليس شعارًا سياسيًا، بل ثمرة الإيمان بالإنسان.
بين تحذيره من انهيار الضمير ودعوته لميثاق أخلاقى عالمي، بدا الأزهر من قلب أوروبا كراية أخيرة للدفاع عن معنى الإنسانية فى زمن الفوضى.
لقاء رفيع
فى السياق ذاته، شهدت روما لقاءً مهمًا بين الإمام الأكبر والرئيس ماتاريلا، حيث أكدا على ضرورة الالتزام بخطة السلام فى الشرق الأوسط، ووقف العدوان على غزة، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية للمحاصرين.
وقال الإمام الأكبر: «ننتظر إعلان إيطاليا اعترافها بدولة فلسطين، كخطوة عادلة تضعها إلى جوار الدول التى اتخذت موقفًا منصفًا تجاه الشعب الفلسطيني».
وعبر عن تقدير الأزهر لموقف الشعب الإيطالى الذى خرج فى مظاهرات حاشدة رفضًا للعدوان على غزة، مؤكدًا أن «الأمل معقود على هؤلاء الشباب المنصفين للانتصار لكرامة الإنسان أيًا كان عرقه أو معتقده».
وأضاف أن الأزهر معنى بنشر السلام، جوهر رسالة الإسلام، ويسعى عبر الحوار الدينى والثقافى لبناء عالم أكثر عدلًا وتسامحًا. وأكد أن وثيقة الأخوة الإنسانية مع البابا فرنسيس تجسد هذا المنهج، وما زالت تؤتى ثمارها فى تعزيز التفاهم ومواجهة الكراهية والتطرف.
من جانبه، أكد الرئيس الإيطالى سيرجيو ماتاريلا تقديره الكبير لجهود مصر، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسي، فى التوصل إلى اتفاقات سلام ووقف العدوان على غزة، داعيًا جميع الأطراف إلى الالتزام بخطة السلام وتيسير مرور المساعدات الإنسانية.
وأشار إلى أن الحوار بين الأديان والسياسة يمكن أن يشكل أساسًا لبناء عالم أكثر استقرارًا، مؤكدًا أن التعاون بين الكرسى الرسولى والأزهر الشريف نموذج فريد للعلاقات القائمة على الاحترام المتبادل وقيم السلام المشتركة.
وأعرب ماتاريلا عن تقديره لدور شيخ الأزهر فى نشر ثقافة السلام ومكافحة الكراهية، مشيدًا بالعلاقة التاريخية التى جمعته مع البابا فرنسيس، قائلًا: «أثبتت وثيقة الأخوة الإنسانية، التى وقّعها الإمام الطيب والبابا فرنسيس عام 2019، أنها حجر زاوية فى بناء عالم يسوده الاحترام والحوار».
وأضاف أن كلمة الإمام فى القمة تحمل توصيات عملية لتحقيق السلام الحقيقي، مؤكدًا دعم إيطاليا للجهود المصرية بقيادة السيسى فى وقف العدوان على غزة وتثبيت السلام فى الشرق الأوسط.
رسالة إلى العالم
من قاعة القمة إلى قصر الرئاسة الإيطالي، حمل الإمام الأكبر رسالة واحدة: السلام لا يُصنع بالهيمنة، بل بالضمير. سيبقى الأزهر حارسًا للقيم الإنسانية مهما تغيرت التحالفات.
لم تكن قمة روما مجرد مؤتمر حوار، بل تجسيدًا لتحول الأزهر إلى ضمير عالمى ناطق باسم القيم الإنسانية المشتركة.
حين يستشهد رئيس دولة غربية بكلمات شيخ الأزهر عن السلام، فهذا يعنى أن خطاب القاهرة بات جزءًا من لغة الضمير العالمي.
أثبت الإمام الطيب، مرة أخرى، أن الأزهر ليس متفرجًا على مشهد الإنسانية المضطرب، بل فاعل فيه، وناصح له، وحارس على بقايا العدل.
ومن قلب روما، تردد صوته ليذكّر العالم بأن السلام لا يُصنع بالقوة، بل يُبنى بالضمير، وأن الإنسان هو القضية الكبرى للأزهر والإسلام والإنسانية جمعاء.







