مصر تستعرض خزائن هويتها
الإعلام الدولى يحتفى بإنجاز المتحف الكبير
مروة الوجيه
افتتاح المتحف المصري الكبير ليس مجرد حدث ثقافي، بل هو استعادة لمجد قديم يتقدم بخطى الحاضر نحو المستقبل، يبدو وكأن مصر تعيد تقديم نفسها للعالم، لا كأرض يسكنها آثر، بل كحضارة قادرة على صناعة الدهشة.
يطل المتحف بهيبته وامتداده المعماري، كأنه سطر يضاف لكتاب التاريخ على ضفاف النيل، متحدثاً للعقل والذاكرة، ليربط بين ملك فرعونى ولد في رمال الأقصر، وعالم تسوغ التكنولوجيا مفرداته بلا حدود، فكل قطعة بالمتحف ليست أثرًا جامدًا، بل صوت متحضر يخاطب ضمير الإنسانية، وكل جناح من أجنحته يختزن سؤالًا عن معنى الخلود، ومعنى أن تظل حياً عبر الأزمنة.
وبينما تتجه عدسات العالم نحو «الجيزة»، تعلن مصر بنور الحضارة العريقة أن قوتها الناعمة ليست خطاب سياسي أو صفقة اقتصادية، بل ذاكرة مصانة وفعل معاصر نابض بالحياة.

هكذا يأتى الافتتاح كما نتصور، فهو ليس تدشيناً لمشروع طال انتظاره، بل إعلان عن الهوية المصرية في أبهى صورها، لتروى الحكاية الكبرى من نيل كان مهداً للبشرية، إلى متحف بات شاهدًا على أن مصر والزمن توافقا على البقاء إلى أبد الدهر.
ميلاد جديد
في صباحٍ احتفائي تسقط فيه أشعة الشمس على بلد كتبت بالحجارة حكاية حضارة امتدت خمسة آلاف عام، أضاف افتتاح «المتحف المصري الكبير» إلى رصيدها تاريخاً، فهو وإن كان حدثا رمزياً يعاد به تعريف العلاقة بين الماضي والحاضر، فهو يعلن أيضاً عن محاولة طرح سرد جديد للعالم عن مصر: دولة صانعة حضارة، صاحبة ذاكرة لا تنهار، ومصممة على ترسيخ حضارتها القديمة كمشروع لقوة ناعمة، وسياسة ثقافية عالمية.
المشهد الدولي كان متابعا باهتمام بالغ؛ عناوين الصحفِ الأجنبية تراوحت بين الإشادة والتحفظات النقدية.
بين الإشادة والتحليل
رأت صحف متخصصة في السفر والثقافة، أن المتحف ليس فقط أكبر متحف مكرس لحضارة واحدة، بل إنه يوفر «قصة متكاملة» للتاريخ المصري، من تماثيل الفراعنة إلى مقتنيات توت عنخ آمون، مع مسارات عرض مصممة لسرد الزمن بأسلوب معاصر، وأبرزت التقارير الصحفية أن المتحف سيجمع أكثر من 100 ألف قطعة أثرية، ويضعها في سياق سردي ينقذها من التجزؤ.
أما الصحف الإخبارية الكبرى، فتناولت الجوانب السياسية واللوجستية: حضور قادة عالميين، جدول الافتتاح الرسمي مقابل فتح الأجنحة للجمهور، وتأثير التوترات الإقليمية على المواعيد النهائية، وكيف نجحت القاهرة في هندسة مشهد فريد يجمع بين الأمان، رغم التحديات، والثقافة والفن والتراث الحضاري.
يفتح المتحف بابًا لمزيد من الحوار بين الباحثين والزوار عن تاريخ لا مثيل له، لكنه كذلك يضع مسئولية ثقافية على مصر: كيف توظف هذا المورد في تعليم أجيال جديدة وفي دعم السياحة المستدامة، من دون أن يتحول التراث لمجرد سلعة استهلاكية؟ كما يتحدى العالم المتحفي لإعادة التفكير في طرق العرض واستدعاء أصوات أكثر تنوعًا في رواية التاريخ.
رسالة حضارة لا تغيب
الصحف الأجنبية تناولت الحدث من زوايا متعددة. صحيفة «ناشيونال جيوجرافيك» كتبت أن المتحف «ليس مجرد مساحةٍ للعرض، بل تجربة تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والذاكرة».
أما صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية فوصفت المشروع بأنه «نقطة تحولٍ في مستقبل السياحة الثقافية بمصر». بينما تناولت «ذا آرت نيوسبايبر» الأبعاد الزمنية والسياسية لتأخير الافتتاح «تجهيز متحفٍ بهذا الحجم في منطقةٍ تشهد تحولاتٍ متسارعة هو إنجازٌ في حد ذاته».

وفي تقارير وكالة «أسوشييتد برس» و«آر إف آي» الفرنسية، بدا التركيز على أثر المتحف في صورة مصر الدولية، وكيف أصبح المشروع نموذجًا لاستثمار الذاكرة في الاقتصاد الثقافي.
أما مجلة «وولبيبر» المعمارية فقد احتفت بتصميم المتحف الذي يربط بصريًا بين مبناه الزجاجي والأهرامات في الخلفية «أجمل حوار بين الحجر والضوء في القرن الحادي والعشرين».
وتوقفت تغطيات أخرى عند ما هو أعمق من الشكل، إذ رأى بعض الكتاب الغربيين أن المتحف المصري الكبير هو «بيان حضاري»، ورسالة من مصر إلى العالم بأن الحضارة القديمة لم تدفن في الرمال، بل تواصل خطابها بأدوات جديدة ومفردات معاصرة. فالمتحف ليس فقط أرشيفًا للتاريخ، بل منصة لإعادة كتابة العلاقة بين التاريخ والهوية، بين ما كنا وما يمكن أن نكون.
وسلط موقع «بي إن أو نيوز» الهولندي الضوء على افتتاح المتحف المصري الكبير (GEM). ونشر تقريرا بعنوان “الحفاظ على إرث أقدم حضارة في العالم”، مشيراً إلى أن الافتتاح الرسمي للمتحف يمثل لحظة تاريخية فارقة لمصر وللمهتمين بالحضارة الإنسانية، بعد سلسلة من التأجيلات التي سبقت الافتتاح.
وأوضح التقرير أن الافتتاحات التجريبية التي جرت خلال الفترة الماضية ساهمت في زيادة شهرة المتحف عالمياً. وجذبت أعدادا كبيرة من الزوار الراغبين في خوض تجربة فريدة تمتد عبر خمسة آلاف عام من التاريخ المصري القديم.
كما استعرض التقرير ملامح التجربة المتكاملة التي يقدمها المتحف. وتشمل العروض التفاعلية والصور المجسمة (الهولوجرام)، وجولات الواقع الافتراضي على ضفاف النيل. بالإضافة إلى مساحات تعليمية مخصصة للأطفال.
كما ذكرت مجلة «ذا كوليكتور» في تقرير بعنوان «لماذا يُعد المتحف المصري الكبير وجهة لا غنى عنها للمؤرخين؟»، أن المتحف المصري الكبير يقدم تجربة فريدة تسلط الضوء على تاريخ مصر العريق الممتد لأكثر من خمسة آلاف سنة.
كما أشار التقرير إلى الدرج الكبير المكون من 6 طوابق كرمز لرحلة الصعود الحضاري لمصر، ووصفه بأنه أحد أبرز معالم المتحف. إذ تصطف على جانبيه تماثيل ضخمة تروي مسار التاريخ المصري في تسلسل بصري، صمم لعرض المعروضات وفق التسلسل الزمني، بدءا من عصر ما قبل الأسرات.
أشار التقرير أيضا إلى أن المتحف المصري الكبير يتيح للمؤرخين فرصة للدراسة والبحث. من خلال مجمع بحثي ضخم مخصص للحفظ والأبحاث.
ويضم مختبر الترميم بالمتحف 17 مختبرا متخصصا تركز على ورق البردي، والمنسوجات، والخشب، والحجر، والمعادن، والرسوم الجدارية، والبقايا البشرية. بالإضافة إلى التصوير والرعاية الوقائية. صُممت أجزاء من المختبر بجدران زجاجية، ليتمكن الزوار من مشاهدة المرممين أثناء عملهم على القطع الأثرية؟ بما في ذلك كنوز الملك توت عنخ آمون ومركب خوفو الشمسي.
فيما سلط موقع «باراميتريك» الضوء على ممشى المتحف المصري الكبير الجديد (GEM) الذي يربطه بأهرامات الجيزة. وهو ممشى مخصص للمشاة والحافلات. ووصف الموقع التصميم بأنه: “تحفة معمارية تجمع بين التحتية الحديثة والتاريخ الخالد، لتغير تجربة زيارة واحدة من عجائب الدنيا الخالدة”.
يمتد الممشى، المعروف باسم “الممشى السياحي”، من منطقة الانتظار أو الوصول بالمتحف على طول طريق الفيوم. ثم يندمج تدريجيا مع أهرامات الجيزة. مزينا بإضاءة خافتة للحفاظ على التناغم البصري مع أفق الأهرامات. ولفت التقرير إلى أهمية الممشى في تقليل الازدحام، وإدارة مسار الزوار بشكل أكثر تنظيما. والحفاظ على سلامة المنطقة الأثرية. وهكذا، يقف المتحف المصري الكبير اليوم لا كصرح من حجارة وزجاج فحسب، بل كحالة روحية مكتملة تلخص مسيرة أمة لم تعرف الانكسار. بين جدرانه تخفي مصر نبضها العتيق، وتعيد للعالم تعريف معنى الخلود، حين يتحول الأثر من قطعة صامتة إلى حكاية تتكلم بلغة الضوء والظل، ومن ذاكرة منقوشة على جدار قديم إلى رسالة مفتوحة إلى المستقبل.







