الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تعددت الرؤى والهدف واحد

السردية الاقتصادية

أعلنت الحكومة المصرية عن إطلاق «السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية»، وهى إطار شامل يهدف إلى ضمان التكامل بين سياسات الحكومة ورؤية مصر 2030. وتُعد هذه السردية خطة استراتيجية جديدة تهدف إلى إعادة صياغة المسار الاقتصادى للبلاد خلال السنوات الخمس المقبلة، مع التركيز على تعزيز دور القطاع الخاص، تحفيز النمو الاقتصادى، وخلق فرص عمل من خلال إصلاحات هيكلية شاملة. ومن المقرر أن يبدأ الحوار المجتمعى حول مسودة هذه السردية قريبًا، على أن يتم إطلاق الوثيقة النهائية فى ديسمبر 2025.



وقد أثارت هذه المبادرة نقاشًا واسعًا بين الخبراء الاقتصاديين، حيث رأى البعض أن السردية تمثل توثيقًا لجهود الدولة منذ 2014، مع التركيز على الحوكمة والشفافية كأدوات أساسية لتحقيق النمو. بينما شدد الخبراء على أهمية دمج التكنولوجيا، خاصة الذكاء الاصطناعى، لتعزيز التنافسية العالمية. 

فى المقابل، أعرب البعض الآخر عن تحفظاته، مؤكدًا أن السردية بحاجة إلى خطة تنفيذية واضحة بأهداف رقمية وجداول زمنية، مع وجود آليات محاسبة برلمانية لضمان الاستمرارية. 

هذه الآراء المتباينة تعكس أهمية الحوار المجتمعى لصياغة سردية متوازنة تحقق تطلعات المصريين.

ما هى السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية؟ 

أكدت الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولى، أن الوزارة تعمل على إعداد «السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية»، وهى خطة تنفيذية تهدف إلى تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة والمواءمة بين برنامج الحكومة ورؤية مصر 2030. وأوضحت أن هذه السردية تسعى لوضع مستهدفات واضحة تعكس طموحات الحكومة، وتتسق مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، فى إطار المضى قدمًا نحو نموذج تنموى جديد للاقتصاد المصرى.

وأشارت الوزيرة إلى أن الخطة التنفيذية للسردية ترتكز على أربعة محاور رئيسية:

1- استقرار الاقتصاد الكلى والمالى وتعزيز التمويل من أجل التنمية.

2- جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة لدعم النمو الاقتصادى.

3- التنمية الصناعية لتعزيز القاعدة الإنتاجية.

4- تحسين بيئة العمل لتوفير فرص عمل مستدامة.

وأوضحت الدكتورة المشاط أن الهدف الأساسى للسردية هو تحقيق نمو اقتصادى مستدام يعزز القدرة التنافسية لمصر من خلال نموذج تنموى موحد، يجمع بين سياسات وإصلاحات متكاملة، مع تحديد مستهدفات كمية واضحة على المدى القصير والمتوسط والطويل.

عناصر جديدة 

قال المفكر الاقتصادى الدكتور شريف دلاور، فى تصريحات خاصة لروز اليوسف: إن السردية تركز على تعزيز دور الدولة فى الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة، مع تمكين القطاع الخاص ليكون المحرك الرئيسى للنمو والتشغيل. وأشار إلى أن السردية تضم عناصر جديدة، منها إنشاء ثلاث وحدات رئيسية «وحدة الإطروحات الحكومية، ووحدة الشركات العامة، بالإضافة إلى الصندوق السيادى».

أكد دلاور على ضرورة توضيح بعض المفاهيم الأساسية، مثل دور الصندوق السيادى، الذى يُعتبر فى الأصل أداة لاستثمار الفوائض المالية للدول، خاصة فى الدول البترولية، لصالح الأجيال القادمة. وتساءل عن كيفية تطبيق هذا المفهوم فى مصر، التى قد لا تمتلك فوائض مالية كبيرة، مشيرًا إلى أن هذا الجانب يحتاج إلى نقاش معمق خلال الحوار المجتمعى.

كما شدد على أهمية تحديد مفهوم «الصناعات الاستراتيجية» التى ستبقى تحت سيطرة الدولة. وأوضح أن تعريف «الاستراتيجية» يجب أن يكون مرنًا ويتماشى مع متطلبات العصر، مثل الصناعات التى تجلب العملة الأجنبية، كالأسمدة والأسمنت، بينما يتغير مفهوم الصناعات الاستراتيجية عما كان عليه فى الماضى، مثل صناعة الحديد والصلب.

دور التكنولوجيا فى السردية

أبرز دلاور نقطة جوهرية تتعلق بدور التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعى، الذى وصفه بـ«كهرباء القرن الحادى والعشرين»، لما له من تأثير شامل على كل القطاعات، من الصناعة إلى الزراعة والسياحة. وأشار إلى أن الدول المتوسطة والكبرى وضعت استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعى، وهو ما بدأت مصر العمل عليه من خلال وزارة الاتصالات. وأكد أن دمج التكنولوجيا المتقدمة فى السردية أمر حتمى لتحقيق النمو والتنافسية، مشيرًا إلى أن المنافسة العالمية اليوم، سواء بين الولايات المتحدة والصين أو الاتحاد الأوروبى، ترتكز على التكنولوجيا.

إصلاحات هيكلية 

أما عن الجوانب الإيجابية فى السردية، فأشار دلاور إلى إنشاء مؤشر لمتابعة تنفيذ السياسات بدقة، بالإضافة إلى دور مجلس الوزراء فى اتخاذ القرارات بناءً على تقارير دقيقة. وأوضح أن هذه الخطوة تمثل إضافة نوعية مقارنة بالإصلاحات السابقة، التى شهدتها مصر فى التسعينيات وفى الفترة بين 2016-2018، والتى تضمنت نفس المضمون ولكن دون متابعة كافية.

حوار مجتمعى 

أكد دلاور على أهمية الحوار المجتمعى المفتوح حتى نوفمبر 2025، لضمان مشاركة واسعة فى صياغة الوثيقة النهائية. وأشار إلى أن السردية تشمل خططًا لإعادة هيكلة أو بيع أو دمج أو تصفية 59 هيئة اقتصادية من أصل 62، وهو ما يتطلب توضيحًا للجمهور لضمان مشاركة فعالة فى الحوار.

توثيق الجهود 

أوضح الدكتور محمد الشوادفى، الخبير الاقتصادى، أن «السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية» تمثل توثيقًا واقعيًا وتاريخيًا لجهود الدولة المصرية فى تحقيق التنمية الاقتصادية، من خلال استعراض الخطوات والإنجازات التى تم تحقيقها منذ عام 2014 وحتى الآن، مع ربطها برؤية مصر 2030. وأشار إلى أن السردية ليست مجرد رؤية، بل هى وسيلة لتحقيق هدف أكبر، وهو النمو الاقتصادى المستدام.

النمو الاقتصادى 

وأكد الشوادفى أن النمو الاقتصادى هو الهدف الرئيسى، بينما السردية الوطنية تُعد وسيلة لتحقيقه، حيث توثق الجهود التى بذلتها الدولة لتعزيز النمو، مواجهة التضخم، تمكين القطاع الخاص، توطين الصناعة، وتطوير المجمعات الصناعية. وأوضح أن النمو الاقتصادى يُقاس بمؤشرات كلية مثل معدل النمو، ومؤشرات جزئية مثل التضخم، بينما تُبرز السردية الخطوات العملية التى اتخذتها الدولة لتحقيق هذه المؤشرات.

أدوات بناء السردية الوطنية 

وفيما يتعلق بأدوات بناء السردية، أشار الشودافى إلى أن التوثيق يُعد الأساس، ويرتكز على مبادئ الحوكمة التى تشمل الشفافية، المصداقية، والمساءلة. وأوضح أن الحوكمة تتضمن إجراءات واضحة لتوثيق كل نشاط وهدف اقتصادى، مع تحديد المسئوليات وسلطات متخذى القرار، لضمان تحقيق الأهداف الاقتصادية بكفاءة وثقة.

 

 

 

المؤسسات الدولية 

وأكد الخبير الاقتصادى أن الحكومة هى الفاعل الرئيسى فى صياغة السردية الوطنية، بالتعاون مع جهات تمويلية مثل صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، اللذين يلعبان دورًا فى تأكيد صحة المسار الاقتصادى ودعم السرديات من خلال تقييم مدى تحقيق الأهداف. وأضاف: إن هذه الجهات تعزز الثقة فى السرديات من خلال ضمان الشفافية والمساءلة فى عمليات الإصلاح الاقتصادى.

وختم الشوادفى بالتأكيد على أن السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية ليست مجرد سرد تاريخى، بل هى إطار عملى يعكس جهود الدولة ويوجهها نحو تحقيق التنمية المستدامة، من خلال الاعتماد على الحوكمة والتوثيق كركائز أساسية لضمان نجاح السياسات الاقتصادية وتحقيق الأهداف المنشودة بحلول عام 2030.

خطة تنفيذية 

من جانبه أعرب الخبير الاقتصادى هانى توفيق عن تحفظاته الشديدة على مفهوم «السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية»، مشيرًا إلى أن السردية، أو الرؤية، لا تكفى بمفردها ما لم تُترجم إلى خطة تنفيذية واضحة تحدد الأهداف الرقمية، والجداول الزمنية، والمسؤوليات. وأوضح أن تحويل الرؤية إلى برامج عمليّة يتطلب جهدًا كبيرًا يشمل وضع جداول زمنية، وأرقام دقيقة، وتحديد المسؤولين عن التنفيذ، بالإضافة إلى آليات محاسبة واضحة للحكومة.

وأشار توفيق إلى أن السردية التى أعلنت عنها الحكومة، والتى تستهدف تحقيق معدل نمو بنسبة %7 بحلول عام 2030، تفتقر إلى تفاصيل تنفيذية توضح كيفية تحقيق هذا الهدف. وقال: «أريد أن أعرف كيف سنصل إلى هذا الرقم، من سيقوم بماذا فى الشهر المقبل، وما الخطوات العملية لتحقيق ذلك؟».

تحديات الاستمرارية 

انتقد توفيق إطلاق السردية فى ظل الترقب لتعديل وزارى محتمل أو تغيير حكومى، متسائلًا عن جدوى وضع خطة من حكومة قد لا تستمر لتنفيذها. وأكد أن الخطط التنموية يجب أن تُعتمد من لجنة عليا ويصادق عليها البرلمان، بحيث تلزم الحكومات المتعاقبة بتنفيذها. وأضاف: «لا يمكننى كحكومة أن ألزم حكومة لاحقة بخطة أضعها، لذا يجب أن تكون هناك لجنة عليا تخطط وبرلمان يحاسب الحكومة على مدى تحقيق هذه الخطة».

وأشار توفيق إلى أن الحكومة أعلنت عن برنامجها فى صيف العام الماضى، لكن لم تُجرَ أى محاسبة حول مدى تنفيذ هذا البرنامج بعد مرور عام. واستشهد بتجربة وثيقة «ملكية الدولة»، التى شارك فى مناقشتها خلال جلسات استمرت ثلاثة إلى أربعة أيام، وأُعلن خلالها عن خطة للتعامل مع 36 شركة، لكن لم يتحقق أى تقدم ملموس بسبب غياب المحاسبة. وقال: «من يحاسب من؟ يجب أن يكون هناك برلمان يُراقب الحكومة ويُحاسبها على تنفيذ خطة واضحة وضعتها لجنة عليا للتخطيط».

ضرورة المحاسبة 

وأكد توفيق أن نجاح السردية الوطنية يتطلب وجود آليات محاسبة صارمة، وتحديد مسؤوليات واضحة، مع إشراف برلمانى يضمن استمرارية التنفيذ بغض النظر عن التغييرات الحكومية. وختم بالتأكيد على أن تحويل الرؤى إلى واقع ملموس يحتاج إلى عمل دءوب وتخطيط دقيق، بعيدًا عن الشعارات العامة، لضمان تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة.

أهداف السردية

فى النهاية تهدف السردية الوطنية إلى تحقيق زيادة فى النمو الاقتصادى، تعزيز الصادرات، ورفع التنافسية من خلال التركيز على قطاعات مثل الصناعات التحويلية، السياحة، الطاقة، والزراعة. ومع ذلك، فإن تحقيق هذه الأهداف يتطلب دمج التكنولوجيا بشكل أعمق فى الخطة، ووضع جداول زمنية ورقمية دقيقة ووجود آليات للرقابة والمحاسبة.

لذلك فإن السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية خطوة طموحة نحو إعادة تشكيل المستقبل الاقتصادى لمصر، لكن نجاحها يعتمد على وضوح الرؤية، دمج التكنولوجيا، والمتابعة الدقيقة لتنفيذ السياسات. ومع اقتراب موعد إطلاق الوثيقة النهائية فى ديسمبر 2025، يبقى الحوار المجتمعى هو المفتاح لضمان أن تكون هذه السردية شاملة ومتكاملة، وتعكس تطلعات المصريين لتحقيق التنمية المستدامة.