جانية أم مجنى عليها
مدارس الترميم المصرية تعيد الحياة لآلاف القطع الأثرية
نعمات مجدى
على مدار عقود طويلة، شكّل المُرمِّمون المصريون خط الدفاع الأول عن التاريخ الحضارى العريق الذى نفخر به، هُم الأمناء على آثار تُجسّد آلاف السنين من الهوية، يحملون مسئولية الحفاظ عليها وترميمها وصونها من التلف والاندثار.
لكن حادثة سرقة الأسْورة الذهبية من المتحف المصرى رغم فداحتها وأثرها السلبى؛ فإنها لا تنفى أن لدينا الكثير من النماذج المشرّفة لمُرمّمين جسّدوا الإخلاص والانتماء.
عند اكتشاف مركب خوفو الأولى، أحد أعظم اكتشافات القرن العشرين، التى تم العثور عليها فى 26 مايو عام 1954، أعلن المهندس كمال الملاخ أنها من أهم الاكتشافات الفريدة من آثار الملك خوفو، ووجدت فى حفرتين بالجهة الجنوبية للهرم الأكبر.
عمل المرمم المصرى القدير الحاج أحمد يوسف، على ترميم وإعادة تركيب المَركب الأولى، التى خرجت إلى النور بعد أن مكثت فى باطن الأرض ما يقرب من 5000 سنة، وأحدث اكتشافها عاصفة عالمية من الاهتمام.
يبلغ طول المركب 43,4م، وأقصى عرض لها 5,9م، وعمقها 1,78م، وارتفاع مقدمتها ذات الشكل البردى 6م، وارتفاع مؤخرتها 7م، ولها عشرة مجاذيف: خمسة على كل جانب تتراوح أطوالها ما بين 6,5 و8,5م، ومقصورة رئيسية تتقدمها مقصورة الربان فى مقدمة المركب، والدفة عبارة عن مجذافين كبيرين، وتزن المركب نحو 45 طنًا.
العاشق والمعشوق
لم يُستخدَم مسمار معدنى واحد فى صناعة هذه المركب، فقد استخدم المصرى القديم طريقة «العاشق والمعشوق» والحبال فى تكوين أجزاء هذه المركب كبيرة الحجم.
يقول د.زاهى حواس، خبير الآثار المصرية، عن مركب الشمس إنها تُعَد أكبر مركب كاملة فى العالم، ويعود تاريخها إلى 4600 سنة، وعُثر عليها مفككة داخل حفرة جنوب الهرم. وإذا ما دخلنا فى تفاصيل عملية الترميم سنجد أن الحاج أحمد يوسف، قام بما يُعَد معجزة، وسوف نعرف مدَى الجهد والصبر الذى تحمَّله هذا المرمم العظيم، أحد أمهر مرممى العالم.
بعد أن تمت أعمال ترميم كل قطعة خشبية، التى وصل عددها إلى 1224 قطعة، كان تجميعها لإعادة بناء المركب من الأعمال المعقدة والعسيرة؛ نظرًا إلى عدم وجود أى عمل مشابه فى أى مكان بالعالم.
وقام الحاج أحمد يوسف بعمل دراسات وأبحاث، والاطلاع على رسوم ومَناظر المَراكب داخل مقابر الدولة القديمة، ودرسَها، وكلها تعود لعصور لاحقة على عصر خوفو، وتعود تحديدًا إلى عصر الملك سنوسرت الثالث، وعُثر عليها بمنطقة دهشور.
كما كان يزور مواقع صُنع المراكب الحديثة، سواء مراكب الصيد أو المراكب السياحية، ويجلس مع العمال ليعرف دقائق العمل.
مركب الشمس
بعد ذلك بدأت عملية تركيب مركب الشمش، عقب فصل كل جزء على حدة، سواء البدن أو المقدمة.
وبعد تركيب البدن وتثبيت العوارض فى أماكنها، تبيّن أن هناك ستة عوارض مفرّزة من الجانبين، وأن سُمْك هذا الأفريز يعلو عن سطح الأرض بـ5 سم، وظهر أن هذه العوارض الستة مخصَّصة لتقسيم سطح البدن، وتقسَّم إلى أقسام محددة لأجزاء الأرضية الخشبية للمركب، ثلاثة أقسام فيها وجه المقدمة، وثلاثة أقسام فيها المؤخرة، وبينها مساحة بسيطة لباب أو فتحة صغيرة للنزول إلى ساحة المركب.
فى أثناء عملية فرز الأخشاب كان من الصعب على الحاج أحمد أن يعرف أجزاء المقصورة الرئيسية للمركب، لكنه استطاع بعد جهد كبير من تركيب المقصورة فوق أرضية المركب وسطح البدن.
بعد التركيب وجد أن أحد المجاذيف الخلفية فى حالة سيئة جدا،ً ولذلك وضع مجذافًا جديدًا بدلًا منه، وأصبح الطول الكلى للمركب 42.32 متر، وأكبر عرض يقاس منه مستوى السطح نحو 60 مترًا، وبارتفاع نحو 7 أمتار.
متحف المركب
وتم افتتاح المتحف الخاص بالمركب رسميًا فى 6 مارس (آذار) 1982، وبعد ذلك ترك الحاج أحمد يوسف الاستراحة المخصّصة له فى الهرم ليعيش داخل منزله فى سوق السلاح، والذى تحوَّل إلى مؤسّسة ترميمية مهمة جدًا.
وكان يلازمه فى ذلك الوقت الخبير السياحى محمود القيسونى، ودفع الحاج أحمد للتبرع بمكتبته لمركز تسجيل الآثار.
بعد ذلك بسنوات قليلة رحل الرجل وترك لنا ثروة لا تقدَّر بثمَن من الصور والمخطوطات والسجلات التى تشرح بدقة كيف استطاع أن يعيد مركب الشمس إلى حالتها، وتصبح من أهم الآثار الموجودة لدينا فى مصر.
فى السياق ذاته يقول أحمد إمام، مدير فريق الترميم بمعبد إسنا وإخصائى ترميم الآثار لـ «روزاليوسف»، إن عمليات التطوير والترميم بمعبد إسنا بالأقصر والمنطقة المحيطة به مستمرة؛ استكمالًا لمشروع تسجيل وتوثيق وترميم المناظر المرسومة على جدران وأعمدة المعبد. وذلك بعدما تمكنت البعثة الأثرية المصرية الألمانية المشتركة من الكشف عن تفاصيل جديدة بالمناظر التى تزين جدران وأعمدة المعبد، مما يساهم فى الكشف عن مزيد من أسرار المصريين القدماء خلال العصر البطلمى.
وأكد أن مشروع ترميم معبد إسنا بالأقصر بدأ منذ ست سنوات، بهدف إزالة عوامل الزمن عن الجدران والأعمدة، وتسجيل وتوثيق وترميم المناظر الموجودة عليها، والتى تمت استعادة ألوانها الأصلية بعد الانتهاء من أعمال تنظيفها من الأتربة التى كانت تغطى جزءًا كبيرًا منها، كما تمت استعادة ألوان السقف الفلكى بالكامل، وتلك الموجودة على الأعمدة الداخلية للمعبد.
وأضاف أنه خلال الأعمال تمكن فريق العمل من المرممين من الكشف عن تفاصيل تصميمات الملابس الخاصة بالملك والآلهة الخاصة بإسنا، وتيجانهم وعروشهم التى ظهرت لأول مرة أثناء تنظيف بعض النقوش الموجودة على الجدار الداخلى الجنوبى، وكذلك الجزء الجنوبى من الجدار الخلفى الغربى للمعبد.
وأسفرت أعمال الترميم التى تمت على الجدران عن الكشف عن عدد كبير من النقوش لأول مرة، فى واحد من أهم المعابد المصرية القديمة.
دعم المشروع
وأكد أن وزارة الآثار قدمت كل سُبُل الدعم للانتهاء من أعمال المشروع التى من شأنها الحفاظ على تاريخ مصر الحضارى، والتعرف على المزيد من أسرار المصرى القديم، مما يساهم فى تحسين التجربة السياحة للسائحين محبى منتج السياحة الثقافية.
وقال إننا بدأنا بـ 4 مرممين، ووصلنا الآن إلى أكثر من 40 إخصائيًا وفنىّ ترميم، وجميع الأعمال تتم من قبل فريق عمل ترميم مصرى متخصص، وتحت إشراف إدارة ترميم آثار مصر العليا بالأقصر، والإدارة المركزية للترميم بقطاع المشروعات.
وقال إنه بدأ العمل فى الترميم فى عام 2012 بالإدارة العامة لترميم آثار شرق الدلتا، واستمر حتى 2016 بترميم القطع الأثرية التى وجدت فى تل بسطا، وأيضًا ترميم قصر الشناوى بالمنصورة، كما قام أيضًا بترميم مسجد هلال البيه الأثرى بقرية كوم النور بمركز ميت غمر بالدقهلية، وأيضًا مسجد العباسى الذى يُعَد أيقونة الآثار الإسلامية والعمارة الدينية بمحافظة بورسعيد، فهو يحمل طرازًا معماريًا وفنيًا وزخرفيًا مميزًا للغاية، وقد أضفى ذلك الجمال على المنطقة التى يقع فيها بأسْرها، وهى «حى العرب»، تلك المنطقة التى حفظت لنا ذاكرة بورسعيد ونضال شعبها، هذا فضلاً عن عَمله فى الترميم فى منطقة سقارة.
مدارس الترميم
د.مها أحمد على، أستاذ مساعد علاج وصيانة الصور الفوتوغرافية بكلية الآثار جامعة القاهرة، أوضحت أن لدينا 3 مدارس فقط للترميم، مدرسة مدينة نصر الثانوية الصناعية لترميم الآثار (للبنين فقط)، وهى الوحيدة فى مصر والشرق الأوسط فى مجال التعليم الثانوى الصناعى تخصص ترميم آثار، كما أنها حكومية تابعة لوزارة التربية والتعليم ولوزارة الآثار، ومصاريفها كمصاريف المدارس الثانوية الحكومية، ومعهد ترميم وصيانة الآثار فى الأقصر، تابع لـجامعة جنوب الوادى، والمعهد العالى للسياحة والفنادق وترميم الآثار فى أبو قير، كما توجد أقسام للترميم فى كليات الآثار.
وأضافت: إن الترميم مقسَّم إلى عضوى وغير عضوى ومعمارى.. مشيرة إلى أنها متخصّصة فى ترميم الآثار العضوية، التى لها أصل نباتى وحيوانى، بخلاف الآثار غير العضوية، مثل الأحجار والمعادن والزجاج والفخار، أمّا المعمارى فيكون للمبانى الأثرية التاريخية.








