عبد الناصر والقضية
كيف خطط لإقامة دولة فلسطينية من غزة بعد حرب 1956؟
رشدى الدقن
بعد الحرب الثلاثية «الإسرائيلية البريطانية الفرنسية» على مصر فى عام 1956، وضع الرئيس الراحل جمال عبدالناصر والذى تحل هذه الأيام ذكرى رحيله الخامسة والخمسين خطة لإقامة دولة فلسطينية انطلاقا من قطاع غزة. اهتمام عبدالناصر بالقضية الفلسطينية لم يكن نابعا فقط من الإشراف المصرى على قطاع غزة وقتها.. فالتاريخ يقول لنا إن الضابط الشاب الذى لم يبلغ الثلاثين - وقتها - يهتم بالقضية من اليوم الأول الذى وصل فيه إلى غزة.. وتحديدا فى اليوم الثالث من شهر يونيو 1948.
فى هذه الحرب المليئة بالخيانات كتب عبدالناصر على مكتب فوقه لمبة جاز أثناء الحرب يومياته فى دفتر شخصى كان غاية الأهمية...وللأسف الشديد استولى محمد حسنين هيكل على هذه اليوميات منذ العام 1953 ولم يفرج عنها سوى فى العام 2009 ونشرها الكاتب الكبير عبدالله السناوى.
فى هذه اليوميات يقول ناصر : كانت الأجواء محبطة فى ميادين القتال، والجاهزية العسكرية فى أدنى درجاتها... حشدت الوكالة اليهودية (81) ألف مقاتل معظمهم ضباط اكتسبوا خبرة عسكرية فى سنوات الحرب العالمية الثانية، فيما كانت أعداد الجيوش العربية مجتمعة (37) ألف ضابط وجندى!

وكانت أعداد الطائرات التى فى حوزة القوات اليهودية (78) طائرة عند بداية الحرب فيما لم تتجاوز الـ(30) طائرة على الجانب العربى.
عبدالناصر فى يومياته نسبت إلى رجلين، مسئولية الهزيمة العسكرية فى تلك الحرب... الأول اللواء المصرى «أحمد المواوى»، قائد حملة فلسطين، وقد نالته انتقادات حادة من الضابط الشاب فى دفتر يومياته. والثانى الجنرال الإنجليزى «جون باجوب جالوب»، الذى أسندت إليه القيادة العامة للجيوش العربية، وكانت إدارته للحرب من عَمان التزاما كاملا بالاستراتيجية البريطانية، لم يتجاوز خطوط التقسيم المنصوص عليها فى قرار الأمم المتحدة، حين كان متاحا التقدم وكسب الأرض، فيما كانت الدولة العبرية الوليدة تتوغل فيما تستطيع أن تصل إليه دون اعتبار لأى قرارات دولية.
وعندما صدرت لعبدالناصر أوامر الانسحاب من الخليل يوم الخميس «21» أكتوبر..كتب بخط يده: «سنقاوم إلى آخر رجل.. لقد فقدنا الإيمان فى قيادة الجيش.. وقيادة البلاد»..

خرج عبدالناصر من غزة..بعد حرب 48 لكنه عاد إليها فى زيارة تاريخية عام 1955..وهى زيارة كانت شديدة الأهمية والحساسية، إذا جاءت بعد وقوع اعتداء آثم من المحتل الإسرائيلى بقيادة شارون - رئيس وزراء الكيان المحتل فيما بعد - على أهداف بالقطاع الذى كان يتبع مصر إداريا فى حينها.
وقتها تحركت مصر داخل مجلس الأمن بتقديم شكوى ضد الكيان الإسرائيلى المحتل بوصفه اخترق وبشكل سافر بنود الهدنة العامة القائمة بين مصر وإسرائيل وبقرار وقف إطلاق النار الصادر عن «مجلس الأمن» بدءًا من 15 يوليو 1948.
وفاجأ الرئيس جمال عبدالناصر قطاع غزة بزيارته، وتفقد مواقع الحراسة المصرية على الحدود، وشاهد مكان الاعتداء الإسرئيلى الأثيم.. وكان يصحب الرئيس فى هذه الزيارة المفاجئة اللواء عبدالحكيم عامر وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، والصاغ صلاح سالم، وزير الإرشاد القومى، والشيخ أحمد حسن الباقورى، وزير الأوقاف».
وألقى الرئيس عبدالناصر كلمة قال فيها : أخوتي.. أود أن أقول لكم إننا لم ننس أبدا المؤامرات التى دبرت للقضاء على القوميات العربية فى فلسطين، وإننا لن ننسى فلسطين أبدا، وإذا كنتم أهل فلسطين قد اعتبرتم هذه المؤامرات موجهة لكم، فنحن أهل مصر نعتبرها قد وجهت لنا أيضا».
ويكمل عبدالناصر: «إن المؤامرات التى انتهت بهذا النصر للصهيونية العالمية لم تنته بعد، ونحن العرب أمة واحدة يجب أن نتجه فى المستقبل لنحمى قوميتنا التى استطاعوا أن ينفذوا إليها. وأن يحلوا محلها فى أرض عربية حبيبة قوميات غريبة. إن هذه المؤامرات لا تنتهى ومازالت تعمل ونحن فى مصر، نقف لها بالمرصاد، وكل ما أطلبه منكم أن تثابروا وتتحدوا وتعملوا وأن تتخذوا من اليهود عبرة ودروسا وتعملوا وأن تعملوا حتى نرد العدوان ونحافظ على قوميتنا... هذا ما أحب أن أقوله لكم والله يرعاكم والسلام عليكم».
عبدالناصر وفقا لوثائق بريطانية تم الإفراج عنها مؤخرا ونشرت كاملة فى الـBBC
خطط لإعلان دولة فلسطينية من قطاع غزة.. وقام فى هذا الوقت بعمل انتخابات وتم تشكيل مجلس تشريعى منتخب.. وآخر تنفيذيا للفلسطينيين فى قطاع غزة...وشارك فى هذه الانتخابات 200 ألف فلسطينى تم تهجيرهم قسريا من أنحاء فلسطين وإجبارهم على الإقامة فى القطاع.

المجلسان المنتخبان أولهما كان «مجلس فلسطين التشريعي»... ورأس المجلس التنفيذى، المؤلف من 10 أعضاء- بحسب الوثيقة البريطانية - اللواء حسن عبد اللطيف باعتباره الحاكم العسكرى المصرى لقطاع غزة... وضم المجلس التشريعى 30 عضوا هم: كل أعضاء المجلس التنفيذى الـ 10، وعمدة غزة، وأعضاء مجلسها المحلى، وممثلون عن مجلس اللاجئين، ونقابات العمال والمهنيين، إضافة إلى 10 مصريين.
ووسط احتفالات شعبية حاشدة حضرها عبد الخالق حسونة أمين عام جامعة الدول العربية وقتها ، احتفل سكان غزة بالمجلس باعتباره «أول برلمان فلسطينى على الأراضى الفلسطينية».
وسبق هذه الخطوة... إعلان الرئيس جمال عبدالناصر عدم التخلى عن غزة... ووجه وقتها خطاب شهير، كرسالة إلى شعب غزة قال فيها : «لن أنساكم أبدا... أكرس حياتى لراحتكم واستعادة بيوتكم».
وكشفت الوثائق أن وزارة الخارجية البريطانية تلقت معلومات تؤكد «استدعاء مصر كل الزعماء الفلسطينيين الكبار والصغار لمناقشة نهج عمل الرئيس عبدالناصر المستقبلى المحتمل» و «خطة مصر إقامة دولة فلسطينية منفصلة فى غزة» بقيادة الحاج أمين الحسينى، مفتى القدس.
المخابرات البريطانية لم تطمئن إلى نوايا ناصر، وما زاد من انزعاجها إدخال مصر ثلاث سرايا من القوات الفلسطينية بأسلحة خفيفة إلى غزة للإشراف على الانتخابات.
ولم تر ما يحول دون إقدامه على مساعدة سكان غزة فى إقامة دولة فى القطاع، قد تنضم إليها الضفة الغربية لاحقا، ثم تتحد الدولة الفلسطينية المحتملة مع مصر.
وبعد انتهاء تشكيل المجلسين فى غزة، طلبت الخارجية البريطانية من سفرائها فى الأردن وإسرائيل والأمم المتحدة، كل من موقعه، استكشاف المواقف من خطوة ناصر التى ظلت بريطانيا تخشاها.
وقال ويليام هيتر نائب الأمين العام لوزارة الخارجية البريطانية للشئون السياسية، إن التقارير تتحدث عن أن المجلس التشريعى فى قطاع غزة قد يسلك أحد طريقين، أولاهما «الاندماج فى الجمهورية العربية المتحدة»، وثانيهما «أن يشكل هو نفسه دولة فلسطينية مستقلة تنضم بدورها إلى الجمهورية العربية المتحدة».
ونبهت الرسالة، التى أرسلت نسختان منها إلى السفيرين فى الأمم المتحدة وإسرائيل، إلى أنه رغم أنه «لم تجر محاولة لإقامة حكومة فلسطينية» فى غزة، فإن الحاكم العسكرى المصرى «عبر فى افتتاح المجلس التشريعى عن الأمل فى أن يحضر ممثلون عن مناطق فلسطين الأخرى (جلسات المجلس)».
وأكدت الرسالة على أنه «ليس هناك، مما نراه، عقبة حاسمة تحول دون إقدام ناصر على هذه العملية».
وخلصت إلى أنه رغم أن شيئا لم يحدث بشأن إقامة دولة فلسطينية حتى الآن، فإنه «لا يزال ينبغى علينا أن نحسب حسابا لهذا الاحتمال ونحاول النظر إن كان هناك أى شيء يمكننا عمله بشأنه، من عدمه»... وأصر هيتر على أنه «لا يمكننا أن نستبعد كلية هذه الخطوة» فى ظل «مزاياها الواضحة لناصر».
ووفقا لتقرير سرى رأت المخابرات البريطانية أنه «ليس هناك عائق جدى لمثل هذه العملية»، وساق التقرير المبررات التالية:
أولا : غزة ليست الآن جزءًا من أى دولة، وقاطنوها أشخاص بلا دولة.
ثانيا: اتفاق الهدنة بين إسرائيل ومصر يقول فقط إنه «لن تتحقق أى منفعة عسكرية أو سياسية من الهدنة»، أى أنه ليس به ما يشير إلى منع إقدام الفلسطينيين على إقامة دولة حسب قرار التقسيم الصادر على الأمم المتحدة، الذى استند إليه إعلان إنشاء إسرائيل.
ثالثا: الأردن ضم رسميا الضفة الغربية قبل عشر سنوات ونحن (أى البريطانيين) اعترفنا بشرعية ذلك.
رابعا: إذا اختارت أى هيئة ممثلة فى غزة الوحدة مع الجمهورية العربية المتحدة (مصر)، فلن يكون من السهل الاعتراض عليه على أسس قانونية.
خامسا: لن يكون هناك حتى أى سبب لأن تعترض الأمم المتحدة شريطة اتفاق الأمين للمنظمة مع مصر على الحفاظ على قوة الطوارئ الدولية (التى تشكلت لمراقبة الوضع بعد انسحاب إسرائيل من القطاع بعد حرب 1956).
وكشفت الوثائق عن مخاوف جدية ساورت بريطانيا من عزم الزعيم المصرى الراحل جمال عبد الناصر مساعدة الفلسطينيين على إقامة دولتهم انطلاقا من قطاع غزة، وأن لندن كانت أكثر قلقا حتى من إسرائيل بشأن نوايا ناصر... واعتبرت إعلان دولة فى غزة خطوة «خطيرة ومتطرفة»، ما دفعها للسعى لإقناع الأمم المتحدة بالضغط على الزعيم المصرى كى لا يقدم عليها.
وفى رسالة بالغة السرية، طلبت إدارة الشام فى وزارة الخارجية البريطانية من بيرسون ديكسن، مندوب بريطانيا لدى الأمم المتحدة، بحث المسألة مع داج همرشلد أمين عام المنظمة، قبل زيارة مرتقبة له إلى لندن... وقالت الرسالة إن «الأمر يستحق إقناع السيد همرشلد بأن يوضح لناصر خطر إقدامه على مبادرة جريئة بهذا الشأن».







