الأربعاء 18 مارس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تعددت المشاريع والضحية واحدة

غزة بين مشروع «ريڤيرا الشرق» وجريمة «التهجير الناعم»

لم تكن غزة يومًا سوى جرح مفتوح فى قلب الشرق الأوسط، تعاد صياغته فى كل حرب، وتعاد قراءته فى كل محاولة سلام.



 لكن الجديد هذه المرة أن الحبر الذى كتب به «مستقبل غزة» لم يكن سياسيًا أو دبلوماسيًا بقدر ما كان اقتصاديًا واستثماريًا.

فى عدد مجلة «روزاليوسف» 5070 الصادر فى 16 أغسطس الماضى، أشرنا فى تحقيق بعنوان «النكبة الثانية بدأت.. التهجير الصامت للفلسطينيين من غزة» إلى أن خطة دولة الاحتلال لتفريغ القطاع تحاك منذ أعوام تحت مظلة ودعم أمريكى، ولم تكن عملية «طوفان الأقصى» سوى حجة لتنفيذ باقى المخطط الإسرائيلى الأمريكى، الذى يأتى على مرحلتين، الأولى هدم بنية القطاع بصورة كاملة لكى يستحيل العيش فيه، والثانية هى خطة استثمار القطاع كاملاً، بعد تهجير أهالى غزة منه بصورة «طوعية» وفق تعبيرهما!

فى يوليو 2024 صدرت وثيقة على يد البروفيسور الأمريكى جوزيف بيلزمان، أستاذ الاقتصاد بجامعة جورج واشنطن، تحت عنوان «خطة اقتصادية لإعادة بناء غزة وفق مقاربة BOT (Build–Operate–Transfer)»، تحمل فى ظاهرها مشروع إعمار شامل، لكنها فى جوهرها تُخفى مشروعًا خطيرًا لإعادة هندسة الجغرافيا والديموجرافيا معًا لكى يتم محو كل ما هو فلسطينى فى أراضى غزة.

إعمار على وثيقة دمار

الوثيقة تقدم غزة كـ«شركة مفلسة»، يجب إدارتها عبر المستثمرين، و«تأجيرها» لخمسين عامًا لصالح شركات ودول، فيما يُرحل السؤال عن السيادة والشعب إلى مستقبل بعيد قد لا يأتى. 

وبين المنتجعات السياحية على الساحل والأبراج السكنية فى الشرق، وبين مناهج التعليم المستوردة والهوية الممسوخة، يبدو أن غزة مقبلة على «نكبة جديدة بوجه اقتصادى» عنوانها «ريفييرا الشرق»، وجوهرها التهجير الناعم.

 من وطن إلى مشروع للإيجار

تبدأ الوثيقة من فرضية خطيرة، مفادها أن تجربة غزة منذ الانسحاب الإسرائيلى عام 2005 كانت «فاشلة»، وأن ما جرى هناك هو إفلاس كامل لمشروع الحكم الذاتى. وبناءً على ذلك؛ يقترح البروفيسور الأمريكى أن يدار القطاع كما تدار الشركات المفلسة: يباع للمستثمرين، وتدار ثرواته ومقدراته وفق عقود BOT لمدة نصف قرن.

ويقول بيلزمان: «الحل لمشكلة غزة يبنى على نموذج ما بعد الإفلاس؛ حيث يعاد تشكيلها على يد المستثمرين الأجانب، بعقد إيجار يمتد لخمسين عامًا».

بهذا المنطق تتحول غزة من وطن إلى مشروع مؤجر، ومن قضية سياسية إلى صفقة اقتصادية، فيما يختزل سكانها إلى «عوائق بشرية» ينبغى احتواؤها أو دفعها نحو الهامش.

 فنادق وأبراج

الوثيقة الأمريكية ترسم صورة لقطاع مختلف جذريًا عن الواقع القائم:

• الساحل الغربى: يتحول إلى منتجعات وفنادق على الطراز العالمى، لتصبح غزة وجهة سياحية تنافس شرم الشيخ وأنطاليا.

• الشرق: يتكدس فيه السكان داخل أبراج سكنية شاهقة تصل إلى 30 طابقًا، على النمط الصينى، تدار بحركة نقل كهربائية منظمة وبلا سيارات خاصة.

• الزراعة والتكنولوجيا: استثمارات محدودة فى الزراعة الموجهة للتصدير، إلى جانب مشاريع «خضراء» تعتمد الذكاء الاصطناعى والروبوتات.

«ستقام الفنادق على الساحل، بينما يرحل السكان إلى شرق القطاع فى أبراج شاهقة، فى إعادة ترتيب مقصودة للحيز الديموجرافى». بذلك يُفصل البحر عن أصحابه، ويتم تخصيصه للأجانب والسائحين، بينما يُحشر الفلسطينيون فى مجمعات بعيدة عن الواجهة البحرية.

 المحو بذريعة أمنية

لا تكتفى الوثيقة بالتصور العمرانى؛ بل تشترط تنفيذ عملية تجريف كاملة:

• حفر القطاع بأكمله (365 كم²) لإزالة شبكة الأنفاق.

• إقامة منطقة عازلة بين 3 و5 كيلومترات على حدود غزة مع مصر وإسرائيل، شبيهة بالمنطقة منزوعة السلاح فى شبه الجزيرة الكورية.

هذا الشرط يعنى فعليًا إخلاء عشرات آلاف السكان، وإعادة صياغة الخريطة الديموجرافية والأمنية فى آن واحد، بحيث يمحى جزء من غزة تحت ذريعة «الأمن» قبل أن يبدأ أى إعمار.

 صناعة أجيال بلا ذاكرة

أحد أخطر بنود خطة البروفيسور الأمريكى تتمحور حول الهوية والتعليم؛ إذ تقترح الوثيقة:

• اعتماد مناهج منتقاة.

• تدريسها عبر معلمين أجانب، وفق النموذج السنغافورى.

• صياغة تعليم جديد «ينتج مواطنًا مطيعًا لاقتصاد السوق»، لا مرتبطًا بذاكرة وطنية أو سردية مقاومة.

يقول بيلزمان: «إعادة تشكيل التعليم فى غزة بمناهج منتقاة تُدرّس بأيدٍ أجنبية، وفق نموذج مستورد يضمن إنتاج مواطن مطيع».

التهجير هنا ليس جسديًا فقط؛ بل عقليًا وثقافيًا أيضًا؛ حيث يعاد تشكيل وعى الأجيال القادمة بعيدًا عن فلسطين.

 تريليون دولار على أنقاض البشر

وفق الوثيقة فإن تكلفة هذا المشروع تقدر بنحو تريليون إلى تريليونىّ دولار خلال 5 إلى 10 سنوات. 

هذه الأرقام الهائلة لا تعكس مجرد إعمار؛ بل تكشف عن مشروع يتجاوز فكرة الترميم إلى إعادة التأسيس الكاملة؛ حيث تبنى مدينة جديدة على أنقاض مجتمع بأكمله.

 النموذج الاستعمارى الجديد

الوثيقة تقارن غزة بتجارب مثل هونج كونج تحت الإدارة البريطانية، وبنما وبورتوريكو تحت السيطرة الأمريكية. 

والرسالة صريحة: «غزة ستدار كمستعمرة استثمارية بواجهة قانونية؛ حيث تُستبدل السيادة الوطنية بإيجار طويل الأمد، ويدار السكان كقوة عاملة هامشية».

وقاحة سياسية واقتصادية

المبعوث الأمريكى السابق ستيف ويتكوف تبرأ من هذه الوثيقة، على الرغم من أن الرئيس ترامب عمل بصورة قوية لتنفيذها، لكن قوبل برفض إقليمى وعالمى قوى، ولكى يتبرأ ويتكوف من التلميحات حول تنفيذ ترامب لمقترح بليزمان، وصف الخطة بأنها غير واقعية على الإطلاق: «من المستحيل عمليًا بناء غزة فى خمس سنوات… هذه وقاحة سياسية واقتصادية».

ويتكوف أشار كذلك إلى أن مثل هذه المشاريع تخفى وراءها نوايا للترحيل: «إذا كانت الخطة تقوم على إزالة الأنفاق وتفكيك المجتمع وإعادة بنائه فى أبراج، فهذا يعنى عمليًا دفع السكان إلى الخروج من القطاع».

من جانبه؛ اعتبر عضو الكونجرس الأمريكى آدم سميث، أن ما يلوح به ترامب من إعادة توطين الفلسطينيين خارج غزة يمثل «نزوحًا قسريًا مرفوضًا تمامًا»، مؤكدًا أن أى خطة إعمار يجب أن تبقى الشعب فى أرضه لا أن تبحث عن سُبل تهجيره.

من جهه أخرى؛ وزير المالية الإسرائيلى بتسلئيل سموتريش ذهب أبعد من ذلك حين قال علنًا: «سنحتل غزة ونحولها إلى جزء لا يتجزأ من إسرائيل… لدينا الضوء الأخضر من الرئيس الأمريكى لتحويلها إلى منتجع مزدهر».

تصريحه يكشف الوجه الآخر للخطة: ليست مجرد رؤية اقتصادية؛ بل مشروع استيطانى مغلف بلغة الاستثمار.

أمّا مراكز الأبحاث الإسرائيلية فقد تناولت الخطة بوصفها فرصة استراتيجية. 

تقرير داخلى أشار إلى أن «تحويل غزة إلى منطقة استثمارية محايدة» سيضمن لإسرائيل مكسبًا مزدوجًا: إبعاد الخطر الأمنى، وتحقيق مكاسب اقتصادية عبر الشراكة مع المستثمرين.

 تطهير عرقى بغطاء اقتصادى

وفق تقرير لمعهد Boston Consulting Group (BCG)، نقلته صحيفة «فاينانشال تايمز»، أشار إلى سيناريو أكثر خطورة: نقل ما يقارب 25 % من سكان غزة إلى دول أخرى مثل مصر أو الصومال، بحجة «إعادة التوطين الطوعى».  لكن التقرير نفسه أُدين دوليًا باعتباره توصيفًا للتطهير العرقى بغطاء اقتصادى.

 تهجير ناعم

ما تكشفه هذه الوثيقة ليس خطة إعمار؛ بل مشروع «تهجير ناعم» مغلف بلغة الاستثمار. غزة هنا ليست وطنًا يبنَى لأهله؛ بل منتجع سياحى يقام على أنقاضهم.

«ريفييرا الشرق» ليست وصفًا شعريًا؛ بل عنوان لمرحلة جديدة من النكبة؛ حيث تختلط أدوات السوق بأدوات القوة العسكرية، ويستبدل اللاجئ العابر للحدود بعامل مقيم فى برج، بلا ذاكرة ولا بحر.

إنها دعوة مفتوحة لقراءة ما وراء الكلمات: كيف يمكن أن يُصبح الإعمار أداة للتهجير، وكيف تتحول اللغة الاقتصادية إلى سلاح أشد فتكًا من الدبابة والطائرة.

 غزة اليوم ليست فقط على خريطة الجغرافيا؛ بل على طاولة الاستثمار، مهددة بأن تفقد وطنها باسم «إعادة البناء».