ننفرد بتفاصيل التنسيق السرى بين الهارب والإرهاربى:
العملية «أيمن»! لتجميـــل وجــه الإخــوان
عبدالله رامى
على مدار الأسابيع الأخيرة، كانت «روزاليوسف» أول من تصدّى لدعوات المصالحة الإخوانية من الخارج، بتفنيدها والاشتباك مع أهدافها «غير المعلنة»، تحت عنوان «قرن من الخيانة»، فالتصدى لأكاذيبهم قضيتنا الرئيسية وهمنا الدائم.
وفى هذا السياق من المواجهة المستمرة ثمّة معلومات جديدة؛ حيث علمنا من مصادر خاصة، أن هناك تنسيقا سريا بين الهارب أيمن نور والإرهابى محمد عماد الدين صابر، مع الاتفاق على أن تبقى دعوات المصالحة فى العلن كأنها دعوات منفصلة.
المعلومات الجديدة التى ننفرد بها تكشف خيوط عملية سرية تدور فى صفوف الهاربين بالخارج، حيث يريد أيمن نور أن يكرر نفس الدور: «أنا مش إخوان بس بحترمهم»، فيما تخدم بقية عناصر التنظيم دعوته ويعملون فى مسارات تبدو متوازية لكنها فى الحقيقة مسار واحد.
تجرى التحركات تحت عنوان «المصالحة» و«المراجعة»، لكنها فى جوهرها محاولة يائسة لإنقاذ جماعة الإخوان من شبح التصنيف كمنظمة إرهابية فى الولايات المتحدة وعدد من العواصم الأوروبية.
تلك التحركات والمحاولات جاءت بعد أيام قليلة فقط من تصريح لافت للسيناتور الأمريكى ماركو روبيو، أعلن فيه صراحة أن تصنيف الجماعة على قوائم الإرهاب «قيد العمل»، وهو ما دفع التنظيم إلى البحث عن مَخرج يخفف من وقع القرار المنتظر، عبر إعادة تقديم نفسه كجزء من الحل لا أصل المشكلة.
كواليس من تركيا
موقع Türkiye Today كشف قبل أسابيع أن أيمن نور ومحمد عماد الدين صابر، وكلاهما يقيم فى تركيا، قد أعلنا عبر بيانات «متزامنة» على مواقع التواصل الاجتماعى عن استعدادهما لفتح قنوات حوار مع الدولة المصرية، والاعتراف بأخطاء الماضى، والبحث عن «إدارة جديدة للتحالفات والمشهد السياسى».
عَبَّر كل من نور وصابر، حيث أصدر كل منهما بيانه بشكل منفصل، عن اعترافهما بالأحكام الخاطئة فى الماضى، واتفقا على ضرورة إعادة تقييم العلاقات مع مؤسسات الدولة أو إدارة التحالفات والمشهد السياسى الأوسع.
التزامن بين البيانين لم يكن مصادفة، ولكن معلوماتنا تكمل الصورة، حيث تشير مصادرنا إلى أن هناك قنوات اتصال وتنسيقًا مباشرًا جرى بين الطرفين، بهدف تسويق مبادرة سياسية توحى بأن الجماعة مستعدة لتقديم تنازلات، فى محاولة لتجميل وجهها أمام الرأى العام الغربى.
تصريح روبيو.. نقطة تحول
ما يؤكد معلوماتنا من أن هدف الجماعة هو إنقاذ نفسها فى العمق الغربى والأوروبى من خلال المصالحة، هو تصريح آخر للسيناتور الأمريكى ماركو روبيو؛ ففى حوار إذاعى، أجاب عن سؤال مباشر حول سبب عدم تصنيف جماعة الإخوان كمنظمة، قائلاً إن الجماعة من بين عدة تنظيمات تُدرَس ملفاتها ضمن مراجعة شاملة للتصنيفات الإرهابية.
وأضاف روبيو إن التعقيد يكمن فى تعدد فروع الإخوان عالميا، وأن كل فرع يخضع لتقييم قانونى منفصل، لكن التوجه العام داخل الإدارة الأمريكية يميل إلى «حسم الملف».
هذا التصريح وضع الجماعة أمام معضلة وجودية. فقرار التصنيف لا يعنى فقط تقييد الحركة السياسية، بل يشمل تجميد الأموال، وملاحقة شبكات التمويل والدعاية، والتضييق على أنشطتها الإعلامية داخل الولايات المتحدة وأوروبا. لذلك جاء التحرك السريع عبر ما نسميه «العملية أيمن»، من خلال تصدير أيمن نور باعتباره وجهًا غير إخوانى ينادى باستيعاب واستعادة الإخوان كجزء من المجتمع المصرى، بتنسيق سرى مع أطراف الجماعة التنظيمية كخط دفاع استباقى لمحاولة تعطيل القرار الغربى أو تخفيف حدته.
كواليس المناورة
قراءة التحركات تكشف أن ما يجرى لا يتجاوز كونه مناورة سياسية، تقوم على عدة مرتكزات، فالجماعة تدرك أن القرار الأمريكى بات وشيكا، ما يستلزم تقديم «بادرة حسن نية» شكلية.
كما تريد إرسال رسالة للعواصم الغربية بأن الجماعة ما زالت قابلة للاندماج فى العملية السياسية، وليست تنظيما مغلقا على التطرف والعنف.
أيضا هناك متغير مهم لا بد من وضعه فى الاعتبار، فمع تحسن العلاقات بين القاهرة وأنقرة، ضاقت مساحة المناورة أمام العناصر التنظيمية المقيمة فى اسطنبول، ما دفعها للبحث عن بدائل جديدة.
طبعا فى ظل هذه الورطة التى تواجه الجماعة الإرهابية يقدم أيمن نور نفسه كـ«طوق نجاة»، ووسيط ينقذ الجماعة ويقبض الثمن، وفى نفس الوقت يحاول إعادة إنتاج نفسه كوجه «معارض إصلاحى» فى الداخل والخارج.
وهو الهدف الذى يعمل عليه «أيمن نور» منذ فترة طويلة من خلال تأسيس ما يسمى بـ«الاتحاد المصرى للقوى الوطنية»، بحيث يصبح غطاء لتلميع صورة الهاربين فى الخارج، وإظهارهم ككتلة موحدة رغم كل الخلافات الداخلية.
الوجه الحقيقى
رغم ما تحمله البيانات من لغة تصالحية أو ما يبدو من تنازلات تقدمها الجماعة الإرهابية، فإن سجل الجماعة الدموى يظل حاضرا.. فالمصرى الذى عاش تجربة حكم الإخوان يعرف تماما كيف استخدم العنف والتحريض كأدوات سياسية، وكيف تحولت مصر إلى ساحة للفوضى خلال فترة وجيزة.
وبالتالى، فإن الحديث عن «إعادة تقييم» أو «اعتراف بالأخطاء» ليس سوى محاولة فاشلة؛ خصوصًا أن الجماعة لم تقدم مراجعات فكرية حقيقية، ولم تعلن تخليها عن مشروعها السلطوى، بل تحاول فقط إعادة تسويق نفسها بوجه أكثر نعومة.
يعنى مثلاً لم نر ولن يحدث، أن يخرج علينا أى من أعضاء الجماعة الإرهابية ليتبرأ من أفكار سيد قطب، الذى كفّر المجتمع وأرسى مبدأ الحاكمية، والتنظيمات السرية المسلحة. هم فقط يريدون تقديم نبيذ قديم فى قوارير جديدة، و«القارورة» التى استخدموها هذه المرة هى أيمن نور.
إن ما نسميه هنا فى روزاليوسف بـ«العملية أيمن» ليست مبادرة للحل، بل محاولة لتجميل الوجه القبيح، وإظهار الاستعداد للتفاوض بينما الهدف الفعلى هو إنقاذ التنظيم من المصير المعلق فوق رقبته.
ومنذ اللحظة الأولى كان موقفنا واضحًا فى روزاليوسف، بأنه لا مجال للمصالحة مع من تورط فى الإرهاب، وهو موقف الدولة المصرية كلها، وعقيدة راسخة بأنه لا تصالح فى دم.
لقد دافعت المجلة دومًا عن فكرة أن الدولة المصرية لا تحتاج إلى تسويات مع تنظيمات قائمة على العنف، بل إلى تثبيت دعائم القانون، ورفض أى مساومة تتيح عودة الجماعة إلى المشهد.
كما أن المشهد الإقليمى كله يؤكد صحة تلك الرؤية، إذ دمرت الجماعات الإرهابية كل الدول التى وصلت لكراسى الحكم بها، والواقع يثبت أن الفرق بين الإخوان وبين داعش أو أى تنظيم إرهابى هو اختلاف فى درجة الخطاب وليس اختلافا فى النوع.
وبالتالى تكشف كل المعطيات والمعلومات أن ما يحاول الإخوان طرحه الآن، ليس سوى فصل جديد من محاولات الهروب للأمام.. تنسيق سرى بين هارب موهوم، وإرهابى يخشى المصير المحتوم.
اليوم تقف الجماعة أمام مفترق طرق، إما مواجهة الحقيقة والاعتراف بسجلها الدموى، أو الاستمرار فى المناورة حتى يسقط الستار نهائيا بتصنيفها كتنظيم إرهابى دولى.
وحتى يحين ذلك، تبقى الحقيقة كما نكتبها بوضوح:
«لا مصالحة فى دم».







