من يتحمل المسئولية
براعم الإرهاب
صبحى مجاهد
لم يعد التطرف الدينى محصورًا فى التنظيمات الكبرى أو الجماعات التى اعتادت السطو على عقول الشباب باسم الدين، بل باتت الظاهرة أخطر بظهور ما يُعرف بـ«براعم الإرهاب الفكري»، وهم دعاة صغار السن أو محدودو العلم ممن يتبنون آراءً متشددة تخالف إجماع العلماء وتتناقض مع سماحة الإسلام، ليعيدوا إنتاج الفكر المتطرف فى ثوب جديد.
وقد أثار الجدل مؤخرًا ظهور شاب قد اعتلى أحد المنابر فى ميت غمرليتحدث وهو يتبنى رأيًا متطرفًا بشأن الاحتفال بالمولد النبوى الشريف، مخالفًا بذلك ما استقر عليه علماء الأمة من فتاوى رصينة، تؤكد مشروعية إحياء تلك الذكرى العطرة بما يليق بمكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذا الموقف كشف بوضوح أن هناك عناصر متطرفة فكريًا تتسلل إلى ساحة الدعوة، وهو ما يثير القلق بشأن مستقبل الخطاب الدينى ما لم تتم مواجهته بوعى وحسم.
الأوقاف ومواجهة التطرف
تُعد وزارة الأوقاف الجهة الرئيسة فى مواجهة فكر التطرف ومنع انتشاره، إذ وضعت على عاتقها مهمة بناء الوعى الصحيح الذى يحصن العقول من دعاوى الغلو.
وفى تصريحات سابقة، أكد الدكتور أسامة الأزهري،وزير الأوقاف أن الوزارة انطلقت فى مواجهة الإرهاب بالفكر والتوعية، عبر ترسيخ قيم الرحمة والتعايش واحترام كرامة الإنسان، متعهدة بمواصلة دورها الرائد فى نشر الفكر المستنير، وتفنيد أطروحات الجماعات المتشددة، فضلًا عن تجديد الخطاب الدينى بما يتناسب مع متطلبات العصر.
كما أطلقت مبادرة «صحح مفاهيمك» بحضور عدد من الوزراء، لتكون مشروعًا وطنيًّا متكاملًا يستهدف تصحيح المفاهيم الدينية والسلوكيات الخاطئة، وتعزيز قيم الانتماء والانضباط.
وأوضح وزير الأوقاف د. أسامة الأزهرى، أن المبادرة تمثل استكمالًا للجهود المصرية فى مواجهة الفكر الإرهابي، بالتوازى مع مسار آخر يقوم على تحصين المجتمع من الأفكار الهدامة.. بادرة –وفق ما أوضحه الوزير– إلى تفكيك أوهام الجماعات المتطرفة وكشف زيف شعاراتها، وفى الوقت نفسه حشد طاقات الدولة ومؤسساتها لبدء مواجهة جادة لكل صور التراجع القيمى والسلوكي، بما يُسهم فى ترسيخ منظومة أخلاقية راقية تشمل كل ميادين الحياة.
كما تشكّل المبادرة خطوة مهمة فى تحصين الوطن من التحديات الفكرية والسلوكية، وتعزيز الانضباط، وبناء وعى جمعى يقوم على قيم الرحمة والانتماء واحترام القانون.
براعم الحاضر
وفى السياق ذاته، يوضح الدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمى باسم وزارة الأوقاف، أن النشاط الدعوى جزء أصيل من المزاج الدينى العام لأى مجتمع، مشيرًا إلى أن المجتمع المصرى تميز عبر القرون بروح التسامح واليسر واحترام الآخر، لكن هذه السمة بدأت تهتز منذ نحو تسعين عامًا مع بروز تيارات متطرفة جعلت من فروع الدين منطلقًا للتشدد، وهو ما تلاقى مع أهداف جماعات أخرى استغلت المشهد على حساب المؤسسات الدينية الأصيلة.
ويضيف رسلان أن هذه التحولات لم تكن معزولة، بل جاءت مدفوعة بمتغيرات اجتماعية وسياسية وإقليمية ودولية عززت حضور الفكر المتطرف، والوعى الدينى يُعد من أكثر أشكال التعليم والتهيئة العقلية استغراقًا للوقت، لكنه فى الوقت نفسه «بضاعة سريعة التلف»، إذ يمكن أن يتقلب بسرعة تحت ضغط مؤثرات إعلامية وثقافية كثيفة الإلحاح.
بناء الإمام القدوة
فى مواجهة هذه التحديات، يوضح رسلان أن الوزارة تنتهج نهجًا متكاملًا يعالج الظواهر الفكرية من جذورها، مع التركيز على إعداد «الإمام القدوة» المزوَّد بالعلم الواسع والتدريب الراقى متعدد التخصصات.
ويشدد على أن «سلوك لحظة خير من وعظ سنة»، فى إشارة إلى أهمية النموذج العملى للإمام فى مواجهة التطرف.
كما تعمل الأوقاف على تشبيك جهودها مع المؤسسات المختلفة، من خلال المشاركة فى المجموعة الوزارية للتنمية البشرية، حيث تسهم بصقل البعد الروحى والقيمي، بينما تكمل وزارة التربية والتعليم الجانب التعليمي، لتتضافر هذه الجهود مع المجتمع المدني.
ويؤكد رسلان أن «التطرف لا يمكن أن تواجهه جهة واحدة»، لأن أسبابه متعددة ومتشابكة، وهو ما يستلزم استراتيجية شاملة.
ولا يقتصر دور الأوقاف –بحسب المتحدث الرسمي– على الجانب الدعوى فقط، بل يمتد إلى بعد اجتماعى واسع من خلال مشروعاتها الكبرى مثل صكوك الإطعام والأضاحي، إلى جانب ضبط منظومة الوقف واستثمار مواردها بما يخدم التنمية المستدامة ويحقق العدالة الاجتماعية.
خطر داهم
من جهته يرى د. مجدى عاشور، المستشار العلمى السابق لمفتى الجمهورية، وأحد أبرز العلماء فى مواجهة الفكر المتطرف، أن ظهور براعم تحمل أفكارا متطرفة خطر داهم لا بد أن نتداركه قبل فوات الأوان، لافتا إلى ظهور من يحمل فكرًا متشددًا أو متطرفًا بين الحين والآخر هو جزء من ظاهرة تطل برأسها من وقت لآخر، خاصة فى القرى والنجوع والأماكن التى بها مساجد لا تخضع لإشراف رسمي، حيث يتم استغلالها لنشر الفكر المتشدد، ما يساعد فى ظهور جيل يحكمه التشد والتطرف وعدم الانتماء للوطن.
وأضاف أن الكوادر المتطرفة هم المسئولون عن ظهور براعم تدعم الفكر المتشدد عندما بثوا سمومهم فى عقول الشباب والفتيات على مدار ست عقود.
ولفت إلى أن مواجهة ظهور نماذج جديدة تدعم الفكر المتشدد يحتاج لنشر المنهج الأزهرى الوسطى الصحيح، عن طريق علماء أزهريين تربوا على المنهج الزهري، لأن هناك بعض الحالات التى يكون فيها الشيخ متطرفا رغم أنه يحمل شهادة أزهرية، وهو أمر بالغ الخطورة.. واستطرد: «من أجل هذا نقول إنه لا بد من نشر الفكر الأزهرى بين الشباب فى مختلف الأماكن عن طريق المؤسسات الدينية المختلفة، مثل وزارة الأوقاف، ويساعدها فى ذلك وزارات مختلفة مثل الشباب والثقافة والتربية والتعليم والإعلام ووزارة التضامن.
حين تتحول الكلمة إلى قنبلة
من جانبه، يؤكد الدكتور علاء الشال، المتخصص فى الدعوة والثقافة الإسلامية، أن الإرهاب لم يعد اليوم مجرد سلاح أو قنبلة، بل قد يكون كلمة أو فكرة أو حتى تعليقًا ساخرًا يزرع الشك والريبة فى النفوس.
وضرب مثالًا بقول شاب صغير إن مولد النبى صلى الله عليه وسلم «يوم منيل بستين نيلة»، معتبرًا أن مثل هذا القول ليس مجرد جهل، بل انعكاس مباشر لتغذية فكرية مسمومة تسخر من المقدسات، وتحتقر قيم الأمة.
ويرى «الشال» أن الشباب هم الفئة الأكثر عرضة للتأثر بهذه السموم الفكرية، فهم يعيشون حالة بحث دائم عن الهوية والانتماء، وإذا لم يجدوا خطابًا رشيدًا يروى عطشهم الروحى والفكري، تسللت إليهم أصوات متطرفة من اتجاهين متناقضين: أصوات تدعو إلى العنف باسم الدين، وأخرى تهدم الدين باسم «الحرية»، وكلاهما –بحسب وصفه– إرهاب، لأن الإرهاب الفكرى لا يعنى فقط حمل السلاح، بل يعنى أيضًا تشويه الفطرة وقتل المعانى النبيلة فى القلوب.
ويحذر من أن هذه الأفكار لا تُزرع فجأة، بل تُغذّى يومًا بعد يوم عبر مقاطع ساخرة على السوشيال ميديا، وخطاب دينى مشوّه يقدم الدين بصورة منفّرة، إضافة إلى غياب التربية الإيمانية الصحيحة داخل البيوت.
ويضيف «الشال» أن الحل يبدأ من داخل المجتمع نفسه، وذلك عبر تحصين الأبناء بالوعى والمعرفة لا بالخوف والمنع، وتقديم القدوة والنقاش المفتوح بدلًا من الصمت أو القمع، وزرع محبة النبى (ص) فى قلوبهم لا كواجب ثقيل، بل كحب طبيعى يملأ حياتهم دفئًا وأملًا. فكما أن الإرهاب المادى يقتل الأجساد، فإن الإرهاب الفكرى –كما يؤكد– يقتل الأرواح ويطفئ نور الإيمان فى القلوب.
ويشدد على أن مسئولية وزارة الأوقاف أساسية فى هذا الصدد، من خلال تحصين الشباب بالخطاب الدينى الوسطي، وزرع فيهم قيم الحب والرحمة، وتقديم الفهم الصحيح للنصوص الشرعية عبر الندوات والمؤتمرات ووسائل الإعلام المختلفة. كما دعا إلى ضرورة رصد ومتابعة المحتوى الذى يُبث عبر وسائل الإعلام والسوشيال ميديا، والذى قد يزعزع العقائد ويشوّه المفاهيم التى نشأت عليها الأجيال المتعاقبة.







