بلبلة مجتمعية تحت ستار اللايك والشير
فتاوى السوشيال ميديا
إبراهيم رمضان
لا تزال ظاهرة فوضى الفتاوى على منصات السوشيال المختلفة، التى يستهدف أصحابها حصد «اللايك والشير» وتحقيق المشاهدات، تثير الجدل، دون وازع دينى أو أخلاقى لحرمة الاجتراء على الفتوى.
كشفت دراسة أعدها المؤشر العالمى للفتوى (GFI) التابع لدار الإفتاء المصرية عن «التصدى للفتاوى العشوائية.. نحو تفعيل لدور المؤسسات الإفتائية لمواجهة الفوضى المعاصرة» أن %56 من تريندات الفتاوى غير الرسمية التى تم رصدها خلال الفترة من (سبتمبر - أكتوبر - نوفمبر 2024) تسببت فى إحداث بلبلة وفوضى دينية ومجتمعية، حيث وضعت تلك الفتاوى عوام الناس فى حيرة من أمرهم.
فتاوى الشائعات
كشفت الدراسة أيضًا أن %39 من الفتاوى العشوائية والمضللة، وكذلك المعلومات الدينية المغلوطة، قد صدرت عبر حسابات التواصل الاجتماعى، تلتها المواقع الإلكترونية والمنتديات بنسبة %28، ثم البرامج الفضائية بنسبة %22، وأخيرًا تطبيقات الهواتف بنسبة %11. وحلل مؤشر الفتوى عينة من فتاوى الشائعات والآراء الصادرة من قبل الجماعات المتطرفة، وكشف أن %33 منها كان يهدف لنشر الفوضى وبث الفرقة وزعزعة أمن المجتمعات.
«روزاليوسف» رصدت عددًا من الفتاوى التى أطلقها بعض دعاة «السوشيال ميديا» والتى أثارت الجدل خلال العام الماضى، على رأسها فتوى إباحة سرقة التيار الكهربائى والمياه والغاز، وفتوى دعوة للمساواة فى الإرث بين الذكر والأنثى، وفتوى تبرير الاعتماد على الألعاب الإلكترونية كمصدر ربح سريع، واعتبار علاقة الشات بين الرجل والأنثى درجة من درجات الزنا، وتحريم الإسراف فى غذاء القطط واعتبار الشارع مكانها.
تنظيم الفتوى
تستمر فوضى الفتاوى على منصات السوشيال ميديا، على الرغم من صدور قانون تنظيم إصدار الفتوى رقم 86 لسنة 2025، الذى صدق عليه الرئيس عبدالفتاح السيسى فى 10 يونيو 2025، والذى نص على أن يختص بالفتوى الشرعية العامة كل من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أو مجمع البحوث الإسلامية، أو دار الإفتاء المصرية.
ويختص بالفتوى الشرعية الخاصة كل من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، أو مركز الأزهر العالمى للفتوى الإلكترونية، أو دار الإفتاء المصرية، أو اللجان المشتركة المنشأة بموجب أحكام المادة (4) من هذا القانون، أو أئمة وزارة الأوقاف الذين تتوافر فى شأنهم الشروط المنصوص عليها فى المادة (4) من هذا القانون.
من جانبه، طالب الدكتور على فخر - أمين الفتوى بدار الإفتاء - بضرورة تفعيل بنود هذا القانون للحد من هذه الظاهرة التى لا تزال مستمرة، مع تدشين حملات توعية بين فئات المجتمع بخطورة التصدى للفتوى دون تأهيل.
وقال أمين الفتوى بدار الإفتاء لـ«روزاليوسف» إن الفتوى أمرها خطير، الأمر الذى كان يدفع الصحابة الكرام رضى الله عنهم ومن بعدهم التابعين وسلف الأمة يتحرجون من الفتوى لإدراكهم خطرها، ناصحًا كل من يتصدى لهذا الأمر بعدم الاجتراء على الفتوى.
وشدد الشيخ محمد زكى بدارى أمين عام مجمع البحوث الإسلامية الأسبق، على أهمية تطبيق قانون تنظيم الفتوى، لأن هناك فتاوى تتعلق بالرأى العام والأمن القومى لا بد وأن تكون الفتوى مؤسسية تصدر عن الجهات الأساسية التى حددها القانون، أن يكون من يتصدى لها وللفتوى على منصات التواصل والقنوات التليفزيونية حاصلًا على التصريح اللازم من الجهات المعنية، وفقًا للضوابط المشرعة لذلك.
وأشار «بدارى» إلى أن كبار الصحابة كانوا يفرون من أمر الفتوى خوفًا من تبعاتها ومن سؤالهم أمام الله عز وجل، ولفت إلى أنه ربما يكون هناك عالم ولكنه لم يحصل على التصريح اللازم للفتوى فى الإذاعة والتليفزيون، وإن قام بذلك فهو يرتكب خطأ فى حق السلطة الشرعية المعنية بهذا الأمر، لأنه ليس كل أزهرى أو عالم يفتى.
وأوضح «بدارى» لـ «روزاليوسف» أن الفتوى ليست حكرًا على المؤسسات والأزهر وتوابعه، ولكن لا مانع من أن يتولى إمام المسجد فى ضوء علمه الإجابة عن أسئلة المواطنين فى الأمور الخاصة بالصلاة والزكاة والأمور الشخصية.
فوضى وبلبلة
من جانبه، قال الشيخ محمد أنور الأزهرى - أحد أئمة وزارة الأوقاف: إن السنوات الأخيرة شهدت منصات التواصل انفجارًا فى من يتحدثون عن الحلال والحرام دون تأهيل علمى أو شرعى، مما أحدث فوضى دينية وبلبلة فى وعى الناس، وتجرأوا من العامة على الفتوى بغير علم.
وأوضح «الأزهري» أن العلماء حذروا من خطورة ذلك، فقال الإمام مالك: «من أجاب فى مسألة قبل أن يعلم هل فيها اختلاف فقد تجرأ على الله»، فكيف بمن يفتون عبر «تيك توك» و«ريلز» دون تمييز بين القطعى والظنى، أو بين الفتوى والموعظة، فينسبون آراءهم الشخصية إلى الشريعة، ويفسدون التصور الدينى لدى الناس.
وبين «الأزهري» أن التحدى الحقيقى يكمن فى تطبيق مواد القانون رقم 86 لسنة 2025 بشأن تنظيم الفتوى العامة، كخطوة تشريعية جادة للحد من «فوضى الحلال والحرام»، خاصة أنه ألزم وسائل الإعلام ومنصات السوشيال ميديا بعدم نشر أى فتوى من خارج هذه الجهات، وفرض عقوبات مشددة على المخالفين، تصل إلى الحبس والغرامة، ورفع وعى الناس بخطورة أخذ الدين من غير أهله، فالإفتاء مقام علمى رفيع، لا يليق أن يُستباح على يد كل متكلم.
وأكد «الأزهري» أن القانون لا يقيّد حرية الرأى، بل يضبط من يتحدث باسم الدين، تمامًا كما لا نأخذ الطب إلا عن طبيب مرخص، فلا نأخذ الفتوى إلا عن مؤهل موثوق.
ونصح الإمام بوزارة الأوقاف راغبى تصدر الحديث فى الدين على منصات السوشيال ميديا، طلبًا للشهرة، بأن يتذكروا أن الكلمة فى الدين أمانة، وليست وسيلة للانتشار أو حصد الإعجابات، وأن الفتوى مسئولية، لا يتصدر لها إلا أهل العلم، فكم من كلمة أضلت الناس، ولا تجعلوا الدين سلعة لزيادة المتابعين، فالدين طريق إلى الجنة، لا إلى «الترند».
من جانبه قال الشيخ أحمد محيسن - من علماء وزارة الأوقاف - إن للفتوى منزلة عظيمة فى الإسلام فهى بيان لحكم من الأحكام الشرعية، والمفتى فى مسألة إنما يبين حكم الشرع فيها ولا يكون ذلك إلا للمختصين من العلماء. فنحن فى عصر التخصص الدقيق فلا يتولى أمر البناء والتشييد إلا المهندسون والمختصون، فينبغى أن يكون الأمر كذلك فى الفتوى والأحكام الشرعية يرجع فيها إلى العلماء المختصين. قال الله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). وقد حذر النبى صلى الله عليه وسلم من تصدى الجهلاء والعوام لإفتاء الناس لما يترتب على ذلك من ضرر عظيم إذ يقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالمًا اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».
وطالب «محيسن» الذين يتصدون للفتوى بغير علم على وسائل التواصل لحصد مزيد من المشاهدات أن يتقوا الله عز وجل وأن يعلموا أن الحساب عند الله عسير، ومن أفتى الناس بغير علم فإنما يتحمل وزرهم يوم القيامة.
يقول صلى الله عليه وسلم: «أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار»، وقد قال سيدنا أبوبكر رضى الله عنه عندما سئل عن معنى كلمة من القرآن: «أى أرض تقلنى وأى سماء تظلنى إذا قلت فى كتاب الله بما لا أعرف»، وهو الصحابى الجليل خليفة رسول الله، لذا يجب على هؤلاء أن يتقوا الله وأن يعلموا أن الكلمة أمانة والفتوى مسئولية وأن الدنيا لا تغنى عن الآخرة.







