يكشف أسرار وحكايات المقامات الشريفة فى مصر: سامح الزهار: أوثق تاريخ «آل البيت» فى أرض الكنانة

آية محمود على
بنفحات العترة النبوية يزخرف المؤرخ «سامح الزهار» مؤلفاته، وبعبق التاريخ يروى سيرة «آل البيت» ويكشف سر حبهم لمصر، وعبر خماسية (رياحين مصر) يحيى ذكرى «السيدة فاطمة النبوية» ويحتفى بمولدها، ويتبارك بمقام «السيدة زينب» ويستظل بعلم «السيدة نفيسة»، ويجالس فقه «الإمام الشافعى» ويأنس بتجليات «الإمام الحسين»، ويتحدث فى حواره مع «روزاليوسف» عن رحلته الوثائقية إلى مقامات «آل البيت»، ويكشف عن كواليس تأليف تلك الخماسية، وسر غرامه بتوثيق التاريخ الإسلامى، وفيما يلى نص الحوار.
بداية، أنتجت سلسلة وثائقية تروى سيرة «آل البيت».. كيف تشكلت فكرتها؟ وما دوافع الاتجاه إلى كتابتها؟
- حينما طالعت العديد من الكتب التى صدحت بمناقب وسير أهل بيت النبى الأكرم والمستندة إلى الوثائق المختلفة والمحفوظة وجدت قصورًا فى سرد علاقة العترة المشرفة بالمصريين دفعنى إلى كتابتها، ورأيت من الواجب نشر هذه السلسلة ومن هنا تشكلت فكرتها.
وكيف عالجت ما أغفلته الكتب التى صدحت بمناقب وسير أهل بيت النبى الأكرم؟
- حاولت معالجته عبر تقديم قراءة إنسانية لعلاقة المصريين بـ«آل البيت»، وربط الأنثروبولوجى بالتاريخ وليس بالرؤية الدينية وحدها، فالمحاولات الدائمة للقراءة الدينية للتاريخ هى محاولات انتهت من العصور الوسطى ولا يمكن بأى حال من الأحوال وضعها فى سياقات جديدة تناسب ما طرأ من تحولات ضخمة فى مسارات البحث التاريخى، فمن قبل كانت القراءة اليهودية للتاريخ هى قراءة قائمة على فكرة الاختيار والوعد المقدس، والقراءة المسيحية للتاريخ هى قراءة غائية ذات هدف مستقبلى سياقها مختلف وترى أن التاريخ كتاب كتب الرب فصوله، أما القراءة الإسلامية للتاريخ فكانت تجسيدًا للتصور الإنسانى عن رسالة الإنسان فى الحياة ودوره فى الكون، وقد انقضى كل هذا بتجاوز أزمانه.
(رياحين مصر) تكشف سر حب «آل البيت» لمصر عبر تقديم تصور بحثى وتخيل تاريخى، لكن.. كيف توثق تاريخهم فى أرض الكنانة؟
-(رياحين مصر) توثق تاريخ «آل البيت» في أرض الكنانة من خلال بيان منزلتهم وجلالتهم، ومحاولة تحديد تاريخ مدفنهم، ومواضع أضرحتهم، واخترت لهذه السلسلة شخصيات قلما تعرض الكُتاب إلى علاقتهم بمصر، وأردت أن أعبق الأذهان بأريج من عطر النبوة، وشذى بضعة من «أهل البيت»، وعليه فنستروح من عطرهم وسيرهم الزكية ما تنشرح له الصدور، وتلذ الأفئدة، وتطمئن القلوب، ونحن أولى الناس بمحبتهم، وبحاجة إلى دراسة التاريخ من زوايا أخرى، وحاجتنا أشد إلى التعرف على علمائهم الأشراف، والوجوه التى ساهمت فى تثبيت الدين ونشر علومه لكى نستمد منهم الدروس والعبر من أجل بناء حياة أفضل ووداد دائم.
أثناء كتابة (رياحين مصر).. ما المشاهد التى وجدتها مؤثرة فى تاريخ «السيدة زينب» وظلت عالقة بذاكرتك ولم تُمحَ من وجدانك حتى الآن؟
- «السيدة زينب» تربت في حجر النبوة، وتشربت من معين الوحى، وحياتها، وأخلاقها وتضحياتها تستحق أن ننشد في مدحها، ونستلهم من سيرتها، ومن المشاهد التي وجدتها مؤثرة في تاريخها مشهد العقيلة في كربلاء ويعجز قلمى عن وصف موكب «السيدة زينب» عندما بدأت تشارف مصر، وشاهدت احتفاء أهل مصر بها ظلت تردد «هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ» فحينما ضيق عليها «الأمويون» الخناق في المدينة، وخيروها أن تذهب إلى أرض الله الواسعة غير مكة حتى لا تؤلب المسلمين عليهم اختارت أرض الكنانة دارًا لمقامها لما سمعته عن أهلها من محبتهم لـ«آل البيت»، ومودتهم لذوى القربى من «آل محمد»، ومنذ ذلك التاريخ كانت أول جوهرة من دوحة النبوة المباركة ترصع أرض مصر، وظلت قبسًا من أقباس النبوة، وما فعله أهل مصر معها فعلوه مع تلك الأغصان من الدوحة النبوية المباركة التى جاءت إلى مصر من بعدها.
بعد نجاح سلسلة (القاهرة التاريخية) أعلنت عن طرح خماسية (رياحين مصر) ضمن مشروع وثائقى يمتد إلى مائة كتاب.. ما الهدف المرجو من ذلك الطرح الوثائقى؟
- يبقى هدفى ساميًا، ويكمن فى نشر الأصول القويمة في الأمة، والدفاع عن حياض الدين القويم كتابًا وسنة، وقمع الشبهات التي يحاول البعض نسجها في عقول العوام، وعليه فقد كتبت (رياحين مصر) لتصحيح بعض المفاهيم المغلوطة عن علاقة العترة المشرفة بالمصريين، وتوضيح مكانة مصر باعتبارها حاضنة للعديد من مقاماتهم وأضرحتهم ووجهة للمسلمين من كافة أنحاء العالم، وسرد حكايات «آل البيت» التي تركت أثرًا واضحًا في ثقافتنا المصرية.
الكتابة التاريخية لا تولد فجأة وتخضع إلى منهجية واعية ودراسة رصينة.. فماذا عن التحضير لسلسلة (رياحين مصر)؟ وما المدة التي استغرقتها لترى النور؟ وما أهم المراجع التي رسمت ملامحها؟
- استغرقت حوالى عام، وقد أفادنى ما طالعته من المراجع والمخطوطات والكتب القديمة، وهنا أحيل القارئ إلى الاستزادة منها، وأهمها مصنفات «ابن خالويه» إمام اللغة والنحو، و«ابن أبي حاتم الرازي»، و«ابن حجر»، و«ابن الفحام»، ومراجع «ابن جرير الطبري» إمام الحديث والتاريخ، و«جلال الدين السيوطي» و«السخاوي الحافظ»، و«الفخر الرازي» إمام التفسير، وكذلك صنف «القاضي الجعابي»، و«السبط ابن الجوزي»، و«ابن الطيب المغربي الفاسي» في منظومته (الدرة الفريدة في العترة المجيدة).
بعد استغراقها عاما.. ما أهم الرؤى التى توصلت إليها في رحلتك الوثائقية إلى مقامات «آل البيت»؟
- في رحلتي الوثائقية إلى مقامات «آل البيت» توصلت إلى أن إعادة قراءة التاريخ في كل عصر بحثًا عن العناصر التي تفسر الحاضر وترشد المستقبل تبدو حقيقة تاريخية ثابتة، ولهذا السبب اختلفت وظيفة التاريخ في خدمة الجماعة الإنسانية من عصر إلى آخر، وهذه النظرة النفعية للتاريخ قد تكون محل اعتراض من جانب المؤرخين المثاليين الذين يبحثون في التاريخ عن العظة والعبرة، على الرغم من أن التاريخ ذاته يعلمنا أن العظة والعبرة الوحيدة في التاريخ هي أن أحدًا لا يتعظ من قراءة التاريخ ولهذا فإن الهـدف ينبغي أن يكون موجهًا نحو فهم العناصر المكونة للحاضر من خلال تحليل الماضي وتفسيره، وتركيز الضوء على العناصر الحافزة في هذا الماضي، فعندما نقرأ التاريخ ندرك أن الحياة متغيرة، وأن لكل جزء فيها مكوناته الذاتية الخاصة.
الغرام الذي جذبك إلى توثيق التاريخ الإسلامى ما سره؟ وكيف تشكل؟ ومتى بدأ؟
- أنا صنيعة «أمي»، فمنذ طفولتي كانت تحكي لي قصصًا من التاريخ لا سيما الإسلامي والحديث وكانت المكافأة لي حين أقوم بفعل طيب هو أن أشتري قصة تاريخية، وعندما تشكل وعيي وأصبحت قادرًا على تقدير الأمور وجدت في التاريخ قصة الإنسان فى الكون، وسيرته، ورحلته عبر الزمان، وعرفت أن الحضارة تجسيد لهذا على المستوى المادى واللامادى عبر القرون، ثم وجدت أن تاريخ البشرية واحد، ولكن تجلياته متباينة من زمن إلى آخر، وكذلك الحضارة الإنسانية، وآية ذلك أننا لن نجد حضارة لم تأخذ عن حضارة سابقة، أو معاصرة، أو مجاورة.