الطريق الثالث.. العلاقات المصرية الأمريكية على «حافة الأزمة» ما أصعبَ الرقص مع ترامب!
يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعجبته اللعبة، فأصبح يلاحقنا بشكل شبه يومي بتصريحاته (العنترية) حول غزة وتهجير الفلسطينيين منها، ويزايد في كل مرة ويتوسع في استخدام عبارات تحمل قدرا من الاستفزاز، تشتعل بها المعارك الكلامية وتتصاعد أدخنتها وتحيل مع غبار «أمشير» أجواء الشرق الأوسط إلى ضباب حالك، ويتضخم معها غضب الطرف الآخر فيزيد من قوة الرد، حتى يصل إلى أقصى ما يستطيع أو باللغة الشعبية (يجيب آخره).
فهل هذا ما يريده الرئيس الأمريكي، أن يعرف آخر العرب، ويرى أقصى ما يمكننا فعله في التعامل مع مسلسل التطاول على السيادة وانتهاك حرمة دول المنطقة، بإلحاحه المستمر منذ تنصيبه لولاية جديدة بأن ينقل فلسطيني غزة إلى مصر والأردن، مرددا بثقة التزامه «بشراء غزة وملكيتها».
تصرفات صبيانية
أنقل لكم تعليقا على شطحات ترامب، من صحيفة «نيويورك تايمز» في مقال نشرته لنائب مستشار الأمن القومي السابق بين رودس، بعنوان «هذا ليس دونالد ترامب الذي انتخبته أمريكا»، وأضيف إليه من عندي، بأن هذا أيضا ليس ترامب الذي تحمس له قادة عرب كبار، حتى فاجأهم بتصريحاته الصارخة (المهينة).
ويرى رودس أن تصريحات ترامب لا تعكس القوة، بل تعكس تصرفات «صبيانية»، مؤكدا «أن سياسته الخارجية تفقد أمريكا الثقة والاحترام الدولي»، كما أن «سعيه لتوسيع نفوذه، يبدو أقرب إلى القادة المستبدين الذين يسعون للتوسع الإقليمي لترسيخ سلطتهم».
مطور عقاري والسلام
إن الفوضى التي تحدثها أفكار ترامب كـ«مطور عقاري» في منطقة الشرق الأوسط كبيرة، وتداعياتها خطيرة، ولا مجال للتعامل معها بضعف، فهو رجل لا يحترم إلا الأقوياء، لهذا لم يكن غريبا التصعيد في لغة الخطاب السياسي العربي، الذي احتوى مضمونه على خشونة مقصودة ضد إسرائيل وأمريكا للرد على تصريحات ترامب، والتحذير من تصدع مشروع السلام بالمنطقة.
وقد بعثت مصر برسائل للولايات المتحدة الأمريكية تتحدث وللمرة الأولى عن خطر يهدد «معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية»، الموقعة بين البلدين برعاية أمريكية سنة 1979، وكانت وكالة «أسوشييتد برس» الأمريكية قد نقلت عن مسؤولين مصريين قولهم إن «القاهرة أوضحت لإدارة ترامب وإسرائيل أنها ستقاوم أي اقتراح من هذا القبيل (التهجير)، وأن اتفاق السلام مع إسرائيل، الذي استمر لمدة نصف قرن تقريبًا، معرض للخطر».
زيارة الملك
فيما كانت الاستجابة العربية السريعة لانعقاد قمة عربية طارئة في القاهرة، انعكاسا لاصطفاف عربي يتشكل كحائط صد لمقاومة أفكار التهجير واختطاف غزة ومن بعدها الضفة، وتصفية القضية الفلسطينية.
ثم كانت زيارة الملك عبد الله ملك الأردن إلى واشنطن، رغم ما أحاطها من ضجة مفتعلة وصخب مصطنع، وأيضا الزيارة المهمة لوزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي إلى العاصمة الأمريكية، وكلتا الزيارتين تكملان جهدا دبلوماسيا قويا لتسويق الرفض العربي القاطع للتهجير مع التأكيد على أهمية العلاقات الاستراتيجية العربية الأمريكية، والحرص على عدم تعارضها مع مصالح دول المنطقة أو الانتقاص من سيادة دولها.
الاصطفاف العربي
وتبلور الاصطفاف العربي مرات كثيرة في أيام قليلة مدفوعا بمحاصرة تداعيات أفكار ترامب وضغوطه، المرة الأولى كانت عندما سارعت الخارجية السعودية بالرد البليغ والموفق في لغته وحجته، لتلجم تصريحات ترامب التي أطلقها من البيت الأبيض في حضور نتنياهو في ثلاثاء (أغبر) مطلع الشهر الجاري، وتكررت المسألة بإعصار الردود العربية (بقيادة مصرية) لرفض تصريحات نتنياهو التي طالت السعودية بحديث (بي بي) المراوغ عن نقل الفلسطينيين إلى المملكة.
وكانت الثالثة بالتحرك الواعي (شعوبا وقادة) لتدارك واحتواء تداعيات الحملة المدبرة ضد ملك الأردن بسبب ما جرى في زيارته الأخيرة للبيت الأبيض، وردوده خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه بالرئيس الأمريكي الجديد.
هذه أمريكا
لا شك أن العالم العربي تحيطه اليوم أخطار كبيرة، ويزيد الأمر خطورة العلاقة المرتبكة مع الولايات المتحدة الأمريكية منذ تنصيب ترامب، وأتفق مع الكاتب اللبناني الكبير غسان شربل حول ما ذكره قبل أيام في مقاله المعتبر «أمريكا وأحكام ما بعد الزلزال» المنشور في صحيفة «الشرق الأوسط»، الذي تحدث فيه بواقعية وعمق عن «أمريكا. الاقتصاد الأوَّلُ في العالم. سيدة البحار والأجواء معًا»، صادقا في تعبيره «ما أقسَى أن تكون عدوَّها!»، فاستعراض ما حصده الأعداء مخيف، وأيضا «ما أصعبَ أن تكون صديقَها»!، وربما هذا ما يربك اليوم نتنياهو صديقها الأقرب، ويعقد حساباته رغم كثرة الإغراء.
لقد صدق رئيس تحرير صحيفة العرب الدولية: «ما أصعبَ الرقص مع سيد البيت الأبيض! ما أصعبَ الرقص مع ترامب!»، والذي يختصر قصتنا معه في كلمات موجزة؛ «هذه أمريكا. وكانَ لا بدَّ منها. لوقفِ مذبحة غزةَ والإفراج عن الرهائنِ والأسرى. ولوقفِ الحرب الإسرائيلية على لبنانَ ومنعِ تحوّله غزةَ أخرى. ومنذ عقود طويلة يعرف الشرق الأوسط القصة. إنَّها طرفٌ ووسيط. تلجم الحروبَ لكن لا بدَّ من ثمن».
غزة كل يوم
فهل نقدر نحن العرب على الثمن الذي يطالبنا به ترامب نظير خدماته التي قدمتها بلاده إلى الشرق الأوسط؟، خاصة مع حالة الولع التي أصابته بها «غزة» فجأة، فأمسى يراها «موقعا عقاريا كبيرا»، وفي قول آخر «رائعة» وكأنها في نظره أجمل المدن، نافيا بذلك نفي شاعرنا الفلسطيني الراحل محمود درويش «ليست غزة أجمل المدن»، والذي أكده في موضع آخر أنها «أشد قبحا في عيون الأعداء».
وأختم بما استهل به درويش مقالا قديما له بعنوان «غزة كل يوم» نشرته صحيفة الأهرام سنة 1971، قائلا: «غَزَّة لا تُواصِل انفجارها اليومي، لنقول لها شكرًا!، وغَزَّة لا تُواصِل انقضاضها اليومي على الموت، لكي نكتب عنها قصيدة. وغَزَّة لا تجد متَّسعًا من الوقت، لكي تقرأ تحيَّاتنا، ولا بريد إلى غَزَّة، لأنها مُحاصَرَة بالأمل والأعداء، ورَغْمَ ذلك، نقف اليوم، وكلّ يوم، لكي نصلِّي لاسمها النادر بين الأسماء».