عبر خطوات مترابطة بشكل معقد ومنظمة بعناية إسرائيل تجنى ثمار الفوضى السورية وتلتهم الجولان

آلاء البدرى
أصبح واضحًا أن الخطوات الإسرائيلية لاحتلال الأراضى السورية مترابطة بشكل معقد ومنظمة بعناية، وهى بعيدة كل البعد عن كونها مجرد ردود أفعال على التطورات الجارية فى سوريا أو الحرب الدائرة فى المنطقة.
وعلى النقيض من الرواية التى تهدف الولايات المتحدة وإسرائيل لسردها للرأى العام العالمى، بأن تلك الإجراءات هى مجرد خطوات استباقية لتأمين الحدود ومنع الهجمات الإرهابية المحتملة، تسعى إسرائيل لإحراز تقدم كبير نحو تحقيق أهدافها المتمثلة فى ترسيخ نفوذ قوى ومكانة وحضور كلاعب رئيسى فى الشرق الأوسط، وتحقيق اعتراف أوسع ونفوذ أكبر فى منطقة محفوفة بالتعقيدات، وبدا ذلك واضحًا من نواياها التى يمكن التنبؤ بها إلى حد كبير، على عكس الضباب الذى يلقى بظلاله على مستقبل الدولة السورية الجديدة، والتى ابتُلع جزء من أراضيها بين عشية وضحاها.
إن التوغلات البرية الإسرائيلية تهدف لتحقيق عدة أهداف، الأول احتلال كامل أراضى الجولان الغنية بالموارد الطبيعية وتأمين مناطق استراتيجية يمكن أن تنطلق منها الهجمات باتجاه سوريا ولبنان فى المستقبل، والثانى هو إنشاء منطقة عازلة بين البلدين تجنب الهجمات المفاجئة مثل هجمات حماس فى 7 أكتوبر 2023، وأخيرًا الحصول على ورقة مساومة للمفاوضات المحتملة مع النظام السورى الجديد، وإذا كانت دمشق راغبة فى استعادة تلك الأراضى فسوف يتعين عليها إظهار حسن النية، وهى حالة أخرى من استراتيجية إسرائيل الدبلوماسية المعروفة بالأرض مقابل السلام .
خطة الاستيطان فى الجولان
إن خطة الاستيلاء على الجولان من قبل قوات الجيش الإسرائيلى موضوعة مسبقًا، ومن الضرورى أن نتذكر أنه خلال ولاية ترامب فى عام 2018، أعلن بشكل ملحوظ اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان التى احتلتها عام 1967، وقال: «بعد 52 عامًا حان الوقت للولايات المتحدة للاعتراف الكامل بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان التى لها أهمية استراتيجية وأمنية بالغة الأهمية لدولة إسرائيل والاستقرار الإقليمى»! دون ذكر أى حدود بين الدولتين السورية والإسرائيلية، ما يؤكد أن الأمر لم يكن أبدًا من قبيل الصدفة أو رد فعل للأحداث الجارية، وقبل أيام قليلة وافقت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع فى الخامس عشر من ديسمبر على خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو البالغ قيمتها 40 مليون شيكل، أى حوالى حوالى 11 مليون دولار لمضاعفة عدد سكان مرتفعات الجولان التى تستضيف حاليًا نحو 50 ألف نسمة، مقسمين بين اليهود والدروز، والحقيقة أن خطة توسيع الاستيطان بدأت فى الجولان قبل سقوط بشار الأسد بسنوات، وتحديدًا فى أكتوبر 2021 عندما أعلنت حكومة الاحتلال فى اجتماعها فى مستوطنة خزفين عن خطة مستقبلية حتى عام 2026 لمضاعفة عدد المستوطنين فى الجولان، من خلال بناء 7 آلاف وحدة سكنية جديدة، منها 3 آلاف فى مستوطنة كتسرين، و4 آلاف فى باقى المستوطنات.
كما صادقت الحكومة الإسرائيلية على مشروع إقامة مستوطنتين جديدتين فى جنوب الجولان، وتعتبر منطقة الجولان السورية من أهم مناطق الموارد الطبيعية التى تعتبرها إسرائيل ملكية خاصة، وسعت إلى السيطرة عليها بشتى الطرق من خلال بناء المصانع، وخلق المزيد من الفرص الاستثمارية والاقتصادية، وجذب المزيد من المستوطنين.
ويؤكد العديد من المراقبين الدوليين أن إسرائيل لا تستطيع مغادرة الجولان تحت أى ضغط أو مسمى، لأن ذلك من شأنه أن يؤدى إلى تدمير اقتصادها وتهديد أمنها وتشريد مواطنيها التى ظلت تعمل على توطينهم لسنوات، ونقطة البداية لهذا الاحتلال البيّن كانت الرواية الإسرائيلية الدرزية التى تسعى إلى التأكيد على الهوية الدينية الدرزية التى تجدها إسرائيل مقبولة، فى حين تلغى الهوية العربية السورية. والرواية الدرزية هى ستار الدخان الذى تستخدمه إسرائيل لبسط نفوذها فى الجولان المحتل، وقد نجحت على المستوى الدولى فى فعل ذلك، فالعالم لا يعرف إلا الدروز فى منطقة الجولان، ولم يتم ذكر لأى وجود عربى سورى فى المنطقة، إن هذه الرواية تعادل تدمير الثقافة السورية المعروفة بتنوع أعراقها، كما يظهر ذلك جليًا فى المدارس، حيث يتم تعليم الأطفال من خلال مناهج دعائية مصممة لتقليص الهوية والتاريخ العربى متنوع الثقافات، ولتأكد إسرائيل روايتها المزعومة قامت بنشر مقاطع فيديو مفبركة على مواقع التواصل الاجتماعى تصور تجمعًا لسكان قرى سورية من الدروز على الجانب السورى من مرتفعات الجولان وهم يؤيدون الانضمام إلى إسرائيل والغزو، حيث تحدث أحدهم أمام حشد من العشرات قائلا: «باسم جميع السكان هنا، وإذا كان هناك من يعترض فليقل، إذا كان علينا الاختيار فسنختار الشر الأقل، الضم إلى الجولان الإسرائيلى هى الشر الأقل»، محذرًا من الميليشيات المسلحة قائلًا: سوف يأخذون زوجاتنا وبناتنا ومنازلنا، وأكد المتحدث مدعيًا أنه يتحدث نيابة عن العديد من القرى فى المنطقة، وتشير تلك التصريحات إلى حجم المخاوف لدى الطوائف السورية، وخاصة الطائفة الدرزية فى جنوب سوريا من حكم الميليشيات، ورغبتها فى الحصول على الحماية الإسرائيلية، مما يثير تساؤلات هامة وخطيرة بشأن مستقبل وحدة الأراضى السورية، متعددة الثقافات.
دعم إسرائيل للمعارضة السورية
سعت إسرائيل بكل الطرق لإسقاط سوريا من أجل مطامعها الاستعمارية وتوسيع خريطتها، وبدأت بزعزعة الاستقرار بتدخلها فى الحرب الأهلية عام 2013، حيث قامت بتقديم الدعم المادى والمالى لمجموعات المعارضة السورية، حتى أنها دفعت رواتب للمقاتلين الأفراد بلغت 75 دولارًا شهريًا، وفى الفترة ما بين عامى 2013 و2017 عالجت نحو 3000 مقاتل من المتمردين السوريين فى المستشفيات الميدانية الإسرائيلية التى أنشئت فى مرتفعات الجولان المحتلة بشكل غير قانونى.
وكان الإسرائيليون يدعمون بنشاط ما لا يقل عن اثنتى عشرة جماعة معارضة مسلحة سورية مختلفة الأيديولوجيات والأفكار، وكانت إحدى الجماعات التى اختارت إسرائيل أن تقدم لها دعمها هى جبهة النصرة المعروفة أيضًا باسم فرع تنظيم القاعدة فى سوريا، والتى أعادت تسمية نفسها فيما بعد باسم هيئة تحرير الشام (HTS)، وكان الدعم الإسرائيلى المقدم لتلك المجموعات يهدف إلى المساعدة فى انهيار الدولة السورية، الأمر الذى يسمح لها بغزو جنوب سوريا، وإقامة المنطقة العازلة التى ترغب فيها، والاستيلاء على النقطة العمياء الوحيدة فى ردارها - قمة جبل الشيخ، والتى تمتد إلى ما بعد مرتفعات الجولان لتشمل بدلًا من ذلك منطقة تضم جزءًا من السويداء والريف الجنوبى لدمشق.
ولم يأخذ الإسرائيليون فى الاعتبار أيديولوجية مجموعة ما من أجل مساعدتها على طول مرتفعات الجولان، بل ركزوا بدلًا من ذلك على الكيفية التى يمكن بها لهذه الحركة المسلحة أن تساعدها فى تحقيق أهدافها الاستراتيجية الخاصة.
ورغم نفى إسرائيل المستمر لمساعدة الميليشيات المسلحة فى سوريا، وإقرارها فقط بتقديم المساعدات الإنسانية للسكان المتضررين، فإن رئيس أركان الجيش الإسرائيلى السابق غادى ايزنكوت، أكد لصحيفة «صنداى تايمز» أن إسرائيل قدمت بالفعل أسلحة لمجموعات متمردة سورية فى مرتفعات الجولان خلال الحرب الأهلية.
وذكرت التقارير الدولية أن إسرائيل أرسلت للجماعات المتمردة أسلحة شملت بنادق هجومية ورشاشات وقاذفات هاون ومركبات، وفى البداية أرسلت إسرائيل للمتمردين بنادق «إم 16 أمريكية الصنع»، ثم بدأت بعد ذلك فى توريد أسلحة وذخيرة من شحنة إيرانية كانت ذاهبة إلى جماعة حزب الله اللبنانية واستولت عليها إسرائيل فى عام 2009، وفقًا لمجلة فورين بوليسى.
دور إسرائيل فى تشكيل سوريا الجديدة
لا تشير العمليات العسكرية التى قامت بها إسرائيل فى الأراضى السورية وتدمير 80 % من البنية العسكرية السورية إلى هدف استراتيجى فورى فحسب؛ بل وأيضًا إلى طموح أوسع نطاقًا لإسرائيل لإعادة تعريف حدودها ودورها فى المنطقة، ولا شك أنه سيكون هناك دور واضح لها فى تشكيل سوريا ما بعد بشار الأسد، ولن تختار مرة أخرى العزلة الإقليمية، وبدأت أول أدوارها بالفعل عند اتخاذ قرار بتدمير البنية التحتية العسكرية السورية، من أجل منع تشكيل تهديد عسكرى، أو السماح بالاقتراب من حدودها مستقبلا، وتقويض شرعية مطالبات سوريا بهضبة الجولان، ومنع المتشددين السُّنة من إنشاء البنية الأساسية أو القواعد العملياتية على طول حدود إسرائيل، وما لم يتغير مسار الوضع السورى القائم بشكل كبير ليخرج اقتراح مدروس جيدًا لمبادرة سلام مع إسرائيل من الحكومة الانتقالية الجديدة فى سوريا، وبشكل سريع كرد على الانتهاكات وبمشاركة الدول العربية والمجتمع الدولى، حتى لا تدخل التعديات على الأراضى السورية فى سياق التوترات الإقليمية طويلة الأمد، فإنه من المرجح أن تكون استراتيجية إسرائيل الإبقاء على الجولان بأكمله، ومراقبة الأحداث بعناية، واتخاذ أقل عدد ممكن من الإجراءات المباشرة اللازمة لحماية أراضى إسرائيل ومواطنيها.
ونظرًا لعدم استساغة الحلول الأكثر دموية، أو إشعال صراع جديد على الجبهة السورية، فستعمل إسرائيل على إشعال الفتن بين الطوائف السورية لضمان استمرار القتال فى سوريا، وهو الوضع الذى تستمر فيه تلك الأطراف فى تركيز نيرانها على بعضها البعض.
ومع تطور الأحداث فى المنطقة تظل كل السيناريوهات ممكنة، لكن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو إقامة دولة فيدرالية فى سوريا، وسوف يصاحب ذلك استمرار العمليات الاستخباراتية الإسرائيلية داخل سوريا، واستغلال الفوضى وفراغ السلطة، ومن المتوقع أن تتقدم حملة التطبيع العربى - الإسرائيلى التى أطلقها ترامب ببطء خلال ولايته الثانية، فى حين قد تتبنى بعض الجهات الفاعلة الإقليمية إعادة ترتيب استراتيجيتها لخدمة مصالحها الخاصة.