الجمعة 4 أبريل 2025
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري
رئيس مجلس الإدارة
هبة الله صادق
رئيس التحرير
أحمد الطاهري

بعد عقود من الحكم الديكتاتورى سوريا تقترب بسرعة من النموذج الأفغانى

يبشر الاختطاف السريع لسوريا فى خضم الحرب الإقليمية الخفية الدائرة فى المنطقة، بعصر جديد مضطرب؛ ليس فقط فى سوريا؛ بل إن الفراغ السياسى والعسكرى الخطير الذى تركه نظام الأسد المهزوم من شأنه أن يعيد ترتيب الجغرافيا السياسية المتوترة.. ورغم أن الوضع على الأرض معقد ومتغير بسبب تنوع الأطراف العرقية والدينية، ويتفق معظم المراقبين على أنه من المستحيل تقريبًا التنبؤ بكيفية تطور الأمور فى الأيام والأسابيع والأشهر المقبلة؛ فإن ما يجرى فى سوريا فاق ما حدث فى ليبيا واليمن وغيرهما من البلدان العربية، حيث تقترب سوريا بسرعة كبيرة من النموذج الأفغانى.



 

ولا شك أن توحش نظام الأسد هو المسئول الأول عن الوضع المأساوى الذى تمر به سوريا الآن، حيث أدت عقود من الحكم الديكتاتورى إلى مقتل الآلاف وتشريد الملايين، واعتقال واختفاء وتعذيب العديد من أبناء الشعب السورى وخلق فجوة عميقة بين الشعب والنظام الحاكم، وترك مساحة لصعود الجماعات المتطرفة التى تنتمى إلى مجموعات إرهابية مختلفة، مثل تنظيم الدولة الإسلامية وتنظيم القاعدة، وقوات المتمردين المدعومة من تركيا والجماعات الجهادية العابرة للحدود، وغيرها، واختباؤهم تحت راية المقاومة السورية واستقطابهم الآلاف من الشباب وصغار السن.

ويعد إظهار قادة الجماعات درجة عالية من البراجماتية الاستراتيجية فى نموذج الحكم الخاص بهم وفى تعاملاتهم مع وسطاء القوة الأجانب، ونجاحهم المريب فى التعامل مع جميع الضغوط التى تعرضوا لها، لضمان بقائهم وسيطرتهم، كما أن اختيار توقيت الهجوم على النظام يؤكد علاقة الجماعات الجهادية التى منحت نفسها لقب المعارضة بأجهزة استخباراتية دولية، ويدل على حجم المؤامرة التى تهدف إلى تفتيت وحدة الدولة السورية وتقسيم أراضيها.

ورغم أن الكثيرين يرون أن مقارنة سوريا بأفغانستان مقارنة رديئة؛ فإن الواقع على الأرض يوضح التشابه الكبير بينهما، خاصة بعد أن أثبتت سوريا بالفعل أنها أرض خصبة لظهور محتمل لتنظيمات الإرهابية واحتضانها. 

معسكرات الجهاديين 

لعبت تركيا دور باكستان عندما استضافت لاجئين من أفغانستان، تمامًا  كما فعلت تركيا فى حالة سوريا، حيث وفرت المأوى والغذاء والمساعدة الطبية لعدة آلاف من اللاجئين السوريين المقاتلين ضد النظام، ودعمت الجيش الوطنى السورى، وهو ثانى أكبر قوة متمردة تحت قيادة هيئة تحرير الشام الدعم العسكرى المباشر من تركيا، وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من الفصائل المتمردة السورية المختلفة والجماعات الإرهابية المتخفية، وكان يعمل بشكل أساسى فى شمال سوريا، حيث قاتل ضد كل من القوات الكردية وقوات النظام السورى السابق.

وتركيا تدعم الجيش الوطنى السورى كجزء من استراتيجيتها الأوسع لمواجهة الميليشيات الكردية التى تراها تهديدًا بسبب ارتباطاتها بحزب العمال الكردستانى، فى المقابل كان يتلقى الجيش الوطنى السورى الموارد العسكرية والتدريب العسكري المكثفة، والدعم الاستراتيجى من تركيا، كما عملت على تدريب الميليشيات العسكرية فى سوريا عدة جهات مختلفة، لكل منها هدفه الخاص حتى تحولت سوريا من دولة آمنة إلى مرتع للمجاهدين والإرهابيين والمتأسلمين من كل دول العالم، ومعسكر كبير للجهاديين.

ورغم أن هيئة تحرير الشام التى تقود سوريا الآن حاولت إبعاد نفسها عن القاعدة بشتى الطرق، بهدف الحصول على الدعم المحلى والدولى، ومنع استهدافها من قبل مكافحة الإرهاب؛ فإن المجموعة لا تزال تحافظ على روابط أيديولوجية وتنظيمية قوية مع القاعدة فى أفغانستان، حيث يتم تدريب العديد من مقاتليها فى معسكرات القاعدة الرئيسية هناك. أما الطرف الثالث فكانت الولايات المتحدة، فعلى مدى العقد الماضى قامت بإنشاء عدة برامج لتدريب وتجهيز المتمردين فى سوريا، كما حدث مع أفغانستان تحت مسمى المساعدات الأمنية، وتألفت المساعدة من مستشارين عسكريين أجانب لتدريب وتجهيز عدد من الجماعات المتمردة السورية فى أجزاء مختلفة من البلاد، وأنفقت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون والشرق أوسطيون مليارات الدولارات على هذه البرامج، ورغم أنه من الصعب الحصول على معلومات حول التدريبات العسكرية للمتمردين، لأن مثل هذه الأنشطة تميل إلى أن تكون سرية، ما يسمح للدول المتورطة بإنكار التورط، فإنه تم رصد بعض المعلومات من قبل المراقبين الدوليين حول تدريب البنتاجون وتجهيز المتمردين السوريين من أجل محاربة النظام الحاكم وتنظيم الدولة الإسلامية الذى تمرد على الإملاءات الأمريكية.

بدأ برنامج التدريب والتجهيز التابع لوزارة الدفاع الأمريكية فى عام 2014، وقد مر بمرحلتين بدأت المرحلة الأولى فى أواخر عام 2014 وتم تنفيذها من خلال البنتاجون كجزء من عملية العزم المتأصل الأكبر، وقد كانت تتوافق مع الهدف الثانى المتمثل فى هزيمة داعش، وفى عام 2015 تم إطلاق البرنامج بميزانية قدرها 500 مليون دولار أمريكى.

والمرحلة الثانية والأهم كانت بعد سقوط الموصل فى يد تنظيم الدولة الإسلامية، وسعت الولايات المتحدة الأمريكية نطاق توفير الأسلحة والتدريب العسكرى، وكانت وحدات حماية الشعب الكردية هى المتلقى الرئيسى للأسلحة.

وفى أكتوبر 2015 انضمت وحدات حماية الشعب إلى الميليشيات العربية والآشورية والأقليات الصغيرة فى الإعلان عن قوات سوريا الديمقراطية التى تم تدريبها للعمل كقوات برية.

ورغم أن قوات سوريا الديمقراطية كانت الشريك الرئيسى للولايات المتحدة، فقد قدمت وزارة الدفاع الأمريكية أيضًا التدريب والمعدات لمجموعات مثل فرقة حمزة واللواء 51 ولواء المعتصم، بالإضافة إلى جيش القادة الثوريين فى حامية التنف على الحدود الجنوبية الشرقية مع الأردن والعراق، إلى جانب بعض الجماعات الإرهابية الناشئة.

 وبسبب تشرذم التمرد السورى واختلاف الأهداف والأيديولوجيات قامت الولايات المتحدة وشركاؤها بتقديم الدعم العسكرى إلى العديد من القادة من المستوى الأدنى والمجموعات الإرهابية الأصغر، بدلًا  من دعم زعيم عاما واحدا.

 

السيطرة على الاقتصاد 

 

على نفس نهج طالبان التى تمكنت من السيطرة على الاقتصاد الأفغانى من خلال فرض الضرائب والرسوم الإضافية وجمع مليارات الدولارات بطرق غير قانونية، تسير هيئة تحرير الشام، والتى كانت محاولاتها الأولى لتوليد الإيرادات والدخل من شمال غرب سوريا مقتصرة بشكل أساسى على أعمال غير شرعية، إما من خلال الغنائم التى يتم الاستيلاء عليها من النظام وفصائل المعارضة الأخرى، والتى قدرت فى عام 2018 بنحو 149 مليون دولار أمريكى على الأقل.

 

وأيضا من صفقات تبادل الأسرى مع العديد من الأطراف بما فى ذلك نظام الأسد والكيانات التابعة لإيران والحكومة اللبنانية والحكومة الإيطالية، والتى جنت من ورائها ما يقرب من 94 مليون دولار، بالإضافة إلى استلام مبالغ غير معروفة من عائلات المعتقلين فى سجون النظام مقابل تضمين مطالب بالإفراج عن هؤلاء المعتقلين فى صفقات التبادل وفديات الاختطاف، وأموال المقايضة مع إيران وحزب الله، مقابل جثث مقاتليهم.

 

وبعد أن رسخت الهيئة وجودها فى سوريا وخاصة مناطق الشمال الغربى سعى قادتها إلى وضع خطة محكمة لجنى المزيد من الأموال وتنويع مصادر الدخل، حيث بدأت بنهب المواقع التاريخية وإنشاء شبكات تهريب آثار والاتجار بها والاستيلاء على منازل وممتلكات من وصفتهم بالمرتدين وشبيحة الأسد، وهو اتهام غامض شمل المسيحيين والمدنيين المرتبطين بالنظام.

 

حدث التحول الأكثر أهمية فى السياسة الاقتصادية لهيئة تحرير الشام، بعدما شكلت حكومة الإنقاذ السورية لإدارة المنطقة التابعة لها، كأداة لتوفير الأطر القانونية والإدارية للاستيلاء على اقتصاد المنطقة ومواردها، وخاصة بعد أن استولت المجموعة على معبر باب الهوى، أحد أكبر مصادر الإيرادات فى شمال غرب سوريا، وهو أكبر استحواذ استراتيجى من حيث العلاقة مع تركيا، والتى استولت عليه فى أعقاب اشتباكات مسلحة مع حركة أحرار الشام.

 

وتقدر الإيرادات من معبر باب الهوى بحوالى 10-15 مليون دولار أمريكى شهريًا، ثم سيطرت على معابر أخرى - معبر الغزاوية مع مناطق، ومعبر الدرية مع تركيا، وهو معبر غير رسمى تدير من خلاله هيئة تحرير الشام عمليات تهريب الأشخاص والبضائع، كما سيطرت هيئة تحرير الشام على عدد من المعابر فى المناطق التى كانت تحت سيطرة النظام، بما فى ذلك مورك وأبو دالى وقلعة المضيق فى حماة التى أغلقها النظام فى أغسطس 2019، والمنصورة والعيس فى حلب التى أغلقها النظام أيضا فى فبراير2020.

 

إلى جانب إيرادات المعابر ركزت حكومة الإنقاذ السورية بشكل أساسى على احتكار الاقتصاد فى شمال غرب سوريا فأنشأت شركة نقد وصرافة تسمى الوسيط يزيد رأسمالها على 30 مليون دولار، تم جمعها بشكل أساسى من الإتاوات المفروضة على كل من يعمل فى قطاع الصرافة فى إدلب، واستولت على عدد من المبانى الرسمية والممتلكات العامة, كما سيطرت على حقوق استيراد المنتجات النفطية المكررة الأوروبية.

التشابه مع طالبان

صرح قادة هيئة تحرير الشام أنفسهم بالتشابه الكبير بين الهيئة وحركة طالبان فى أفغانستان، فى محاضرة ألقاها القائد عبدالرحيم عطوان قبل ثلاثة أشهر فى إدلب بعنوان «الجهاد والمقاومة فى العالم الإسلامى: طالبان نموذجًا».

 وركزت المحاضرة على نقاط التشابه بين حركة طالبان والهيئة، والتغييرات التى حدثت فى الحركة وأهمها تبنيها للجهاد المحلى داخل سوريا، وصاحبت هذه التحولات التنظيمية تحولات فى منهجية الحركة ووسائل عملها، وأهمها محاولات إضعاف الحركات المسلحة المنافسة لها، وتشكيل حكومة الإنقاذ لإدارة الشئون المدنية، وإنشاء ذراع سياسية للحركة، والدخول فى اتصالات ومفاوضات مع القوى الأجنبية فى البلاد، كما فعلت حركة طالبان كحركة مسلحة محلية، ونجاحها فى الدخول فى مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة.